ما بعد التصعيد الأميركي في الشرق الأوسط..

مُقاربة الواقع السياسي والعسكري في سوريا، تحتاج إلى الكثير من التدقيق في تفاصيل الملامِح الإستراتيجية التي تنطوي عليها مصالح الأطراف الفاعِلة في الملف السوري، بَيْدَ أن جُملة الحقائق التي أنتجتها منظومة العلاقات السورية الروسية الإيرانية، تتّجه حُكماً إلى بلوَرة الحلول التي لن تكون خواتيمها مُتوافِقة بالكليّة مع توجّهات واشنطن وأدواتها الإقليمية في سوريا والمنطقة.

 ما بعد التصعيد الأميركي في الشرق الأوسط..
ما بعد التصعيد الأميركي في الشرق الأوسط..

لذلك نُشاهد بين الحين والآخر تعقيدات سياسية وأخرى عسكرية، تسعى إلى خلط الأوراق المؤدِّي إلى اختلال موازين القوى الإقليمية والمؤثِّر بتداعياته على القوى الدولية، ولعلّ التحوّل الجوهَري في ملامح الإستراتيجية الأميركية، بدأ عقب إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الانسحاب من سوريا،  لكن في مضامين القرار الأميركي المُفاجئ توقيتاً ومضموناً، ألغامٌ سياسية قابلةٌ للانفجار بالاعتماد على تداعيات القرار الأميركي، الذي ترك انطباعاً لدى حلفاء واشنطن أن المرحلة الأميركية الجديدة ستكون مبنية على إعادة الحسابات والتموضع، بما يتناسب والقراءات الأميركية حيال ملفات الشرق الأوسط، لكن الثابِت ضمن هذه التعقيدات، أن قرار ترامب بالانسحاب من سوريا، والعودة عنه لم تكن إلا لإضفاء مشهد ضبابي على ملامح المنطقة، يُدخل أعداء واشنطن في نفق ضياع الرؤى الإستراتيجية، ومن ثم بناء استراتيجية جديدة تتوافق مع ما تم التوصّل إليه من مُعطيات ووقائع، لكن واقع الحال يشي بأن الفخّ الأميركي وألغامه، قد تم التعامل معهما وفق استراتيجية الاحتواء والتفكيك من قِبَل روسيا وسوريا وإيران، هذا الأمر كان أحد أهم أسباب التصعيد الأميركي المُعتمِد على التجاذُبات بشقّيها السياسي والعسكري، نتيجة لذلك، تستمر سياسة التصعيد الأميركي من دون الغَوْص عميقاً في تصعيد مؤدٍّ إلى تدحرج الأوضاع نحو التصادُم العسكري، والذي بدوره سيُحدِث اهتزازات مؤثّرة على النظام العالمي الجديد.

سياسة التصعيد الأميركي في الشرق الأوسط ارتكزت في جزئيّاتها على بندين رئيسَين:

الأول – تزامُن الإعلان الأميركي الانسحاب من سوريا، مع حملة أميركية إسرائيلية خليجية جاءت تحت عنوان التصدّي للنفوذ الإيراني في سوريا، وعموم المنطقة.

الثاني – إعلان هزيمة داعش، مع الإبقاء على موجِبات التدخّل الأميركي في المنطقة، والمُنطلِق من نظرية مُحاربة الإرهاب، وفي جانبٍ آخر العمل على ديمومة الفكر السَلفي، بما يُبقي قواعد الإرهاب حاضِرة ومؤثّرة في الجغرافية السورية والعراقية.

الواضح في ما يتعلّق بالبند الأول أن التصعيد الأميركي ضد إيران، مرتبط جوهرياً بالكيان الإسرائيلي، حيث أن التهديدات المُستمرّة من أعلى هرم الإدارة الأميركية ضد طهران، له أبعاد تتوافق حُكماً مع قضايا الابتزاز السياسي والعسكري والاقتصادي الذي تمارسه واشنطن ضد الدول العربية، وخاصة تلك الخليجية، كل هذا من أجل الدَفع بتلك الدول لقبول صفقة القرن، والانخراط بشكلٍ مباشرٍ في حلفٍ ضد إيران، تكون دولة الكيان الإسرائيلي أحد أهم أعمدته، لكن في مقابل التصعيد الأميركي ضد إيران، برز توجّه أوروبي مُعارِض للنَهْجِ الأميركي ضد طهران، هذا الأمر مرتبط بتداعيات الخطوات الأميركية والانسحاب من الاتفاق النووي، المُتمثّلة بالبحث عن سُبُلٍ للحد من الأثر الاقتصادي جرّاء النَهْج الأميركي، فالارتباطات الاقتصادية الأوروبية والخليجية مع إيران، قد تُشكِّل خرْقاً في الاستراتيجية الاقتصادية الأميركية المُعتمَدة ضد إيران، ولعلّ واشنطن استقرأت مُبكراً أن الضغط الاقتصادي قد لا يؤتي ثماره، ما دفعها لسلوك طريق آخر وهو التلويح بالتصعيد العسكري من خلال تحريك عددٍ من القطع البحرية الأميركية إلى الخليج، إضافة إلى افتعال بعض الاستفزازات المحدودة والتي جاءت كجسِّ نبضٍ عسكري، بالتالي فإن التهديدات الأميركية عبر الحلول العسكرية الرادِعة لإيران، غير وارِدة بالمُطلَق، لأن المنطقة برمَّتها ستكون مسرحاً لحربٍ لا يُمكن إحصاء خسائرها، وفي المقابل فإن إيران صبرت كثيراً على الاستفزازات الأميركية، والتي كان آخرها احتجاز ناقلة نفط إيرانية في المياه الدولية، وعليه فإن إيران ستتحرَّك وفق قواعد القانون الدولي، وضمن خطوات سياسية ودبلوماسية، لاستثمار الاستفزازات الأميركية ووضعها ضمن ضوابِط تمنع استمرار تعقيد المشهد في المنطقة.

الجانب الثاني المُتعلِّق بإعلان هزيمة داعش، معناه في القاموس الأميركي البحث عن خطرٍ استراتيجي جديدٍ يُهدِّد المنطقة، وبناء على هذا الخطر يتمّ الاستثمار الأميركي في عديد الملفات الإقليمية والدولية، إضافة إلى إمكانية التصعيد ضد أعداء واشنطن انطلاقاً من تهديداتٍ طارئةٍ ومُهدِّدةٍ للسلم العالمي، ضمن هذه الجزئية يبدو أن واشنطن قد وجدت ضالّتها في تصنيف الحرس الثوري الإيراني إضافة إلى حركة النجباء العراقية وكذا حزب الله اللبناني، على أنهم منظمات إرهابية، وبصرف النظر عن مُحدَّدات التصنيف الأميركي وتبعياته الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكن ماهيّة الخطوة الأميركية تدخل في إطار توجيه الرسائل السياسية الخانِقة إلى إيران، بُغية انصياعها للقرار الأميركي من أجل التوقيع على اتفاق نووي يكون دونالد ترامب عرَّابه، لكن في مقابل ذلك، يبدو أن واشنطن لم تقرأ جيّداً ما بين السطور الإيرانية،  فالردّ الإيراني على التصنيف الأميركي يطرح العديد من الأسئلة عن كيفية ترجمة الردّ الإيراني على الاستفزازات الأميركية المستمرّة، هذه الأسئلة بمُجمَلها تُشكِّل أرَقاً لأميركا وأدواتها الإقليمية، وعليه فإن عَجَلة الاستفزازات الأميركية، وإن كانت في دورانٍ مستمرٍ ومُتسارِعٍ، لكنه دوران مُبرمَج وفق قواعد التهدئة التي تطغى على مناخات الاستفزازات، فأميركا تُدرِك بأن إيران وردودها سواء أكانت سياسية أم عسكرية، ستُشكِّل فارِقاً إقليمياً في أية معادلات ناظِمة لخطوط التوازن الإقليمي، وبالتالي فإن كل النَهْج الأميركي ضد طهران يحمل أبعاداً تفاوضية دافِعة لطاولة المفاوضات، برأسين أميركي وإيراني.

ضمن هذه المُعطيات، وكنتيجةٍ طبيعيةٍ ومنطقيةٍ للتصعيد الأميركي وانعكاساته، فإن الساحة السورية بوصفها مسرحاً إقليمياً ودولياً ناظِماً لموازين القوى الإقليمية والدولية، تشهد تجاذُبات وتعقيدات بين مُختلف القوى الفاعِلة في الجغرافية السورية، ولعلَّ مشهد انسداد الحلول التوافقية قد يطول ريثما توضَع الكلمات النهائية لمُجمل الحلول في سوريا، وعليه فإن القول بأن واشنطن لا تزال تُمسِك بزِمام الأمور في سوريا، يبدو أنه يُجافي الحقيقة، فالرُعب الأميركي من تداعيات ما تم تحقيقه سورياً، يُبقى واشنطن على قدمٍ واحدة، فالتوجّس والحَذَر من الميدان السوري وارتداداته الشرق أوسطية، دفع بواشنطن إلى العَبَث بأوراق القوّة السورية، والمُرتبطة بشكلٍ مباشرٍ مع حلفاء الدولة السورية، حيث أن روسيا وإيران ومحاولات جذبهما لكافة الأطراف المؤثّرة سياسياً وعسكرياً في الميدان السوري، نابعة من ضرورات الابتعاد عن أية مواجهات تزيد الأمور تعقيداً، وبصرف النظر عن المُمارسات الأميركية تُجاه روسيا وإيران في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، إلا أن نهج الاحتواء لواشنطن وأنقرة وتل أبيب وسياساتها، سيؤسّس للحل السياسي واستبعاد جميع ما سِواه، حيث أن سوريا وحلفاءها باتوا في حُكم المُنتصرين، فالمكاسب الميدانية تنعكس طردّياً على الموقع التفاوضي وأوراق القوَّة، وهذا ما اعترفت به واشنطن في أكثر من مناسبة.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً