موفق محادين

كاتب ومحلل سياسي أردني

الدراما والسياسة الباشا، الهيبة، خمسة ونص وغيرها

نحن نأخذ من الهيبة مقطعاً خاصاً بالإعلام، فلأن الفساد يطال السلطة الرابعة أيضاً، التي يجري تسويقها زوراً وبهتاناً كسلطة مراقبة على بقية السلطات، ولكنها ليست رقابة الضمير، بل أقرب إلى التمثّلات التي تحدّث عنها الفيلسوف الفرنسي، فوكو، وكذلك الروائي الإنكليزي، آورويل، في روايته (1984) حيث تتوحّد كل الرقابات في السلطة نفسها، بما هي علاقات قوّة فاسدة.

 تغيّر مسرح اللاعبين من ممثلين تقليديين إلى دمى بيد القوى الخفيّة لحركة المال ودورته
تغيّر مسرح اللاعبين من ممثلين تقليديين إلى دمى بيد القوى الخفيّة لحركة المال ودورته

من الأعمال الدرامية، المُحمّلة بجرعات سياسية مُكثّفة ذات صلة بالواقع السياسي العربي الراهن: الباشا، الهيبة، آخر الليل، عندما تشيخ الذئاب، الحرملك، العاصوف.
ولا تعني المقاربة السياسية لهذه الأعمال بالذات، أنها الأكثر مشاهدة أو الأكثر تماسكاً من الزاوية التقنية، فبعضها لم يخل من إطالة لا ضرورة لها، ومن تحميل بعضها رسائل سياسية على نحو مقحم وغير مقنع.
أيضاً، فإنه رغم أن هذه الأعمال لاتزال قَيْد المُشاهدة، إلا أن ما تحمله من مؤشّرات عامة يسمح بهذه القراءة المبكرة.
إلى ذلك، وفي ما يخصّ البُعد السياسي لهذه الأعمال، فنحن إزاء أكثر من نمط منها:
1- مسلسلات الصراع بين الآباء والأبناء وأبرزها الباشا، وإلى حد ما خمسة ونص وآخر الليل.
الأول، الباشا، والذي يُقدَّم كعمل مأخوذ عن قصة أجنبية من دون تسميتها، وهي رواية (الإخوة كارامازوف) لواحد من أعظم الروائيين في التاريخ، وهو الروائي الروسي، دستويفسكي.
ويمكن الإشارة كذلك إلى عمل شديد الصلة بالموضوع، هو كتاب عالم النفس الشهير، فرويد (الطوطم والتابو).
وملخّص الرواية والكتاب، هو الإحالة السايكولوجية إلى فكرة الخطيئة، النظير الآيديولوجي لفكرة شجرة المعرفة والجنس في بعض التأويلات المشتقة من الرواية التوراتية، المنحولة بدورها من أساطير قديمة.
حسب دستويفسكي وفرويد، ثمة صراع بين الأب والأبناء على القطيع والنساء، ينتهي بتواطؤ الأبناء على قتل الأب، (الخطيئة) ثم الندم، وهي على أية حال فكرة غير غريبة على العديد من الأبحاث الأنثروبولجية، ومنها أبحاث مورغان وإنجلز، التي تربط هذا الصراع بتحوّل البشر من المشتركات القروية اللاطبقية إلى عالم الملكية الخاصة للقطعان والنساء.
أما علاقة ما سبق مع مسلسلات الصراع بين الآباء والأبناء، مثل الباشا، فإن إسقاطاتها السياسية في محلها أكثر منها إقحامات وقياسات فاسدة.
وهي الإسقاطات، التي تبدّت في الأشكال المختلفة للدولة العربية، التي ولدت كأبناء الحرام على قارعة الطريق وخرائط المستعمرين والصهاينة، ومزّقت الأمّة وخاصة سوريا الطبيعية إلى هويات وعصبيات وكيانات مُتناثرة، بدأت أبوية – ريعيّة قبل أن ترتدّ على أولادها (قاعدتها الإجتماعية) وخاصة الطبقة الوسطى، وتبدأ بالتهام هؤلاء الأولاد بوصايا الشكل الجديد للمستعمر والصهيوني، البنك وصندوق النقد الدوليين.
هكذا نفهم أو نفسّر السِمة العامة لما شهدته السنوات السابقة في أكثر من دولة عربية تابعة، فالصراع ليس صراعاً بين الدولة في مفهومها المعاصر وبين المعارضة المدنية، بل بين قوى الدولة وقاعدتها الإجتماعية بعد أن تحوّلت الأخيرة إلى مصدر لتغذية النظام بالضرائب، بعد أن كانت شكلاً من أشكال مجتمع الدولة.
وإذا كان الأبناء عند دستويفسكي وفرويد قد دخلوا حال الندم على قتل الأب، والتي أخذت أشكالاً مختلفة من الإخصاء (ردّة فعل على استحواذهم على نساء الأب) فإن الأبناء في الحال العربية ذهبوا إلى شكل من التدمير الذاتي.
فلم تنهض على أنقاض الركام بدائل مدنية بل فوضى عارمة، ذلك أن الصراع بدأ منذ اللحظة الأولى على أشلاء الأمّة وليس في نطاقها التاريخي الإجتماعي الثقافي، ولم ينتج عقلاً جدلياً قادراً على فَهْم التناقضات وعلاقتها العضوية: الحرية مع التحرّر الوطني، الخبز مع فكّ التبعية، الوطن مع الوحدة، السياسي مع الثقافي والمعرفي، الطبقي مع الصراع مع المتروبولات الإمبريالية واليهودية العالمية وأقلام الإستخبارات الأطلسية وأداوتها، الرجعية والصهيونية والعثمانية الجديدة.
2- مسلسلات مثل الهيبة، حيث تبدو الدولة برمّتها صورة مُبكرة للهيبة، وتبدو الهيبة الصورة العارية لدولة في قفص الإتهام ومطاردة أكثر منها.
إننا هنا، إزاء مرايا متعدّدة لوجه الدولة العربية، في شكلها اللبناني، كما في تمثّلاتها الأخرى، وهي تغيب أو تغادر المسرح على نحو ما جاء في توصيفات، توفلر، وبادي، وتورين، لتحول السلطة في عصر البنوك والبورصة والثورة المعلوماتية، عصر الإستهلاك والسوق والتقنية الحديثة التي تجاوزت خطوط الإنتاج إلى خطوط الدماغ والعقل والوجدان.
إن الدولة، إذ تغيب أو تغادر التاريخ، لا تطلق مناخات ديمقراطية وإنسانية بديلة، بل تستعيد الغابة كما حدّدها هوبز في كتابه اللوياثان أو الوحش الذي يُعاد إنتاجه في طبعات جديدة تلائم الليبرالية القاتلة بقيادة البنك الدولي.
هكذا، تغيّر مسرح اللاعبين من ممثلين تقليديين إلى دمى بيد القوى الخفيّة لحركة المال ودورته، ومن صانعي تاريخ بهذا الشكل أو ذاك، إلى لاعبين جُدُد يجمعون بين استحقاقات العولمة المتوحشّة، وبين رواسب وذاكرة البلطات والقتل على الهوية المذهبية: أصوليون تكفيريون، شبكاتيون، رجال أعمال، غاسلو عملة، ومقهورون بلا رأس وتجربة.
النمط الثالث، المسلسلات ذات الصلة بالإسلام السياسي الأميركي، وتاريخه، ويلاحظ عليها في ضوء الشركات الخليجية المنتجة لها، إنها إما تستدعي التاريخ في إطار التجاذبات السياسية الراهنة، أو تعكس احتدام الصراع الداخلي بين أطيافها.
إن كشف أسرار وخفايا الفساد والانحلال في البلاط العثماني، بقدر ما يساعد على إضاءة المشروع الأردوغاني، الذي خرج عملياً من عباءة الأميركان (برنار لويس، بريجنسكي) بقدر ما يُعبّر عن صراع الأطياف المعروفة في داخل الإسلام السياسي الأميركي الرسمي، ومن ذلك ما يظهر في المحورين: القطري التركي، والسعودي الخليجي.
وكذلك الحال مع مسلسل مثل العاصوف، الذي يعكس المحطة الثالثة من الصراع داخل التحالف السعودي الوهّابي (حادثة جهيمان العتيبي في الحرَم المكّي).
أخيراً، ونحن نأخذ من الهيبة مقطعاً خاصاً بالإعلام، فلأن الفساد يطال السلطة الرابعة أيضاً، التي يجري تسويقها زوراً وبهتاناً كسلطة مراقبة على بقية السلطات، ولكنها ليست رقابة الضمير، بل أقرب إلى التمثّلات التي تحدّث عنها الفيلسوف الفرنسي، فوكو، وكذلك الروائي الإنكليزي، آورويل، في روايته (1984) حيث تتوحّد كل الرقابات في السلطة نفسها، بما هي علاقات قوّة فاسدة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً