محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

فرنسا تبحث عن هويّتها بالسترات الصفر ..؟

ربما  تبدو الصورة غير واضحة  لدى ساسة فرنسا مع رئيسها مانويل ماكرون  الذي تولّى الرئاسة من غير أيّ حزب ينتمي إليه وكأنه هبة إلهية لفرنسا بتعبير فرانسوا هولاند عن عودة جزيرة القرم إلى روسيا ..لكن إذا تأمّلنا ملياً مقولة جورج بوش في آخر ما تلفّظ به قبل رحيله بدقائق " أنا ذاهب إلى الجنّة..." يدفعنا إلى القول بأنه نفس الوهم يؤمن به الساسة الفرنسيون مند ولاية الجنرال ديغول إلى مانويل ماكرون.

لو أن فرنسا ملكت البحر ببوارجها، والبر بجيشها هي في قلب العاصفة ولن تتركها "السترات الصفر " تمر من دون ضجيج
لو أن فرنسا ملكت البحر ببوارجها، والبر بجيشها هي في قلب العاصفة ولن تتركها "السترات الصفر " تمر من دون ضجيج

يقول باتريك بيوكانان( سياسي أميركي وصحافي شهير) "أوروبا بكاملها تندفع بنفسها هاربة بتهوّر من مشاكلها  الداخلية وكأنها بلا بوصلة سياسية أو قوانين تحميها من الانهيار."وفرنسا الرأس الثاني بعد ألمانيا فيها هي اليوم  "صارت تشبه بشكل متزايد فرنسا قبل الحرب العالمية الثانية ، ماهي نقطتها القوية، وبطاقة تعريفها؟" في ظل أزمة قد تؤدّي إلى إفلاسها سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.. إنها بمأساتها الاجتماعية المتراكمة  تشبه الغواصّة التي تطفو على السطح.. صدامات عنيفة بين المحتجّين والشرطة في أربعمائة  مدينة فرنسية حسب الإعلام الفرنسي، وقد طالب  المحتجّون فيها، برحيل الرئيس ماكرون وتحسين ظروف المعيشة وإلغاء الضرائب على المحروقات وغيرها والخروج من الاتحاد الأوروبي، وهي من دون شك صدمت الكل لأنها مسّت حتى رموز الدولة الفرنسية ( تحطيم جزء من تمثال ماريان، وهو رمز للجمهورية الفرنسية،) ووضعت الكل حزيناً في مشهد آخر قريب منهم غير الذي شاهدوه عن بعد في ما عرف "بالربيع العربي" والذي ساهمت فيه فرنسا سياسياً وعسكرياً ظناً منها أنها من بوابته ستعود لتاريخها الاستعماري، ولكن بحروب بالوكالة كما حدث في ليبيا في عهد القابران ساركوزي.. حيث انتقل بفرنسا من حال عابرة القوميات إلى حال "القبلية"، ونسي" أن قمّة المهارة  تكمن في هزيمة العدو من دون خوض حرب" كما يقول الخبير الاستراتيجي الصيني سون نزو..

ربما  تبدو الصورة غير واضحة  لدى ساسة فرنسا مع رئيسها مانويل ماكرون  الذي تولّى الرئاسة من غير أيّ حزب ينتمي إليه وكأنه هبة إلهية لفرنسا بتعبير فرانسوا هولاند عن عودة جزيرة القرم إلى روسيا ..لكن إذا تأمّلنا ملياً مقولة جورج بوش في آخر ما تلفّظ به قبل رحيله بدقائق " أنا ذاهب إلى الجنّة..." يدفعنا إلى القول بأنه نفس الوهم يؤمن به الساسة الفرنسيون مند ولاية الجنرال ديغول إلى مانويل ماكرون.. وربما الوجه القبيح للاستعمار الذي واجهت به فرنسا مستعمراتها لازال بعض من الحنين فيه يراودها فأهملت المشاكل الاجتماعية والاقتصادية  للشعب الفرنسي لأكثر من أربعين سنة، مع أنها  تعلم أنها  صارت في مؤخّرة الركب حضارياً واقتصادياً إذا قسيت بألمانيا أو الهند، فالناتج القومي لديها أغلبه  مبني على الضرائب 48% وأن رئيسها منتخب  بنسبة  16% وهي اسوأ نسبة لا في تاريخ  فرنسا فحسب بل  في التاريخ  ككل. وفي هذا الصدد، تقول خبيرة المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية، ناديجدا أوزونوفا، لـ"برافدا رو" ماكرون، في الأصل يُسمّى برئيس الأثرياء...تمّ انتخابه بعدد قليل من الأصوات، إذا أخذنا في الاعتبار الضعف الشديد في المشاركة والعدد الكبير لمَن صوّت ضدّ الجميع".

ووفقاً لها، دعم ماكرون حوالى 24 % من الأصوات الحقيقية في الجولة الأولى. فقد "سار في البداية كقوّة معادلة لـ: "مارين لوبان" وهذا ما جعله يفوز.. إنه من غير الواضح لماذا يعتمد ماكرون على الليبرالية المتوحّشة  في مجتمع يرفضها وينادي بالحمائية الاجتماعية مند سنين والتي اكتسبها العمال بعد كفاح مرير ولأكثر من عقود من الزمن..؟ فهل يريد الخروج من الواقع المهتزّ بفعل الأزمة الاقتصادية أم يريد أن يكون صانع مجد فرنسا "بنيو  اللبرالية "على حساب  الطبقة الاجتماعية  التي تعاني الفقر والحرمان..؟ لقد واجه الواقع بمتغيّر لا يؤمن بالدوران خارج منطق الواقع ذاته وما هو عليه من سيّئ إلى أسوا وهو ما دفع رئيس الوزراء الفرنسي إلى القول " على فرنسا أن تتراجع عن الاصطدام بالجدار وعلينا أن نعترف بالظلم" وقال أيضاً "يمكننا أن نتصرّف وكأن ما حدث غير جدّي، لكن الحقيقة تكمن في أن كل هذا خطير للغاية"  فرنسا اليوم وأمام واقعها  الفوضوي لا يمكنها أن تعبر بسلام جسر السترات الصفر إلا إذا تراجعت إلى الخلف ولسنوات واستعدّت لمواجهة التاريخ الاستعماري لها بالتصالح مع الذات وليس بالذهاب إلى حروب خاسرة في ما عرف ب"الربيع  الربيع.."إن الأجدر بها أن تتأمّل جيداً تاريخها  وما علق به من هزائم بدل من محاولات سباق الأحداث خارج جغرافيّتها أملاً في العودة إلى ماضيها الاستعماري بداية من ليبيا إلى سوريا  ثم مالي وكلها أخطاء وقعت فيها ولحسابات متجانسة وطبيعة المفهوم الاستعماري لكن من دون أن تعود لذاكرتها  وما  تحتفظ به رفوف التاريخ الفرنسي السيّئ من حروب نابليون إلى الآن، وهي بلا شك تقطر ألماً بخطاياها وحتى بجرائمها.. أذهلني خبر إرسال حاملة الطائرات "شارل ديغول" إلى سواحل سوريا في بداية الحرب على سوريا..

الخبر كان مضحكاً - بالنسبة إليّ على الأقل ..الحاملة هذه ذاهبة أكيد لتحارب الحيتان في عمق البحر وليس لها غير ذلك ،إذ كيف لفرنسا العاجزة عن حماية الداخل فيها تحاول أن تحرّر مَن هم أهم منها استقراراً ،اجتماعياً واقتصادياً ، وأمنياً. إنها مجرّد لعبة كاريكاتورية من وجهة نظري أيضاً ...فرنسا التي أخرجت من ثكناتها العسكرية والأمنية أكثر من ثمانين ألف رجل مدجّجين بالسلاح تحيطهم دبابات مثبتة على أعلى الجسور فيها تحاول أن تخرج بوارجها قصد استعراض العضلات وهو ما لم يكن ضمن خططها قبل أن تعصف بها أحداث " شارلي إيبدو" كيف لفرنسا التي فشلت في الصومال رغم المساعدة الأميركية لها أن تقول للعالم بأن حاملات طائراتها في طريقها إلى الساحل السوري ولماذا .. ؟ إذا كان ذلك للاطمئنان على أصدقائها في بلدان الخليج فهم معها في الهمّ سواء ..

بل لإظهار قوّتها أمام غليان الداخل فيها.. إذن ،من المؤسف أن تحاول فرنسا التغطية على أخطائها بمساعدة الإرهابيين فيها على الذهاب إلى العراق وسوريا ولما عادوا إليها بنيرانهم  حاولت أن تظهر للعالم بأنها قوّة عالمية ..؟ لقد أخطأت فرنسا باحتضانها للإرهاب بما فيه الإرهاب الديني ل:"شارلي إيبدو "وأخطأت حين نقضت عهدها مع روسيا بعدم تسليم حاملتي طائرات هيلوكوبتر التي تعاقدت عليها روسيا مع المؤسّسة الفرنسية المعنية ، لقد كسرت بذلك هيبتها وتحوّلت إلى دولة من دول العالم الثالث الذي يوصف عادة بعدم الوفاء بالتزاماته ..فهل فرنسا في مرتبة روسيا اقتصادياً، وعسكرياَ ، وسياسياَ حتى تعاديها ..؟ أم أن تبعيتها المطلقة لأميركا جعلتها تفكر بأنها شريك في القوّة الأميركية وأن حمايتها بالأطلسي أمر جاهز مع أن رئيس أميركا ووزير خارجيتها رفض حضورها في الموزاييك السياسي الذي تم جمعه في قلب العاصمة باريس بعنوان كلنا ضدّ الإرهاب.. لا أحد يمكن أن يفسّر خرجة فرنسا هذه إلا بالتطاول على الحقيقة التي صفعت بها أجهزتها الأمنية حين ضرب الإرهاب فيها ضربته ومشى وهو ما يعني أن أمنها فاشل وهشّ ، وهي الآن تحاول جبر كسرها مع انتفاضة السترات الصفراء لكن في الوقت الضائع ..

أكيد لا يتم لها ذلك حتى ولو أن فرنسا ملكت البحر ببوارجها، والبر بجيشها هي في قلب العاصفة ولن تتركها "السترات الصفر " تمر من دون ضجيج قد تخلط جميع أوراق سياستها.واليوم  بعد أن شاركت فرنسا في الحرب على اليمن  وفشل معها شركاؤها من العرب والعجم هي بحاجة إلى صوت شعبي جديد  يقول وزير خارجيتها "جان إيف لودريان " واصفاً الحربَ في اليمن بأنها "قذرة"... إذن، فرنسا  لا تتعلّم من هزائمها وهي لاتعدّ ولا تُحصى  وكأنها أغبى الأغبياء في التاريخ، ومَن لم يتعظ من أخطائه  فلا مجال لانتظار الرؤية  الصائبة منه. وإذا صدقت  وسائل إعلام عالمية مختلفة  في رؤيتها فإن "التحوّل الذي فرضته حركة السترات الصفراء سيؤدّي إلى تسونامي كبير من شأنه تحطيم الوحدة الأوروبية." والمخرج  كما يقول المُنتفضون "إما ثورة شعبية...أو حرب عالمية ثالثة".

 

 


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً