حسني محلي

باحث علاقات دولية ومختصص بالشأن التركي

انتخابات استانبول.. بداية النهاية

وأثبتت الأرقام أن عدداً كبيراً من أتباع وأنصار حزب العدالة والتنمية وحتى حليفه الحركة القومية، لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع استنكاراً لسياسات إردوغان المتناقضة في الموضوع الكردي، أي محاولته اليائسة للاستنجاد بأوج الان.

انتخابات استانبول.. بداية النهاية
انتخابات استانبول.. بداية النهاية

لقد كان هذا عنوان المقال الذي  كتبته  هنا بعد انتخابات 31 آذار/مارس الماضي وقلت إن أحلام إردوغان في الخلافة والسلطنة قد سقطت على أسوار استانبول، وكان الفرق آنذاك بين أكرم إمام أوغلو وبن علي  يلدرم 13900 صوت فقط، أما الآن فقد زاد الفرق بينهما عن 800 ألف صوت، وهو ما زاد من شدة وقساوة ومرارة الهزيمة التي ألحقها إمام أوغلو بالرئيس إردوغان الذي قاد الحملة الانتخابية بنفسه بدلاً من مرشحه بن علي  يلدرم.

وأثبتت الماضية أنه لم يكن متشجعاً لهذا المنصب منذ البداية لأنه كان وزيراً ثم أصبح رئيساً للوزراء، وأخيراً رئيساً للبرلمان وعمره يقترب من السبعين. وجاءت  النسبة العالية التي حصل  عليها إمام اوغلو لتقرب من نهاية إردوغان الذي أصبح رئيساً لبلدية استانبول في انتخابات آذار 1994 أي قبل ربع قرن بعد أن حصل على 25٪ فقط من الأصوات فيما حصل إمام اوغلو على 54.2٪ وهي أعلى يحصل عليها أي رئيس بلدية في استانبول منذ 40 عام. 

وهو الموضوع الذي سيحط من معنويات الرئيس إردوغان الذي يبدو أنه قد ارتكب أخطاءاً فادحة أهمها راهن على ورقة الأكراد سلباً كان أم إيجاباً. فقد اتهم في البداية أحزاب المعارضة وأكرم إمام اوغلو بالإرهاب المقصود به حزب العمال الكردستاني باعتبار أن حزب الشعوب الديمقراطي الذي دعم أكرم إمام أوغلو هو امتداد للعمال الكردستاني. 

وعاد إردوغان قبل الانتخابات بيومين ليستنجد بزعيم العمال الكردستاني عبد الله آوج الان الموجود في السجن في محاولة منه لمنع أنصار الشعوب الديمقراطي من التصويت لصالح إمام اوغلو، حيث قيل أن أوج الان ناشدهم لأن يقفوا على الحياد. وفشلت هذه الخطة أيضاً بعد أن استنفر قادة الشعوب الديمقراطي كل إمكانياتهم  لاقناع جميع أنصار وأتباع الحزب لدعم إمام أوغلو الذي حقق انتصاره بفضل هذا الدعم فعدد الناخبين الأكراد في استانبول يزيد عن مليون ناخب.

وأثبتت الأرقام أن عدداً كبيراً من أتباع وأنصار حزب العدالة والتنمية وحتى حليفه الحركة القومية، لم يتوجهوا إلى صناديق الاقتراع استنكاراً لسياسات إردوغان المتناقضة في الموضوع الكردي، أي محاولته اليائسة للاستنجاد بأوج الان. وسترشح كل هذه التطورات والمعطيات الورقة الكردية لأن تكون حديث المستقبل باستمرار، فإما أن يرضخ إردوغان  لمطالب حزب العمال الكردستاني ويخلي سبيل زعيمه عبد الله أوج الان والرئيسين المشتركين السابقين لحزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش وفيكان يوكساك داغ والمئات من أعضاء وأنصار حزب الشعوب الديمقراطي وهو الجناح السياسي للعمال الكردستاني أو يستمر في سياساته الحالية ضد الأكراد. وسيستمر حزب الشعوب الديمقراطي حينها في تحالفه مع الشعب الجمهوري والحزب الجيد وباقي القوى التركية. وسيفتح ذلك حينها صفحة جديدة في تاريخ تركيا بالكامل بانعكاسات ذلك أولاً على سوريا ثم العراق وإيران وحيث يعيش الأكراد.

فإذا استمر هذا التحالف ليشمل عموم تركيا سيجد إردوغان نفسه أمام تحديات صعبة جداً ولأن هذا التحالف سيكون كفيلاً بإنهاء حكم العدالة والتنمية في أول انتخابات رئاسية قد تكون في أقرب فرصة باستمرار المشاكل الداخلية والخارجية إذ أن إردوغان أصبح رئيساً للجمهورية في انتخابات حزيران العام الماضي بنسبة 52.6٪.

وسيجد إردوغان نفسه قريباً وجهاً لوجه أمام مشاكل معقدة وخطيرة في شرق الفرات، حيث وحدات الحماية الكردية الذراع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي والمدعومة من أميركا التي اختطفت عبد أوج الان من نيروبي في 14 شباط 1999 وسلمته لتركيا. وسيكون تعامل الرئيس إردوغان مع قضية شرق الفرات جزءاً من سياساته الخاصة بسوريا مع الروس ومعروف عنهم أنهم لا يحبذون التعامل مع الضعفاء وهي حال الرئيس إردوغان الآن بعد هزيمته الساحقة امام  اكرم امام اوغلو . فقد قاد اردوغان الحملة الانتخابية شخصيا بعد ان استنفر كل  إمكانيات الدولة واجهزتها و95٪ من الإعلام الخاص والحكومي الموالي له الذي لولاه لحصل إمام أوغلو على 75٪ من الأصوات. 

ودون أن يتجاهل أحد صعوبة بل خطورة الوضع الاقتصادي والمالي الذي لن يكون سهلاً على إردوغان معالجته مع استمرار خلافاته مع الرئيس ترامب الذي سيلتقي به في قمة العشرين في اوساكا 28 الشهر الجاري وسيكون الرئيس بوتين أيضاً هناك.

ويتوقع الجميع لتحركات الرئيس السابق عبد الله جول ووزير اقتصاده علي باباجان المدعوم من قبل الأوساط المالية العالمية أن تشكل الخطر الأكبر بالنسبة للرئيس إردوغان الذي سيواجه مشاكل جدية داخل حزبه الذي سيتعرض لهزات إرتدادية قد تنتهي بسقوط هذا الحزب من السلطة حتى قبل سقوط إردوغان. ويعرف الجميع أنه -أي إردوغان- سيجد إمام أوغلو منافساً له في انتخابات الرئاسة وأي كان موعدها المقرر لها أن تكون في حزيران  2023. 

وستشهد تركيا قبل ذلك الموعد تطورات مثيرة على صعيد السياستين الداخلية والخارجية، إذ استنفر إردوغان كل إمكانياته بعد ما يسمى بالربيع العربي من أجل زعامة الأمة الإسلامية، وقبلها أسلمة الأمة والدولة التركية حتى ذلك التاريخ.

أي الذكرى المئوية لقيام الجمهورية التركية العلمانية التي أثبت الشعب في انتخابات استانبول أنه مازال ملتزماً بها ضد سياسات إردوغان ومقولاته التي أراد من خلالها إحياء ذكريات الخلافة والسلطنة العثمانية التي أسقطها إمام اوغلو على طريق النهاية الحتمية لاردوغان الذي سينتظر المعجزات للتخلص من الشاب أكرم إمام أوغلو، وأثبت أنه زعيم سياسي وأكثر من رئيس لبلدية استانبول عاصمة الدولة والخلافة العثمانية.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً