علي أبو الخير

كاتب مصري.

شهادة حسني مبارك في المحكمة... ضدّ نفسه قبل الجماعة

قد تكون إحدى الفرضيات أن "حسني مبارك" ليس لديه ما يقوله عن تلك الأيام، حيث كان نظامه على وشك السقوط والجهاز الأمني في أوضاع تشبه الانهيار، وتدفق المعلومات متقطع ومرتبك، أو أنه لا يريد المغامرة فيرسل شهادات قد تُؤخذ عليه، فيعود للسجن مرة أخرى.

في المحكمة امتنع "حسني مبارك" عن الإجابة على أغلب الأسئلة
في المحكمة امتنع "حسني مبارك" عن الإجابة على أغلب الأسئلة

استمعت محكمة جنايات القاهرة برئاسة المستشار "محمّد شيرين فهمي" يوم الأربعاء 26 كانون الأول|ديسمبر 2018 إلى شهادة الرئيس السابق "حسني مبارك" في إعادة محاكمة الرئيس السابق أيضاً "محمّد مرسي" و28 من قيادات وعناصر جماعة الإخوان المسلمين، في القضية المعروفة إعلامياً بـ “اقتحام الحدود الشرقية"، و"الهروب من السجون" أثناء ثورة|انتفاضة 25 كانون الثاني|يناير 2011، جاء "حسني مبارك" شاهداً، وليس متّهماً، فلقد خضع لمحاكمات عديدة لا تدخل جميعها في صلب الأسباب التي أفضت إلى الثورة على نظامه، بعضها اقتصر على حدود مسؤوليته عن إطلاق الرصاص على المتظاهرين في الثمانية عشر يوماً، ما بين 25 كانون الثاني|يناير و11 شباط|فبراير 2011، وبعضها الآخر أدانته بتهمة ماسّة بالشرف في قضية القصور الرئاسية، وقضى عقوبتها، وكان المفترض أن يُحاكم سياسياً، وليس جنائياً، ولكن هذا ليس موضوع مقالنا، المهم أنه صار شاهداً بعد أن كان متهماً.
في المحكمة امتنع "حسني مبارك" عن الإجابة على أغلب الأسئلة، وطلب الحصول على إذن من القيادة العامة للقوات المسلحة، قبل الإدلاء بأية معلومات، أما ما أدلى به من أقوال يمكن تلخيصها في ما يلي :- مقتحمو الحدود هرّبوا عناصر الإخوان المسلمين ومن معهم من السجون - مدير المخابرات الراحل اللواء عمر سليمان أبلغني باقتحام 800 شخص مسلّح للحدود الشرقية يوم 29 كانون الثاني|يناير 2011- المسلّحون استهدفوا إسقاط الشرطة في مدن "رفح والشيخ زويد والعريش"، وتوجّهوا إلى داخل البلاد وانتشروا بالميادين خاصة ميدان التحرير بالقاهرة - المسلحون كان هدفهم مساعدة أعضاء الإخوان المسلمين على الهروب من السجون، ونشر الفوضى، وكانوا يضربون النار من فوق العمارات في الميادين - الدولة لم تكن تعلم شيئاً عن وجود أنفاق للتهريب - الأنفاق غير قانونية ولم يكن للدولة علم بها - دمّرنا آلاف الأنفاق وأثناء تدميرنا الأنفاق كانت تطلق أعيرة نارية من قطاع غزّة على القائمين على سد الأنفاق - سلّمت الدولة للقوات المسلحة حتى لا تسقط مصر- هناك مخططات كثيرة كانت تحاك ضد الدولة المصرية بعد 25 كانون الثاني|يناير 2011 لكنى لست في حل للحديث عنها قبل الحصول على إذن من الجهات المختصة، لأنني لو تكلّمت سأرتكب مخالفة وأطلع من هنا أدخل في حته تانية(مكان آخر)"، وفي رده على سؤال المحكمة بشأن حديث مدير مباحث أمن الدولة بسيناء بأن الإخوان قاموا بالاتفاق مع التنظيم الدولي وحماس مع الولايات المتحدة وتركيا في تنفيذ مخطط استهدف إحداث حالة من الفوضى وعدم استقرار البلاد والاستيلاء على السلطة لتنفيذ مخطط لاستقطاع جزء من سيناء ونقل فلسطينيين إلى سيناء، قال نصّاً: "أنا لم أسمع عن هذا المخطط" وعندما سألته المحكمة عن التقرير الذي قدّمه اللواء "حسن عبد الرحمن" رئيس جهاز "أمن الدولة" السابق، الذي يحذر فيه من ثورة مصرية على غرار الثورة التونسية، ردّ "مبارك نصّاً :"لا علم لي بذلك".
وهي إجابات كما نرى لم تستفد المحكمة منها في شيء، لكون الشاهد هنا وهو الرئيس الأسبق لم يحدّد نسبة اتهام كل شخص من المتهمين على حدة أمام المحكمة، كما لم يصرح بأية أسماء عن هوية المقتحمين ، وأكّد على عدم معرفته بهم أو حتى جنسياتهم، والشهادة بالتالي لم تضف جديداً، ففي صلب الشهادة لم يجب "حسني مبارك" عن أيّ سؤال جوهري قد يحمّله مسؤولية التقصير في حماية الحدود، وهي في صدارة مهام موقع رئيس الجمهورية، لأن أخطر الأسئلة، لم يجب عنها مثل:- "لماذا لم يُقبض على أي أحد من الذين اقتحموا الحدود، وعددهم حوالى 800 رجل حسبما أبلغه رئيس المخابرات الراحل؟ - كيف اُقتحمت السجون من دون أن تكون هناك حراسة كافية تصد وتحمى الدولة؟ - كيف تسنّى لذلك العدد الكبير من المتسلّلين الوصول إلى ميدان التحرير من دون أدنى اعتراض لمواكب سياراتهم؟ - ما حقيقة ما أسندته إليهم بعض الشهادات الأمنية من أنهم أطلقوا الرصاص على المتظاهرين من أعلى البنايات في ميدان التحرير؟، وهناك أسئلة أخرى حساسة من بينها: من قتل اللواء "محمّد البطران" مدير مباحث السجون؟، وغيرها من الأسئلة التي مازالت من دون إجابات حتى اليوم.
قد تكون إحدى الفرضيات أن "حسني مبارك" ليس لديه ما يقوله عن تلك الأيام، حيث كان نظامه على وشك السقوط والجهاز الأمني في أوضاع تشبه الانهيار، وتدفق المعلومات متقطع ومرتبك، أو أنه لا يريد المغامرة فيرسل شهادات قد تُؤخذ عليه، فيعود للسجن مرة أخرى، مع علمنا أن رفضه الإجابة على أسئلة القاضي حرصاً على الحفاظ على الدولة وأسرارها هو توجّه صحيح منه، إذ هناك مسائل تتعلق بأمن النظام وأسرار الدولة لا يمكن الحديث فيها أمام الجميع، ولكن في المقابل يمكن اتهامه بأنه لم يحكم بصورة صحيحة في آخر سنوات حكمه، ولم يكن يدري ما يّحاك ضد الدولة المصرية، عندما كانت عملية توريث الحكم إلى الإبن "جمال مبارك" قائمة على قدم وساق، وغيرها من الأحداث.
اللافت للنظر أن "حسني مبارك" تجنّب وصف أحداث ثورة|انتفاضة كانون الثاني|يناير 2011 بالمؤامرة، وقال "إن الحكم للتاريخ"، وهو أول العارفين بخيوط المؤامرة منذ غزو واحتلال أميركا للعراق 2003، وأن الهدف هو تفتيت الدول العربية، منذ أطلقت "كونداليزا رايس" وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مصطلح "الفوضى الخلّاقة"، وأن إسقاط الدول بالمفهوم الأميركي، هو وصول جماعات الإسلام السياسي للحكم، ثم زعزعة الاستقرار وجلب الإرهابيين، والدخول في حرب أهلية، و"حسني مبارك" يعرف أكثر منا، ولكنه تجنّب هذا كله، كما تجنّب أيّ حديث حول طبيعة العلاقة التي جمعت نظامه بجماعة "الإخوان المسلمين"، فهو الذي ضيّق عليهم سياسياً خلال فترة حكمه، ولكنه ترك لهم حرية الانتشار والتجارة والتوسّع والاستيلاء على معظم النقابات المهنية، نقابات الأطباء والتجاريين والمهندسين والزراعيين وغيرها، وبالتوازي همّش "الأزهر الشريف" وترك المساجد للسلفيين، فانتشروا وبدأوا في تغيير الهوية الحضارية المصرية، فتعامل وعقد الصفقات مع جماعات الإسلام السياسي، وهذا هو مربط الفرس، التي تجرّح شهادة "حسني مبارك"، فهي في النهاية شهادة ضد حكمه وضعفه ووقوعه تحت ضغط نجله "جمال" وتحت ضغط الدولة الأميركية، وعندما انطلق الشباب وكل المصريين في ثورة|انتفاضة عام 2011، كانت جماعة الإخوان المسلمين آخر من دخل "ميدان التحرير" وأول من خرج منه، وأول من استفادوا من الثورة، وأول من خسر ما كسبوه في غمضة عين، ولذلك تأتي شهادة الرئيس الأسبق "مبارك"، لتدين ننفسه قبل أن تدين غيره، وتوارى خلف حجّة ضرورة الحصول على "الإذن الرسمي"، ليقول كل ما عنده، وهو ما نشك في أن يقوله ..
في النهاية نترك القضية للمحكمة لتأخذ بأقوال "حسني مبارك"، أو ترفضها، فهي المسؤولة عن ذلك، ولكن التاريخ هو الحكَم الحقيقي على الجميع ... حفظ الله الأمّة من ويلات المؤامرات، التي لا تكفّ، والتي ادّعى "حسني مبارك" أنه لا يعلمها ...


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً