محمّد لواتي

رئيس تحرير يومية المُستقبل المغاربي

الدول الأوروبية وقرارات ترامب

صوت الضمير ارتفع إذن، صوت الضمير لدى كل من روسيا والصين، وكان على الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ألا تقف الموقف المتشنّج وتواصل سعيها الملفّق للانتهاء من محاولة جمع أو جرّ أطراف إلى مائدة العداء ضد فنزويلا في شان داخلي يخصّها.

بالتأكيد، الواقفون خلف جدار الوعي بلا وعي ليسوا أغبياء فحسب بل هم على ذيل التاريخ كخيط دخان!! ومع - الرئيس  ترامب - يصدق هذا الوعي بكل جرائمه.. إذن العالم يعيش العاصفة، عاصفة الدم وعاصفة الانحراف، المشكلة أشد من أي توصيف سواء على مستوى الاحتمالات أو على مستوى الاحتكام بالظنون، الغرب، يجر أذياله من جديد بحثاً عن مساحة يرتكز عليها كمنطلق لمفهوم جديد للاستعمار و"الناتو" هو الوسيلة الأهم اليوم، رغم تهديد ترامب بالهروب منه.

إن الولايات المتحدة الأميركية تواجه العالم بسياسة الإرهاب، وهي تؤكّد لحظة بلحظة أنها ضمن منظومة الإرهاب، إرهاب الدولة، ومن دون عناء للبحث عن الأدلّة في أرشيف الوثائق السرّية، بل حتى في الوثائق التي نشرها "وكيليكس" يكفي لذلك تغريدات الرئيس ترامب نفسه، إذ ما يقوم به من عداء متّصل ضد الدول والأنظمة أكثر من شاهد مادي وأكثر من حجّة مسجّلة ضده على أوراق التاريخ، وإذ يبدو ذلك ضرباً من الجنون، بل إن هذا التصرّف الخارج من دائرة التنظير للسياسة كأداة الفَهْم الممكن هو شبيه بمَن يمارس الوهم بجنون بوعي. وترامب أكيد هو صوت هذا الجنون

أكيد هناك رؤية جماعية في المواقف المتحرّكة بفعل الأحداث، وهناك رؤية فردية تنطلق من مبدأ التوصيف للحقيقة في زمن أفعال الفوضى.. لقد دعت الصين أكثر من مرة إلى تجنيب العالم حركة الصراعات، ودعت روسيا أيضاً إلى تقييد الأحكام الصادرة من مجلس الأمن بالالتزام بما جاء فيها من دون إعطائها البُعد التأويلي الذي يخرج بها إلى حافات قد تدمّر أو تقوّض مبدأ المجتمع الدولي من أساسه، غير أن أميركا وأمام تعاظم قوّتها وأمام تواجدها كقوّة عالمية على الساحة الدولية اتخذت من مفهوم القطبية كأداة تكريس لمبدأ القوّة في بناء مصالحها خارج حدودها، وما تواجدها اليوم عسكرياً في أكثر من سبعين دولة إلا الدليل على هذا التوجّه البائس، التوجّه الرافض لفكرة مبدأ الاحترام المطلق لسيادة للشعوب وعدم الالتجاء للقوّة خارج ميثاق الأمم المتحدة، إنها بالفعل تنظر للإرهاب، وتدفع حتى المعتدلين من الدول إلى تبنّي المواجهة بما فيها المواجهة بالإرهاب بتحريض دُعاة الانفصال والتكفيريين في أي بلد صوب الاحتماء بالظاهرة كأداة مقاومة منظورة ... أميركا إذن تدّعي محاربتها للإرهاب وترهن مؤسّساتها من أجل" تفقيس" الإرهاب  في أكثر من مكان، وهي تدرك أنها تضمّ الظاهرة وتجعلها تتوالد بفعل ما تقوم به من عدوان إن على الشعوب أو على الدول.

صوت الضمير ارتفع إذن، صوت الضمير لدى كل من روسيا والصين، وكان على الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا ألا تقف الموقف المتشنّج وتواصل سعيها الملفّق للانتهاء من محاولة جمع أو جرّ أطراف إلى مائدة العداء ضد فنزويلا في شان داخلي يخصّها. لم تكن الصين ولا روسيا بمستوى الغباء الذي أحاطت الأطراف الأخرى نفسها به في مجلس الأمن، فاللعبة لم تعد خافية فقد استغلّت هذه الأطراف الموقفين الروسي والصيني فيما اتخذ من قرار ضد ليبيا ثم قامت بتحريفه والتصرّف خارج منطقه، وكان الموقف في مجلس الأمن مؤخراً لصالح فنزويلا بسبب الموقف الرافض من روسيا والصين لموقف أميركا. الإحساس بالخدعة التي مارستها كل من أميركا وبريطانيا وفرنسا ضد ليبيا لا يمكن أن تتكرّر في منظور الصين وروسيا لأن المنطق يقول ذلك، ولأن لعبة المصالح أيضاً تقول ذلك، فالحصار المُتتالي على بعض الدول ليس عليها فقط، ولكن يتجاوز إلى الأطراف التي تتعامل معها أولها مصالح لديها. هذا المنطق لا تؤمن به لا أميركا ولا فرنسا ولا بريطانيا نظراً للأزمات التي تلاحقها مالياً واقتصادياً، ولأن الصين من جهة أخرى تعيش ازدهاراً اقتصادياً يفوق كل التوقّعات وقد يرشّحها لأن تكون الأولى في العالم أي قادرة بهذا الازدهار الاقتصادي مع روسيا أن تأخذ مكانة أميركا في توجيه العالم وهذا بالتأكيد ما تخشاه الولايات المتحدة الأميركية وترفض حتى سماعه.

إن تسخير قرارات مجلس الأمن لاجتثاث الدول والتعدّي على القِيَم الإنسانية مثل ما حصل ضد ليبيا وسوريا وفنزويلا لا تجرّ العالم إلا إلى نفس الحاصل اليوم في أكثر من بلد تسوده الفوضى. لقد فشلت أميركا ومعها الغرب في تقزيم إيران وإزاحتها من مكانتها كعمق استراتيجي لروسيا بعد أن صمدت روسيا وإيران في وجه الإعصار. اختلّت إذن دائرة التفكير لدى كل من أميركا وفرنسا وإسرائيل ، ولم تعد للدرع الصاروخية التي ظلت في سياستها مدخلاً للمواجهة مع روسيا ، والأخذ بإلغاء  معاهدة الصواريخ  المتوسّطة المدى. هذا الخلل الذي أصابها كنقطة تخويف ضد استدراج روسيا إلى موقف حاسم برفض منطق إيران ، لكن حتى هذا المنطق اصطدم بعوائق عدّة أهمها خروج روسيا عسكرياً من صمتها وأعلنت أنها بصدد بناء جدار عابر للقارات وعامل حاسم في أدوات موجبات الدمار.


أمور تُطبَخ في السر

الموقف الأميركي الأوروبي اتجاه قضايا عديدة، موقف متناقض مع حقائق الواقع
الموقف الأميركي الأوروبي اتجاه قضايا عديدة، موقف متناقض مع حقائق الواقع

إن زمن التلاعُب بالقرار الدولي انتهى، وما تفكّر فيه أطراف لحساب مصالحها على حساب الآخرين هو أيضاً داخل سلّة المهملات. إذن ،هناك أمور تُطبَخ في السر لدى التحالف الدولي، أمور تمسّ الصين وروسيا، فالصين الدولة التي لم تمسّها الأزمة المالية  والدولة المتوجّهة اليوم صوب مناطق هادئة في العالم قصد الاستثمار فيها ، وقد توسّعت  فعلاً رقعة هذا الاستثمار لتفوق بأضعاف ما عليه الولايات المتحدة الأميركية ، والصين أيضاً خارج المديونية ، فيما تغرق يوماً بعد يوم فيها كل من الولايات المتحدة الأميركية و جزء  من أوروبا ، بالطبع ظاهرة الصراع بين الطرفين تأخذ تبعات سياسية،  إذ أن العالم اليوم يتحرك اقتصادياً رغم المظاهر العسكرية الخارجية التي تغطي حيّزاً مهماً من العالم الثالث، وأن محاولات أميركا جر ألمانيا إلى ملعبها السياسي تحت غطاء مجلس الأمن ضمن إطار بُعد جماعي له هو غير ذلك ، فألمانيا ليست عضواً دائماً في مجلس الأمن ولا هي بمرتبة روسيا والصين، ولكن باعتبارها أحد التوابع غير المستقرّة على المدارين "الأوروبي الأميركي" وباعتبارها أيضاً جزءاً مهماً وفاعلاً في الاتحاد الأوروبي، فإن أميركا تريد لها مدخلاً في توصيف دورها كمحور عالمي لفائدتها، ومرتبطة سياسياً في توجّهها الدولي بالولايات المتحدة الأميركية، هي إذن، محاولات تفتقر إلى المصداقية ، وأن افتراض اختراق الدول بقرارات مجلس الأمن ما لم تعارض روسيا والصين بالفيتو أمر ممكن ومتاح في ما يبدو لها، لكن مع ذلك سيظل في غير الواجهة المرتبطة بالأحداث ذاتها، ذلك أن استمرار الافتراض الحاصل في الموقفين الروسي والصيني، يبدو غير محتمل للفاعلين من وراء الستار لا من حيث التوصيف الذي يوضع فيه ولا من حيث المحتوى الذي يرمز إليه.

إذن، الموقف الأميركي الأوروبي اتجاه قضايا عديدة خاصة ما تعلّق منها بالأحداث الجارية في الوطن العربي وفنزويلا موقف متناقض مع حقائق الواقع، ثم إن محاولات تقويض الدول للحفاظ على المؤسّسات العسكرية والأعمار في دول تحالفت عليها ليس منطقاً غربياً في تاريخهم ولكنه بالتأكيد منطق يتّسم بالعداء لكل القِيَم  والقوانين التي تستند إليها الشرعية الدولية، هذا الانزلاق بالقرارات الدولية، والوضع الفاضح فيه يؤكّده ما يدور في ليبيا ، حيث يقوم الإجرام الدولي بضرب البنى التحتية لليبيا خارج الشرعية الدولية ، بل تجاوز ما نصّ عليه قرار مجلس الأمن لقد تحوّل بهذا الانحراف مجلس الأمن إلى غرفة إدارة للعمليات العسكرية ووفق مفهوم الدولة المعتدية رغم صدور إدانات واضحة من بعض الأعضاء فيه ممّن لهم حق النقض خاصة روسيا  والصين، ثم إن آليات السياسة الدولية في الجنائية الدولية لم تعد كما هي واردة في معاهدة روما، بل صارت آليات سياسية تنتجها المخابرات الأميركية وفق منطق من معي فله الأمن، ومن ضدّي فله الحرب والخراب.


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً