حسني محلي

باحث علاقات دولية ومختصص بالشأن التركي

الرفيقان العدوان إردوغان وغول

لم يفاجئ وزير الاقتصاد السابق علي باباجان أحد عندما أعلن استقالته من حزب العدالة والتنمية وهو عضو فيه منذ تأسيسه عام 2001 حيث شغل العديد من المناصب في الحكومات السابقة ومنها وزير دولة ثم نائب رئيس وزراء ووزير اقتصاد ولفترة قصيرة وزيراً للخارجية. وجاء الإعلان هذا بعد المعلومات التي تحدثت عن استطلاعات للرأي أجراها باباجان تبين فيها أن 18% من الذين يصوتون عادة للعدالة والتنمية يتمنون ميلاد حزب جديد ينقذ البلاد من المشاكل التي تعاني منها داخلياً وخارجياً خاصة في المجال الاقتصادي وهو الموضوع الذي يختص به باباجان المعروف عنه علاقته الواسعة مع الأوساط المالية العالمية والأمريكية منها بالذات.

الرفيقان العدوان إردوغان وغول
الرفيقان العدوان إردوغان وغول

وتوقعت المعلومات لمجموعة من أعضاء البرلمان عن العدالة والتنمية يتراوح عددهم بين 40-60 ومعهم عدد من الوزراء السابقين أن ينضموا لحزب باباجان الذي سيعلن عنه خلال فترة اقصاها نهاية تشرين الأول/ أوكتوبر القادم بعد اتضاح صورة المستقبل السياسي في البلاد مع مراعاة موقف واشنطن والعواصم الغربية ذات التأثير التقليدي في السياسة التركية.

وجاء الرد سريعاً من الرئيس إردوغان الذي اتهم باباجان وجول وداود أوغلو بعدم الوفاء والعمل على تمزيق وحدة الأمة ثم بدأ لقاءاته مع أعضاء البرلمان من حزبه للتأكد من نواياهم المستقبلية. وتحدثت المعلومات الصحفية عن إغراءات مادية وسياسية ومعنوية من إردوغان للمقربين من جول لإبعادهم عن حزب باباجان إذ قام إردوغان بتعيين البعض منهم في مناصب فخرية في القصر الجمهوري. ويبدو واضحاً أن المعركة القادمة ستشهد العديد من الصولات والجولات خاصة بعد إعلان الرئيس جول تأييده ودعمه لباباجان ولأن الجميع يعرف بأن الحرب في الأساس بين الرفيقين السابقين الرئيس اردوغان وعبد الله غول الذي أسس العدالة والتنمية عندما كان إردوغان ممنوعاً من العمل السياسي كما هو أول رئيس حكومة العدالة والتنمية بعد انتخابات تشرين الثاني/ نوفمبر 2002 نجح في إلغاء الحظر السياسي على اردوغان بعد تعديلات دستورية في آذار/ مارس 2003 ليصبح إردوغان رئيساً للحكومة والحزب. وعاد غول حينها وزيراً للخارجية ثم حل محله في 2007 أحمد داود أوغلو عندما أصبح هو رئيساً للجمهورية.

وتستبعد الأوساط السياسية لداود أوغلو أن يشكل أي ثقل في الساحة السياسية باعتبار أنه لم يكن حزبياً بل جاء به عبد اللهجول في عام 2002 من الجامعة وجعل منه مستشاراً في الشؤون الخارجية. وتقول أوساط أخرى أن داوود أوغلو قد يكون مشروع إردوغان السري لشق وحدة الصف بالنسبة لاتباع جول وباباجان ومن المتوقع لهما أن يخرجا معاً بصبغة سياسية جديدة تضم ليس فقط اتباع وانصار العدالة والتنمية بل شخصيات ليبرالية وعلمانية وحتى يسارية وهو ما كان عليه حزب الوطن الذي أسسه وتزعمه الرئيس السابق تورغوت أوزال عام 1982 بعد الانقلاب العسكري في أيلول/ سبتمبر 1980 وليصبح رئيساً للحكومة ثم للجمهورية.

وأعتبرت الاوساط السياسية هذا التوجه المحتمل وإن تحقق أشارة مهمة على طريقالتنسيق والتعاون بين هذا الثنائي المذكور مع أحزاب المعارضة أولاً لإجراء استفتاء من اجل العودة للنظام البرلماني ومن ثم للتخلص من الرئيس اردوغان بعد ان اثبتت نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة خاصة في استانبول انه لم يعد مقبولا من أغلبية الشعب التركي الذي ازداد تفاؤلا بامكانيات التخلص منه خاصة في حال تمرد الثنائي جول-باباجان عليه.

واثبتت الاستطلاعات بان الحزب الذي سيعلنه هذا الثنائي سيحظى فوراً بتأييد حوالى 12% من المواطنين وهي نسبة عالية ستهدد مستقبل ومصير إردوغان الذي سيفقد حينها الأغلبية في البرلمان. فيما يعرف الجميع ان اردوغان بدوره سيعد للجميع عدتهم طالما أنه يملك جميع مقومات القوة عبر سيطرته على جميع مؤسسات ومرافق الدولة وفي مقدمتها الأمن والمخابرات والقضاء. كما هو يتحكم بالمال من خلال صهره وزير المالية والخزانة برات البايراك ورئيس المصرف المركزي الجديد.
ومن دون أن يتجاهل أحد سلاح إردوغان الأهم وهو الإعلام الذي يسيطر على 95% منه وهو في خدمته لاستهداف الثنائي جول وباباجان ومن معهما عبر حملات مسعورة كان لها دائما التأثير على الغالبية من اتباع اردوغان الا انها فشلت في منع الناخبين من التصويت لأكرم امام اوغلو الذي بات واضحا بانه المنافس الأكبر لاردوغان في اول انتخابات رئاسية قد تكون قريبا اذا حقق جول وباباجان هدفهما من تشكيل الحزب الجديد.

ويبقى الرهان وكما هو العادة على الورقة الكردية بعد ان اثبت حزب الشعوب الديمقراطي الجناح السياسي لحزب العمال الكردستاني انه بدون دعم الأكراد لم ولن يكن سهلا على المعارضة ان تفوز في آي انتخابات قادمة وكما كان الوضع عليه في استانبول ومعظم الولايات التي فازت فيها المعارضة في الانتخابات البلدية نهاية آذار/ مارس الماضي.

وقد يدفع ذلك الرئيس اردوغان للتفكير بمصالحة زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوج الان لسد الطريقعلى أي تحالف محتمل بين الأكراد واحزاب المعارضة وهو ما قد يضع اردوغان حينها امام تحديات اصعب واخطر بسبب الرد المحتمل من الاوساط القومية داخل حزبه على مثل هذا التصرف الخطير في نظر هذه الاوساط ولأن مثل هذا الموقف المحتمل سيدفع اردوغان بالضرورة للمصالحة مع وحدات حماية الشعب الكردية الذراع السوري للعمال الكردستاني وهي محمية من القوات الامريكية والفرنسية والبريطانية. ويراهن الكثيرون على عدم خروج هذه القوات من شرق الفرات باعتراض اردوغان عليها او برضاه عنها بل وحتى التعاون معها واذا اعتقد ان ذلك سيخدم مشاريعه ومخططاته وكما كان الرئيس أوزال يفكر بضم شمال العراق الى تركيا بعد هزيمة صدام في حرب الكويت!

وتبقى الأبواب مفتوحة لكل الاحتمالات التي ستحمل في طياتها الكثير من المفاجئات التي ستحدد مصير ومستقبل اردوغان ويتوقع الكثيرون لحكمه ان لا يعمر طويلا بعد إعلان رفيق الدرب غول الحرب عليه، هذا بالطبع إن لم يعلن ترامب دعمه له من جديد.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً