محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

عرب أميركا

مبدئياً لا أحد بإمكانه الادّعاء بالعصمة، وليس من حقّه الإبقاء على تصوّره السياسي من أجل الاحتفاظ بمنصبه إلى آخر العُمر، أو على الأقل لسنواتٍ عدّة...

عرب أميركا
عرب أميركا

الكل في مواقع المسؤولية يخضع لمبدأ التحوّل لأن المسؤولية ذاتها تأخذ من هذا المبدأ حاصلها، وبالتعبير السياسي المَحْض فالكل خاضِع لمبدأ التداول على السلطة والشعب هو الذي يقرّر ذلك وهذه هي إحدى بديهيات الفكر الديمقراطي، ومن الصعب على أيّ مسؤول الاحتفاظ بمنصبه إن تكاثرت أخطاؤه أو تجاوز بتصرّفاته المهام التي أُنيطت به أو أصيب القطاع المسؤول عنه بنكساتٍ ومصائب ،هذا هو منطق المسؤولية كذلك، وإلا فما هو الفرق بين مُمتَهِن لمهنة النجارة أو الحدادة والوزير مثلاً... إن حضور أيّ مسؤول في وجدان الشعب يقتضي بالضرورة عملاً ما يحتضن هذا الحضور، و يتبنّاه وفق مبدأ الالتزام الحاصل بين الطرفين ، من هنا يمكننا إدراك الأسباب التي أدّت بكثير من المسؤولين في العالم الغربي إلى الاستقالة من مناصبهم ...لقد استقال وزير الأشغال العمومية في البرتغال بسبب سقوط حافلة من على جسر انهار وقت مرورها فوقه ، و قال أنا المسؤول عن الذين توفّوا في هذا الحادث ...استقالت أيضاً وزيرة الصحة البريطانية بسبب تناول فتاة بيضة مُتعفّنة وقالت أنا المسؤولة عن هذه الوفاة... استقال " نيكسون" رئيس الولايات المتحدة الأميركية من منصبه بسبب فضيحة "ووترغريت " ، أما رئيس الحكومة الفرنسية السابق فقد انتحر لأن الصحافة الفرنسية كشفت أنه أخذ سلفة من البنك بفائدة تقلّ عن الفائدة المعمول بها.
والأمثلة في هذا المجال كثيرة ومُثيرة للدهشة لأنها جاءت كلها بسبب وَخْز الضمير والخروج عن المبدأ الأخلاقي الذي هو أحد المرتكزات الأساسية للمسؤولية.
سقتُ هذه الأمثلة بقلّتها وأنا أتأمَّل واقع العالم العربي في هذا المجال إنه واقع يشبه في بعض الأحيان الخرافة ، وأحياناً أخرى الانكسار اللا مُتناهي ، أنظروا كل رؤساء العرب مُثبّتون إلى كراسيهم بالحُكم السلالي وكأنهم هم الكرسي ، و كلما انتهت عهدة أحدهم زوَّر أو أوعز لإبنه بأمرٍ مُشين من أجل بقاء حُكمه قابعاً وكأنه القادِر المُقتَدِر على توجيه ضربات التاريخ وحاصل الأخطاء ، وللمفكّر الفرنسي الكبير "أندري مالرو" جملة تشبه لوحة فنية في مُنتهى الحِكمة يقول "الدائم لا يُبنى على الخطأ" ، و سياسات حكّامنا كلها أخطاء منذ وفاة بومدين ، وفيصل ، وعبد الناصر، وسوار الذهب.. إن الظروف لا تصنع البطل ، ولنا في "نابوليون بونابرت" العبرة ، لقد أسّس إمبراطورتيه على خارطة الأوهام فمات في منفاه في" هيلانا" ذليلاً وأمام أعدائه ، لقد كان غاندي رجل التاريخ بقوّة التاريخ لا لأنه مؤسّس نظرية اللاعنف في مواجهة الاحتلال ، بل لأنه كان إبن الشعب يلبس من لباسه و يأكل من طعامه، كان يشبه الصوفية في رؤاه ومسعاه ونضاله ، وبالتالي استحق لقب صانع المُعجزة الهندية، والهند اليوم دولة نووية بعد أن كانت إلى سنواتٍ قريبةٍ من أفقر دول العالم، إن التاريخ لن يكون إلا واحدة من إثنتين إما معك وإما ضدك ، ولن يكون بالطبع إلا مُحايداً في حكمه ، هذه قضية يعرفها الجميع ، لقد وقعت سيّئات بل وحتى خيانات في الوطن العربي من بعض المسؤولين فيه ، ولم نسمع أن وزيراً أو رئيساً استقال ، فالذين أشعلوا حرب أميركا على العراق هم بعض الحكّام العرب بحيث استُبيحت الأراضي العربية من طرف الجيش الأميركي و قُتِل منها أكثر من مليون إنسان بل دُمِّرَت فيها مدن بكاملها مثل الفلوجة بطائراته انطلاقاً من الأراضي العربية ، و كأن الأمر لا يعنيهم واليوم أميركا تطالب كل الدول العربية بالتخلّي عن تاريخها وحضارتها ومقوّماتها بما فيها الإسلام ، في الوقت الذي يعلن فيه " قابرا نات" البيت الأبيض "أنهم ينفّذون سياسة إسرائيل".
أليس من حقنا أن نتساءل أين نحن في التاريخ و من الصراع الحضاري الدائر اليوم بيننا و بين الغرب..؟ أليس من واجبنا أن نقول للحاكم العربي إن الكارثة التي يمكن أن تأتي على الأخضر واليابس قادمة فماذا أنت فاعِل، إن لم تكن أنت فاعِلها.. ولكن دعنا نعود إلى التاريخ لأنه الشاهِد الحاضِر في كل لحظات عصرنا لنعرف على الأقل كيف يكون الانتصار و كيف تكون الهزيمة.
أولاً: حين فتح عمر بن الخطاب القدس دخل حاضرته ماشياً على الأقدام و خادمه راكباً وكان بإمكانه أن يشير بيده فقط فتُفرَش له الأرض بالبُسُط ، وتُحاط الأرصفة بكل ألوان الورود حتى من الذمّيين .. لكن عمر كان ينحت من التواضع دروب الحرية وبصائر المعرفة وقوانين الحُكم الراشِد ..كان إذن رجل التاريخ وإلى الأبد، ولطالما أكّد الواقع البشري على حقائق عدّة منها : أن التاريخ لا تصنعه دقّات الطبول، ولا الطوابير البشرية المحشورة على الأرصفة لاستقبال الزعيم وإلا لكان للأنبياء و الرسل السَبَق إلى هذه المتاحف البشرية.
ثانياً: حين تولّى الخلافة عمر بن عبد العزيز خرج من بيته إلى المسجد ماشياً حافي القدمين ولم تكن الطرق وقتها مُعبّدة مثلما هي عليه الحال اليوم، و تقول المصادر التاريخية المؤكّدة أنه قبل تولّيه الخلافة كان يخرج من بيته إلى المسجد ماشياً على البساط الأحمر وكانت لحيته تلمع من كثرة العطر .. هذا الانقلاب الداخلي الذي أحدثه عمر في حياته لم يأتِ من فراغٍ عقيمٍ ولا من نظرة فلسفية تأخذ من منابع الصوفية قوّتها، بل لأنه رجل التاريخ وأحسّ فعلاً أنه أمام أمّة حمّلته القيادة ، ولكي يكون في مستوى التاريخ عليه أن يعود إلى وجدان الأمّة وينحت من مصيرها مصيره وقوّته ، و قد كان فعلاً ضميراً للأمّة و روحها فاستحق بذلك صفة الحاكِم الراشِد، ليس للمسلمين فحسب بل لكل الأجناس التي كانت تحت وصايته ، تقول أيضاً الروايات التاريخية المؤكّدة أن أحد الرجال من مُشيّعي جنازة عمر إبن عبد العزيز شاهد ذمّياً على حافّة الطريق جالساً وهو يبكي فسأله ما يُبكيك..؟ فأجابه أوَ ما سمعت، أن عمر بن عبد العزيز توفّى اليوم لقد انطفأت شمعة كانت تُضيء لنا الطريق ، كان شمعة لأنه لا يُظلَم عنده أحد وهو الذي سنّ قانون (مَن رفع إليّ مظلمته فله مُكافأة).
ثالثاً : حين توفّى مصطفى أتاتورك و هو الذي ألغى ضمير الشعب التركي وأطفأ وجدانه الإسلامي، لم يجد مَن يُصلّي عليه صلاة الجنازة وصلّوا عليه عساكره ، وتقول وقتها وكالة الأنباء الفرنسية في برقية عاجلة لها من إسطنبول" إن الشعب التركي خرج في تظاهرات عارِمة ينادي (آذان عربي)" - لأن أتاتورك كان قد منع الآذان في المساجد - و هذا بعد أن أُعيد الآذان إلى المساجد ..لقد كان أتاتورك خارج التاريخ لما قام به من اختزال لتاريخ تركيا ، فدخلت تركيا دوّامات العنف السياسي والانقلابات العسكرية إلى غاية التسعينات.
إذن، كل ادّعاء بالحُكم الراشِد في العالم العربي اليوم هو من قبيل الاستهلاك السياسي ، وكل ادّعاء بالديمقراطية خارج الأسوار هو ادّعاء للتغطية على القبح السياسي المُمارَس في حق التاريخ والجغرافيا والأمّة ، وبالتأكيد إن تواصل مسلسل هذا الادّعاء فإن العالم العربي سيكون من جديد تحت تصرّف البيت الأبيض الأميركي، والحكّام فيه مُجرّد ممثلين لسياسة البيت الأبيض و مَن فيه من المحافظين الجُدُد من البيض والسود على السواء.

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً