محمد علوش

معد ومقدم برامج سياسية في قناة الميادين.

عائد من طهران

حين تفكّر بزيارة إيران تختلط عليك المشاعر، وتتضارب فيك الرغبات، خاصة إذا كنت خادعاً لآلة ضخّ الكراهية واستعداء إيران الدولة والثقافة والشعب. ومن منّا لم يتلوّث رداء عقله بلوثة الخوف من إيران أو الخضوع لجلسات الكراهية اليومية لها، فليرمني بحجر!.

العلاقة بين العرب والفرس تضرب عميقاً في التاريخ ما قبل الإسلام
العلاقة بين العرب والفرس تضرب عميقاً في التاريخ ما قبل الإسلام

مُذ كنت طفلاً، وإسم سلمان الفارسي يَرِد على أذني أو أصادف ذِكره في كتب التاريخ.. بداية معرفتنا بإيران تبدأ من سلمان.. نسمع من بعض مُفسّري القرآن أن كتاب الله حوى كلمات فارسية مثل: استبرق وسندس وفردوس.

العلاقة بين العرب والفرس تضرب عميقاً في التاريخ ما قبل الإسلام.. سمعت الكثير عن الملك قورش وعن الديانة الزرادشتية.. راهن بعض الباحثين ممّن وجدوا تشابهاً لافتاً بين الإسلام والزرادشتية إلى أن زرادشت كان نبياً، وإن لم يرد ذكره في القرآن. ففي وصاياه ما يحثّ على نفس القِيَم التي يحثّ عليها الإسلام ودعوته تظهر تشابُهاً بدعوة الإسلام في بعض الأمور! الملك قورش كان موحّداً يجزم بعضهم!.

لم أقرأ يوماً شيئاً من التاريخ العربي إلاّ وكانت إيران حاضرة بشكلٍ أو بآخر في هذا التاريخ. فنحن وهي نتقاسم تاريخاً مشتركاً، تتداخل فيه المنعرجات الثقافية والمذهبية والسياسية.

تعصف بك تلك الخواطر وتتدافع إلى مخيّلتك كل تلك المعلومات التي قرأتها يوماً وأنت تستحضر إيران.. ذاك البلد الغريب القريب في آنٍ إلى وجداننا نحن العرب.

كانت نفسي توّاقة لزيارة إيران. استضفت الكثير من الإيرانيين خلال مسيرتي المهنية. تحدّثت معهم طويلاً اتفقنا في بعض، واختلفنا في بعض آخر حول كثير من القضايا المثارة لجهة العلاقة بين إيران والعالم العربي، بين إيران والحركات الإسلامية، بين إيران والشيعة العرب، بين إيران وتركيا وبعض الدول الإسلامية.

وفي كل مرة كانت الدهشة ترتسم على وجه محدّثيني، حينما يعلمون بأني لم أزر إيران يوماً، فكانت دائماً نصيحتهم: عليك أن تزور إيران.... لا ينبغي أن يحكم على إيران أحد قبل أن يزورها. هناك صورة في المخيّلة العربية عن إيران تختلف كلياً عن الصورة التي هي عليها. 

حين تفكّر بزيارة إيران تختلط عليك المشاعر، وتتضارب فيك الرغبات، خاصة إذا كنت خادعاً لآلة ضخّ الكراهية واستعداء إيران الدولة والثقافة والشعب. ومن منّا لم يتلوّث رداء عقله بلوثة الخوف من إيران أو الخضوع لجلسات الكراهية اليومية لها، فليرمني بحجر!.

إيران دولة الملالي.. دولة الفرس الطامحين لغزو العرب.. دولة القتل والإرهاب وتصدير الشرور للعالم.

إيران البلد الغارِق في التخلّف الديني والسياسي.. بلد المذهبية والشعوبية الفارسية.

كيف لعربي غيور على دينه وأمّته أن يزور هذا البلد المعادي؟ كيف يقوى ضمير الإنسان الزائر لها بالدّوس على جماجم مَن قتلتهم إيران في العراق وسوريا واليمن؟ كيف.. وكيف.. وهناك ألف سؤال وسؤال!.

تستبطن تلك الأسئلة التي تواجهك حيثما يمّمت وجهك الإدانة المسبقة لإيران. كأنها حقائق لا تقبل الشك! وقد اعترضتني بعض تلك الأسئلة، وتكفّل بطرح بعضها الآخر شخوص علمت بسفري لإيران.

يهزّني الموقف هزّاً، فأتحسّس أطرافي خوفاً وجزلاً، وألتفت ذات اليمين وذات الشمال لأطمئن ألا يراني أحد وأنا عاري النفس أمام نفسي. أجادلها وتجادلني.. أخاصمها وتخاصمني قبل أن استفيق على أنّنا نعيش أكذوبات أكبر من قاماتنا.. سرديات صنعت ونحن في عالم الغيب أقداراً قبل مجيئنا للحياة.

لسنا أحراراً كما نظنّ يا صديقي.. ونحن لا نطبخ ما نأكله.. هناك مَن يطبخ عنا ويُطعِمنا. 

إيران ليست وحدها ما يُصنع لنا. إيران ليست استثناء من قائمة الأحكام المعلّبة الجاهزة.

نحن عموماً مسلوبو الرؤية، مسلوبو القدرة على الحكم.

الأجهزة التي تشكّل وعينا وتهندس قِيَمنا وتضع معايير أحكامنا لا تفارقنا البتّة.

هي ليست أجهزة إعلامية فقط. وإنّما دينية وسياسية وفكرية وجمالية تتحكّم بها جهة واحدة.. هي السلطة بكلّ ما في الكلمة من بطش، وثقل، وجشع، وطيش، وتألّه.

السلطة تصنع في ذهني وذهنك الصورة التي تريد..

تهندس قِيَمنا وتبرمج وعينا على السلوك المنشود..

إنها آلات تشكيل الوعي الجمْعي العام وضبطه. إنها آلات صناعة الملائكة والشياطين.. الأدوات والأبواق والاتجاهات نفسها. فكم من شريفٍ أضحى دنيئاً، وكم من خائنٍ صار وطنياً مناضلاً، وكم من مخلصٍ استحال مُنافقاً، وكم من أمينِ نعت خائناً!

وجمعُنا المبارك نحن الرعاع، رعايا السلطان وأتباعه. نبارك ما يقوله الحاكم ونصادق.. لا وقت للنّقد لدينا، ولا وقت للمراجعة..  فما يُجنّبنا السلطان إلاّ المحرقة، وما يمنحنا فهو نعمة مباركة.

الثابت الوحيد في هذه المعادلة هو سَلْب المواطن العربي عقله، وخَطْف مشاعره، وتشكيكه بقدراته المنطقية على الاستنباط والحكم والمقارنة، وزعزعة إيمانه بقدرته على التحرّر إذا ما بقي خارج السرب الذي يُسمّى "الرأي العام".

هذا "الرأي العام" الذي لا يُلمَس، ولا يرُى، ولا يُشمّ إلا من خلال السّلطة المتحكّمة بالنّاس جميعاً. السلطة التي تصنع الجماهير متى ما تريد، وتقضي على الجماهير ساعة ما تريد، وتنفي وجود الجماهير وقت ما تريد. إنها الآمر الناهي، الذي لا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه.

ونحن يا حسرةً كما يقول نزار قباني:

"معتقلون داخل النصّ الذي يكتبه حكّامنا

معتقلون داخل الدّين كما فسّره إمامنا

معتقلون داخل الحزن.. وأحلى ما بنا أحزاننا

مراقبون نحن في المقهى.. وفى البيت

وفى أرحام أمّهاتنا"


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً