محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

أميركا بين الغباء الإسرائيلي والتحدّي الإيراني؟؟

في المشهد التاريخي الأسوأ لأميركا أكيد ثمة محطات سيّئة.. لقد جنَّدت أميركا كل قواتها العسكرية لمواجهة الأطلال في بلاد الأفغان ودول أخرى، ومن أجل شخصٍ واحدٍ إسمه " أسامة بن لادن "فهل أميركا بهذا الفعل دولة عُظمى ..؟

أميركا بين الغباء الإسرائيلي والتحدّي الإيراني؟؟
أميركا بين الغباء الإسرائيلي والتحدّي الإيراني؟؟

يبدو الآن جلياً أن القدرة الإيرانية على التحرّك في الأحداث والعواصف السياسية جعلت من أميركا الأسوأ في المنطقة – وبالتالي - أخذت تخوّف "الأعراب" المُتأمركين'' من احتمالات التوسّع الإيراني ومن احتمالات الانتشار السريع للمذهب الشيعي، وجمعت من خلال هذه الافتراضات جزءاً مهماً من أنظمة الحُكم العربي(السعودية والإمارات) حولها تمهيداً لضرب العرب وليس لضرب إيران ، لأنها تعرف مُسبقاً أن إيران ليست إلا حالة استثنائية في التاريخ، والحالة هذه ليست قابلة للترويض أو المواجهة ،لأنها حالة تمتد بجذورها عبر الكثير من الواقع وفي كثير من البلدان ، فضلاً عن قابلية الفكر الإيراني للتأقلم بسرعةٍ مع التطوّرات الجديدة، واضح أن ''صفقة القرن'' انهارت، أو هي في طريقها إلى التلاشي، هذا مؤكَّد باعتراف مايك بومبيو، ومؤتمر البحرين أيضاً في خبر كان باعتراف إسرائيل المُستفيدة الأولى منه.. والحرب على إيران لا جدوى منها لأن مخاطرها على أميركا لا تُقدَّر بثمنٍ في الأرواح وفي العتاد، كما يقول الخبراء الأميركيون أنفسهم، وأن إيران لا تقول إلا ما هو يقيني لديها.. ويؤكّد محمّد جواد ظريف ''طهران لا تحتاج إلى أميركا'' ..

والعالم كله يتظاهر ضد ترامب وسياسته.. الحرب بين المُتطرّفين في البيت الأبيض والكونغرس على أشدّها، حوَّلت أميركا في نظر العالم إلى دولةٍ من العالم الثالث، والأكيد أن كل محاولات ترامب الخاسِرة هي بالأساس للدفاع عن إسرائيل ، غير أن عقلية ترامب المقاولاتية هي عقلية الغريزة البدائية بتعبير قاسم عز الدين، وبالتالي هو لا يدري كيف دخل بين فكّي الروسي والصيني بالخصوص وإيران بوجه عام. وكيف الخروج منه خارج صنع الأزمات وافتراضها حلاً لمشاكله، يقول الباحِث الأميركي خوان كول في سخرية من بلده وقادته" بشكلٍ غير عادل، لقد وضع الإيرانيون بلدهم بجوار القواعد الأميركية"، وحسب مقال للمُعلِّق جاكسون ديهل في واشنطن بوسط "الرئيس ترامب لم يتوقّف عن التهديد من كوريا إلى فنزويلا إلى إيران وأخيراً المكسيك"، و"قد هدَّد كوريا الشمالية أولاً بـ(النار والغضب)، وبعد ذلك أغدق (حبّه) عليها، في محاولة غير فعّالة لتفكيك ترسانتها النووية"، ويختم الكاتب مقاله بالقول: "ما هو واضح أن هدف ترامب النهائي لن يتحقّق من خلال التهديد والتنمّر والنسيان، فمُعالجة مشكلة مثل كوريا الشمالية وإيران والمكسيك، وحتى فنزويلا، تحتاج إلى سياسةٍ مُعقّدةٍ ومدخلٍ مُتأنٍ، وهما لا يتوافران عند هذا الرئيس'' .. ويأتي توقيف جورج نادر ليقضم سياسة الولاء الأعمى للسعودية والإمارات لأميركا.
في المشهد التاريخي الأسوأ لأميركا أكيد ثمة محطات سيّئة.. لقد جنَّدت أميركا كل قواتها العسكرية لمواجهة الأطلال في بلاد الأفغان ودول أخرى، ومن أجل شخصٍ واحدٍ إسمه " أسامة بن لادن "فهل أميركا بهذا الفعل دولة عُظمى ..؟ أم أنها بهذا الفعل مُجرَّد عين هارِبة من الأشباح إلى بلدٍ مُنتجٍ للأشباح المؤمنة، كما يقول عنه التاريخ ؟. واضح ألا مجال للمُقارنة بين مَن يمتلك القوة ويستعملها في الظلم والظلام وبين مَن يمتلك الروح والعقيدة، ويسلك التاريخ في ثنائية موحّدة وفق مسار الشهادة.. الاعتقاد الأميركي ومَن تحالف معه من الأوروبيين والأعراب اعتقاد يقوم على ازدواجية في الخطاب والفَهْم، وعلى تناقُضٍ بين الأمل والألم ..

إن أميركا – ربما - ولأول مرة في تاريخها تواجَه من الداخل بأدواتٍ هي في الأساس صُنِعت للرفاهية ..(الطائرات المُذنّبة) واختزال المسافات، هذه الظاهرة نِتاج تطوّر في الزمن ، مثل ذلك التطوّر الحاصِل في الآلة المُسخَّرة لخدمة الإنسان ، ومَن يدري قد تكون وسيلة أخرى هي السبب في الانهزام الحضاري لأمّةٍ جعلت من نفسها فوق كل الاحتمالات ، بما في ذلك احتمال البقاء كقوّةٍ ضاربةٍ وإلى الأبد، نتاج هذا الإيمان المبني على الخيال المُطلَق هو نتاج أقوام قال عنهم القرآن إنهم كانوا مُفسدين في الأرض، وإنهم تعالوا عن الفَهْم والأخذ بسنن الحياة وظنّوا أنهم خالدون ، فأخذتهم الصيحة فأصبحوا نادمين، إن الأوهام هي جزء من التاريخ لا محالة ولكنها جزء سلبي لا يؤمِّن للفرد أيّ غطاء ولا يُعطيه أيّ فعل يمكن الاتّكاء عليه ساعة المواجهة .
بديهي أن الولايات المتحدة الأميركية رأت أنها تجاوزت ظلال التاريخ مع'' فوكو ياما'' وتوهَّمت مع هذا التجاوز أنها قادرة على توجيه القارات الخمس باتجاه الجنون الذي تؤمن به ، إنْ في سياستها الداخلية أو في سياستها الخارجية ، ربما توهَّمت كل هذا التوَّهم لطبيعة التاريخ الأميركي الذي أُسّس على مبدأ الإبادة الجماعية للشعوب ، بداية من شعب الهنود الحمر ، أو ربما توهّماً منها أن الآلة العسكرية التي تمتلكها بإمكانها إسقاط كل حسابات البشر من واقع التاريخ وجغرافية الأحداث ،غير أن هذا التوهّم ، سقط بداية في أفغانستان ثم العراق ، وهو الآن على المحك مع إيران وإنْ بدا حقيقة ،لا يمكنه الإفلات من واقع الحال الحاصل فيه، (أي الهزيمة) ، إن الواقع يقول ، إن أميركا بما حدث لها مؤخراً إنْ مع إيران أو مع سوريا هي مثل بقيّة دول العالم ، وإن ادّعاءها بالمُطلق في كل شيء ادّعاء لا معنى له، فالأخطاء التاريخية الأميركية أكثر مما تعكس أخطاء الآخرين في فَهْم عقلية الإرهاب الأميركي ، لقد اتجهت أميركا نحو فييتنام ذات مرة بحثاً عن الضوء وعن المستقبل ، لكنها حصدت الملح في نهاية المطاف ، وهي الآن تحصده من جديد بفعل الكراهية المُطلقة واللا محدودة لها ، وتصنع بالتالي اللا أمن واللا استقرار لنفسها وللعالم أجمع كما يؤكّد الرئيس فلاديمير بوتين، فهل يعني هذا أن نهاية أميركا حضارياً على وشك الحضور ؟ كما يقول المُفكّر الأميركي نعوم تشومسكي، أمْ يعني أن العالم على وشك التحوّل باتجاه الصراع الدائم واللا محدود بين الثابت والمُتغيِّر ، بين المجهول والمعلوم ؟ الإثنان واردان والإثنان تحكمهما طبيعة واحدة وباتجاهٍ واحد، طالما أن الأيام دول بين الناس ، وأن الظلم لا استقرار لأهله.. لكن ما هو غير واضح هو هذا الجنون الذي يمارسه نيرون أميركا "ترامب " ضد الكل وكأنه فرعون العصر.. !! أكيد، حين قال الرئيس الأميركي السابق "إيزنهاور" لا أريد أن ألقى الله ويداي مُلطختان بالدماء "، كانت الولايات المتحدة الأميركية وقتها تؤمن بأن العالم يجب أن يستقرّ على أنهارٍ من الأمل وليس على أنهارٍ من الدماء..."جورج بوش "وابنه قادا الولايات المتحدة الأميركية لاحقاً عكس ذلك وكان التنجيم والادّعاء برسالة المسيح خطوتين مهمتين في سياستهما الإجرامية .. و"أوباما "من بعدهما لم يأتِ الرئاسة لأنه أهل لها و إنما لتنفيذ ما بدأه سابقاه ، وعلى حساب لون بشرته و جذوره التاريخية .. و حين قال زعيم الهند نهرو " إن التاريخ يسير ببطء لكنه يسجّل..

وأن آسيا ستشهد نهوضاً في المستقبل "، كان يعرف بحسّه الإنساني ورؤيته الحضارية إن قارة آسيا هي مركز الثقل في المستقبل ومركز الصراع أيضاً ، والصراع اليوم عليها قائم ومن جميع الأطراف الفاعِلة في السياسة الدولية والإقليمية.. وحين قال الجنرال ضياء الحق "إن مَن يتعامل مع أميركا كمَن يتعامل مع الفحم " ، كان يعرف كقائدٍ عسكري أن الخلفية التاريخية للسياسة الأميركية تجاه العالم ليست بريئة وأنها تشبه غبار الفحم ، إذ بعد أن تنتهي المصالح الأميركية في أية منطقة من العالم تنتهي المظلة الأميركية لها ، لتبدأ من جديدٍ في مكانٍ آخر، كان ذلك قبل صعود الصيني والروسي وصمود سوريا وظهور إيران كقوّةٍ إقليمية ضارٍبة، وأمام المُتغيِّر الروسي الصيني هذا تبدو أمور أخرى هي لصاح القوى الصاعِدة.. ومن الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية قد خسرت جزءاً مهماً من أتباعها إن في الشرق الأوسط أو في الغرب(أوروبا) وحتى من الذين يدورون في فلكها.. كان ذلك نتيجة حروبها الأخيرة..

حروب سواء تعلّقت بما يُعرَف بممارستها ضد الإرهاب بمفهوم الاحتواء والتخريب ، أو بعملية التوسّع الاستعماري الذي تنوي إقامته على نطاقٍ واسع .. إن الغرب عموماً يرى أن بلدان العالم الثالث قد حقّقت مُكتسبات عملية تجعل بعض بلدانه ضمن الدول الصناعية ، فضلاً عن كون هذا البعض قد اكتسب خبرة عسكرية تجعله غير قابل للاحتواء(إيران) ، وبالتالي فلا بد من البحث عن فجواتٍ فيه لوقف هذا التطوّر إما بالتشتيت وأما بتحويل بلدانه إلى مجرّد " كانتونات " يسهل ابتلاعها في أية لحظة .. وصَدَق لاريجاني: "إذا كان ماكرون ضليعاً في حل مشاكل الشعوب فمن الأفضل أن يحل أوضاع بلاده الداخلية أولاً".

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً