موسكو وواشنطن .. هندسة الحل السياسي بتوقيت دمشق

وسط المواقف والتعقيدات الجيوسياسية في سوريا، تتأرجح كتلة من المواجهات السياسية المحتملة بين موسكو وواشنطن، فالصراع الاستراتيجي المُحتدم بين القوى الفاعلة في سوريا، يأتي ضمن إطار البحث عن مكامن القوة، لبناء تحالفات وتفاهمات تتجاوز في أبعادها الإصطفافات الظرفية التي أفرزتها نتائج الميدان السوري

موسكو وواشنطن .. هندسة الحل السياسي بتوقيت دمشق
موسكو وواشنطن .. هندسة الحل السياسي بتوقيت دمشق

فالواقع يُنذر بحدوث تصدعات بالجملة في جزئيات المعادلات الناظمة للواقع السياسي والعسكري في الجغرافية السورية، وعلى ذات النسق في العلاقات الدولية، يجري إخفاء العديد من الملفات في الصراعات الإقليمية والدولية، بُغية الوصول إلى صيغ تشاركية تُجنب تجارب الاصطدام العسكري، فالثابت لدى موسكو وواشنطن أن من يملك القوة ويجيد إدارتها بكفاءة وفاعلية، يستطيع حُكماً الاستيلاء على أوراق القوة سواء أكانت سياسية أم عسكرية، فمن الواضح أن التوصيف السابق يرجح لصالح روسيا، فالسيطرة على الجغرافية يمنح القوة السياسية لفرض الوقائع بناء على معطيات الميدان، بينما أمريكا لا تزال تناور ضمن سياسية اللعب على المتناقضات، والعبث بالملفات وأوراق القوة التي حققها الجيش السوري، وبالتالي كان لزاماً على روسيا احتواء التذبذب الأمريكي في الملف السوري، من أجل استكمال المسارات السياسية والعسكرية والتي بات الأمريكي يُمثل حجر عثرة في طريق تنفيذها، حيث أن سنوات الحرب على سوريا وضمن تفاصيل يومياتها، كان التنافس الروسي الأمريكي على فرض الوقائع السياسية والمرتبطة بالنتائج الميدانية، أبرز معالم المشهد السياسي والعسكري، لكن ما حققه الجيش السوري في الميدان، معطوفاً على تدخل روسي جاء بموافقة من دمشق، حُسمت الكثير من الملفات المرتبطة بأبجديات الصراع على سوريا الموقع والدور الإقليمي المؤثر، بينما واشنطن رسمت خطوطاً سياسية بعدما فقدت أوراق قوتها العسكرية، من أجل ابقاء المسوغات التي تُتيح لها إطالة أمد تواجدها في سوريا، وما بين الجيش السوري وحلفاؤه وانتصاراتهم ذات الأبعاد الإقليمية، والتدخلات الأمريكية الرامية لإخراج سوريا من دائرة التأثير الإقليمي، يكمن جوهر الصراع الاستراتيجي في سوريا وعليها.

التدخل الروسي في سوريا جاء بالتوافق مع جُملة الأهداف التي تركزت على إيجاد صيغة لإدارة الصراع، فالخطوات الروسية نجحت في حرف الجهود الدولية عن مسارها المُعتمد على نظريات تقسيم سوريا وإسقاط نظامها السياسي، إذ تمكنت من فتح مساراً تفاوضياً جديداً جاء متناغماً مع ما تم تحقيقه سورياً، لتنجح جزئيات الجهود السورية والروسية بتأسيس مناطق خفض التصعيد، وفق استراتيجية مُحكمة أسست لحل سياسي بعيد المدى، لكن وضمن نظريات الأمر الواقع، فقد كان لهذه الإستراتيجية دور محوري في ترتيب عمليات وقف إطلاق النار وإجراء المصالحات الوطنية، هذه التطورات المتلاحقة تم تجسيدها عسكرياً، لتتغير على وقعها جغرافية الحرب، إضافة إلى القضاء على الأجندات الدولية في سوريا، حينها فقط تمايزت المطامع الدولية التائهة بين الإصرار الروسي على الحل السياسي، وتمسك الدولة السورية بحقها السيادي بفرض سيطرتها على كامل الجغرافية السورية، بالاعتماد على الزخم الهجومي للجيش السوري، ضمن هذه المعطيات بزرت مؤشرات لصراع النفوذ بين روسيا والولايات المتحدة، هي مؤشرات رسمت المعالم الكبرى للمشهد السياسي والعسكري في سوريا، لكن وضمن معادلات القوة التي فرضتها الدولة السورية وحلفاؤها، حُسمت الكثير من الملفات الجوهرية، سيما أن المعارك الكبرى من حلب إلى دير الزور، كانت بمثابة التحول الجوهري في تفاصيل الحرب على سوريا، هذا الأمر حُددت بموجبه موازين القوى، وكانت مُنطلقاً لترتيب الخارطة العسكرية، على اعتبار أنها الأساس في تفعيل أي حل سياسي.

مع وضوح خارطة السيطرة العسكرية التي فرضها الجيش السوري بإنجازاته، تراجعت حدة المعارك العسكرية، ومع هذا التراجع تم تعبيد طرق الحل السياسي من أستانا إلى جنيف مروراً بـ سوتشي، فالترتيب السياسي المتناغم مع العسكري، اسست بموجبه روسيا و سوريا و إيران معادلات قوة لا يمكن تجاوزها، ومع جذب تركيا إلى هذه المعادلة، باتت واشنطن بعيدة عن مجريات الحل السياسي، لكن في مقابل ذلك، فقد صدرت تأكيدات أمريكية بضرورة الاحتفاظ بالوجود العسكري الضاغط على أي حل سياسي، أما التبرير الأمريكي فانطلق من مبدأ الضرورة التي تُوجب دعم الحلفاء على الأرض، و منع عودة الجماعات الإرهابية، هذه التبريرات ترجمتها موسكو على أنها تهديد لوحدة سوريا، كما أنها تُمثل عائقاً حقيقياً أمام أي حل سياسي، فالخلاف الروسي الأمريكي في سوريا، قد لا يُنذر بصراع عسكري، لكن الخلاف بين البلدين ينطلق من ترتيبات الحضور العسكري، و الاستحواذ على القيمة الاستراتيجية للدولة السورية، لكن في مقابل ذلك، فقدت واشنطن الكثير من رهاناتها في سوريا، جاء ذلك بعد مراكمة البيانات السياسية والعسكرية السورية، والتدخل القوي لروسيا في التفاصيل السياسية و العسكرية للحرب على سوريا، قابله انكفاء أمريكي واضح، رسم بموجبه ملامح الحل السياسي، وشُكلت على أساسه التحالفات الإقليمية والدولية.

ضمن النظريات الإستراتيجية التي اعتمدتها واشنطن، والتي فشلت في تحديد خياراتها، جاءت المقاربة الأمريكية لمسار التطورات في سوريا، بالاعتماد على الأداة الكردية، و في مرحلة لاحقة ركزت واشنطن جهودها في منع ما أسمته التمدد الإيراني في سوريا والمنطقة، هذه الذرائع الأمريكية التي تنطلق من ضرورات دعم الكرد و مواجهة إيران، اسست بُعدا استراتيجيا يتمثل بمقارعة الوجود الروسي في سوريا، و في جانب أخر كان دعم الكرد ذريعة من أجل الحفاظ على أخر الأوراق السياسية و التلويح بها لعرقلة أي جهود دولية لإنهاء الحرب في سوريا،  لكن وضمن القراءة المنطقية لمجريات الأحداث والتطورات، لم تنجح واشنطن في الكثير من السيناريوهات التي اعتمدت على الدعم العسكري والأمني للفصائل الإرهابية على اختلاف مسمياتها، فالفشل الأمريكي لم يقتصر على الفشل العسكري، بل أن الضغوط السياسية التي مارستها بغية خلق صدام سياسي في مسار استانا أو سوتشي، فشلت أيضاً، حتى بدت ملامح الفشل الأمريكي تأتي وفق التسليم بالحل السياسي في سوريا، لكن لا ضير من تعقيدات تُبقي واشطن ضمن معادلة الحل، كما أن واشنطن لم تعد تعارض بقاء الرئيس السوري بشار الأسد، هذا يُمكن ترجمته وبشكل واضح، على أنه انزياح أمريكي نحو التوجهات الروسية في سوريا.

انطلاقاً مما تم تأسيسه سورياً وروسياً وإيرانياً، حرصت الدولة السورية على هندسة أوراق الحل السياسي، هو حل قد يطول بالنظر إلى جملة التعقيدات وتضارب المصالح و المسارات، لكن ومع التصميم السوري للعناوين العريضة للحل السياسي، تمكنت روسيا وبموافقة دمشق، من جذب تركيا إلى تفاصيل وجزئيات الحل السياسي، واستيعاب الهواجس التركية ضمن سياق أستانا و سوتشي، وبذلك نجحت دمشق وموسكو من زرع اسفين في العلاقة الأمريكية التركية، وفي إطار ما تحقق من الرؤى الاستراتيجية، وبانتظار تفعيل خطوات الحل السياسي، تبقى دمشق عرابة الحل السياسي في سوريا، لا سيما أن الجغرافية باتت بيد الجيش السوري، وعليه سيتم تأسيس الحل السياسي على طاولة روسية أمريكية، لكن التوقيت سيكون دمشقياً


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً