زينب الصفّار

أكاديمية وباحثة عراقية - لبنانية متخصصة بالقضايا الدولية. معدة ومقدمة برنامج "من الداخل" على قناة الميادين.

خصخصة حروب امريكا وما يهيأ لمنطقتنا

السياسيُّ الاميرِكيُّ القسيس تشاك بالدوين، ماذا يقرأُ في خلفيةِ قرارِ ترامب سحْبَ القواتِ الاميركيةِ؟ وهل ستغادرُ هذه القواتُ مواقِعَها فعلياً ويُكشَفُ ما يُهيَّأُ من جديدٍ لمنطِقتِنا؟ وماذا يعني بخصخَصَةِ حروبِ الولاياتِ المتحدةِ؟ ولماذا يشعرُ بالإحباطِ من العمليةِ الانتخابيةِ الحديثةِ في أميركا اليوم؟.

الصورة عن Getty Images
الصورة عن Getty Images

لعلَّ عددَ يناير/فبراير 2019 من مجلةِ  Recoil الأميركيةِ المعنيةِ بقضايا السلاح والصيدِ أبرزَ، وبوضوحٍ، اعلاناً لشركةِ الامنِ السابقةِ بلاك ووتر يو إس إيه الأميركيةِ على صفحةٍ كاملةٍ وباللونِ الأسودِ معَ رسالةٍ بسيطةٍ: "نحن قادمون".

فهلِ الحربُ في أفغانستان - وربما في أماكنَ أخرى - على وشْكِ أن تتِمَّ خصخصتُها ولا سيما عَقِبَ اعلانِ الرئيسِ الاميركيِّ دونالد ترامب قرارَه سحبَ القواتِ الاميركيةِ المنتشرةِ في سوريا وأفغانستان، وجولاتِ وزيرِ خارجيَّتِهِ بومبيو الشرقِ أوسطية لطمأنةِ الدولِ العربية؟.

رجلُ الأعمالِ الأميرِكيُّ والضابطُ السابقُ في البحريةِ الأميركيةِ إيريك برنس مؤسِّسُ شركةِ بلاك ووتر, التي تُعرَفُ الآنَ باسمٍ أكاديميٍّ, حاولَ التوَدُّدَ الى إدارةِ الرئيسِ دونالد ترامب منذ تولِّيهِ منصِبَهُ، وسعى الى ترويجِ فكرةِ أنَّ الحربَ الأفغانيةَ التي امتدَّتْ ثمانيةَ عشَرَ عاماً لن يتِمَّ كسبُها أبداً من خلالِ حملةٍ عسكريةٍ تقليدية وقد شاركَ برنس خلال فصلَيِ الصيفِ والخريفِ المنصرِمَينِ بنحوٍ مكثَّفٍ في وسائلِ الإعلامِ لتعزيزِ خصخصةِ الحربِ الاميركية. ولعلَّ القيادةَ العسكريةَ الأميركيّةَ الحاليةَ على الأرضِ ترحِّبُ بنبأٍ يميلُ إلى الاعتمادِ على عددٍ أقلَّ من المرتزِقةِ عِوَضاً عن وجودِ بصمةٍ عسكريةٍ أميركيةٍ أكبر.

في السابقِ ، رفضَ البيتُ الأبيضُ الخصخصةَ المحتملةَ للحربِ الأفغانيةِ ، وانتقدَها آنذاكَ وزيرُ الدفاعِ السابقِ جايمس ماتيس بشدة، حيث رأى أنَّ من الخطرِ وضعَ أهدافِ الأمنِ القوميِّ للأمةِ في أيدي المقاولين. لكنْ معَ خروجِ ماتيس المفاجئِ حتى للبنتاغون, قالَ مسؤولٌ في وزارةِ الدفاعِ إنَّ التغييرَ الجذريَ "سيكونُ أكثرَ احتمالاً" الآن.

لكن إليكم الجزءَ المرعِب: هؤلاءِ "المتعاقدونَ الخاصّونَ"، أيِ المرتزِقةَ، يعملونَ بطريقةٍ لا تخضعُ لمحاسبةٍ مطلقةٍ لسيادةِ القانون! وهم يعملونَ خارجَ الدستور،ِ وخارجَ قواعدِ الاشتباكِ، وخارجَ القانونِ الموحَّدِ للقضاءِ العسكريِّ، وخارجَ قانونِ الأممِ وأيضاً خارجَ التدقيقِ العام. لا يخضعونَ لأيِّ مساءلةٍ عن أيِّ جرائِمِ قتلٍ أوِ اغتصابٍ أو نهبٍ أو انتهاكاتٍ لحقوقِ الانسان.

الرئيس الأميركي دونالد ترامب خاض حملته الانتخابية على أساس سحب قوات الولايات المُتحدة من الحروب الأجنبية غير الدستورية الدائمة بالرغم من ذلك فإن القس تشاك بولدوين راعي أبرشية كاليسبيل في ولاية مونتانا السياسيُّ الأميركيُّ والمرشّحُ الرئاسيُّ لحزبِ الدستورِ في انتخاباتِ الرئاسةِ الأميركيةِ لعامِ 2008 لديه رأياً مُختلفاً فيما يتعلق بالحقيقة حول سحب ترامب للقوات الأميركية من أفغانستان وسوريا:

"ترامب خاض حملته على أُسس الانسحاب من الحروب الأجنبية المزمنة ولاسيما الحروب الدائرة في كُلٍ من العراق وسوريا أفغانستان ومنطقة الشرق الأوسط بيد أنه مُنذ أن أصبح رئيساً صعّد كُل تلك الحروب بما في ذلك إسقاط المزيد من القنابل في الشرق الأوسط أكثر من سلفه باراك أوباما و أرسل ضعف عدد القوات إلى أفغانستان وزاد من عدد القوات في سوريا فعلى عكس ما قال بأنه سيفعله في حملته الانتخابية تماماً الآن فقد أعلن بأنه سيسحب نصف القوات من أفغانستان، 7 آلاف وكُل الألفين من سوريا بالرغم من ذلك وكما نعلم الآن، فإن ذلك الانسحاب قد تم تعليقه بشكل أساسي آخذاً بعين الاعتبار التبعات السياسية لدى كُلٍ من تركيا و(إسرائيل) إلخ...لذا فإنه ما من جدول زمني لذلك لقد تراجعوا باعتقادي عن التزامهم بسحب القوات لذا فإنني لستُ مُتفائلاً جداً بأن أميركا ستنسحب من تورطها في الحروب الأجنبية في الشرق الأوسط". 

ما الذي تفعله القوات العسكرية الأميركية بالتحديد اليوم في سوريا؟

"ظاهرياً فإنهم يُحاربون "داعش" و" النُصرة " إلخ... بيد أن لديّ رأياً مُختلفاً باعتقادي بأن هذه المجموعات الإرهابية صُممت للقضاء على الرئيس بشار الأسد وقد تشكّلت فعلياً على يد الوكالات الاستخبارية لكُلٍ من الولايات المُتحدة والموساد الإسرائيلي وبريطانيا إلخ...كما نعلم إن تلك القوى الغربية هي من خلقت "داعش" و"النُصرة" وتلك المنظمات الإرهابية التي نُحاربها ظاهرياً في سوريا. وأعتقد أن الجميع يعلم بأن هذه حملة ضد بشار الأسد وهي حملة ضد سوريا وهي حملة ضد إيران وهي تكتيك داعم ل(إسرائيل) والمملكة السعودية بالتالي فإنني لا أُصدّق بالتأكيد الاعتقاد الشائع بأن وجودنا هناك نُقاتل "داعش" لا أعتقد بأن هذه هي الحقيقة". 

بولدوين: "اسرائيل دولة فصل عنصري"

ويقول بولدوين انه ترشح للانتخابات الرئاسية عام 2008 وكان أساس حملته القضاء على كُل المُساعدات الأجنبية بما فيها المُساعدات الأجنبية لـ(إسرائيل). "لكن لسوء الحظ فإن اللوبي الإسرائيلي هنا في الولايات المُتحدة يسيطر على حكومتنا بشكل كبير والمال الذي يُنفق لصالح (إسرائيل) يفوق بكثير أي مال يُعطى لأي دولةٍ أجنبية, بالتالي فإنه ما من سبب أبداً يدفع (إسرائيل) إلى التفكير بأن الولايات المُتحدة قد تتخلى عن التزامها العسكري تجاهها. أعتقد أن علينا التخلي عن ذلك الالتزام إنني أرى (إسرائيل) بكونها دولةً مُعتدية, أرى (إسرائيل) بكونها دولة فصل عنصري". 

خصخصة حروب الولايات المُتحدة

فعلياً فإن مُعظم قوات الولايات المُتحدة التي تُحارب في سوريا الآلاف منها مُتمركزة في العراق وفي أثناء اعلان ترامب للعالم بأنه سيسحب القوات من سوريا فقد كان الجيش الأميركي في خضم عملية بناء لقاعدتين عسكريتين جديدتين في منطقة الأنبار والتي تبعد أقل من مئة كيلومتر عن الحدود السورية بحسب المتابعين. كذلك فإن السناتور الجمهوري ليندسي غراهام أكدّ بسرور أن ترامب لن يتخلى عن المسرح السوري.

"هناك الكثيرون من الناس الذي يُحاولون تحذير الشعب الأميركي بأن ما يفعله السيد ترامب نموذجي نسبةً إلى فلسفته في جعل أعمال شركاته الكُبرى أكبر. إنه في خضم عملية خصخصة الكثير من الحملات العسكرية في الشرق الأوسط. إيريك برينس مؤسس "بلاك واتر" صاحب تأثير كبير في البيت الأبيض تحت إدارة ترامب, إنهم يتحاورون مُنذ وقت طويل حول فكرة سحب القوات العسكرية وإدخال قوات مُرتزقة من الولايات المُتحدة. المُشكلة في هذه المسألة كما أراها هو أن قوات المُرتزقة هذه لا تخضع للمُساءلة أمام سيادة القانون, إنهم غير مسؤولين, أمام الدستور الأميركي أو قانون الأمم أو القانون الدولي أو أمام قانون الأمم المُتحدة أو اتفاقية (جينيف) إلخ...هذه مجموعات هي بشكل أساسي لا تخضع للمساءلة أمام أي سلطة بشرية. إننا مُدركون تماماً للكثير من الفظائع التي حدثت على أيدي مُنظمات مثل "بلاك واتر" في العراق عندما احتدمت الحرب هناك الآن فإننا نستعد لإعادة دسّ قوات المُرتزقة تلك في تلك المنطقة من العالم. لا يُمكن لهذا سوى أن يُنذر بأُمور سيئةٍ جداً". 

دكتور بولدوين كيف يفهم العقوبات القاسية ضد إيران اليوم؟ و هل يُمكن أن تنجح؟ أم أنها ستكون طائر الشؤم الذي وضعه ترامب حول عنقه بشكل غير حكيم؟.

انسحاب ترامب من معاهدة صواريخ متوسطة المدى

"لعلَّ نُخَبَ الدولةِ العميقةِ في الولاياتِ المتحدةِ الاميركيةِ تتلاعبُ بكلِ المؤسساتِ الأميركيةِ مثلِ مجلسِ الشيوخِ ومجلسِ النوابِ لإنجازِ أجندَتِهِم – التي هي الحربُ الدائمةُ في الخارجِ والنزاعُ الأبديُّ في الداخِل." هذا ما أعربَ عنه القَسُّ والسياسيُّ الاميركيُّ تشاك بولدوين عبْرَ صفحتِه على فايسبوك قبل انطلاقِ الانتخاباتِ النصفيةِ حيث يَعُدُّ الانتخاباتِ الحديثةَ محبِطَةً عموماً، ولكن لماذا؟.

هذا ويعتقد الخُبراء بالنسبة لروسيا أن انسحاب ترامب من معاهدة صواريخ متوسطة المدى بأن هناك تحضيراً للهجوم على روسيا.  الصين أيضاً ترى حرباً في الأُفق بما أن الرئيس الصيني قد أمر الجيش قائلاً : "تحضروا للحرب!" و لكن هل يبدو جلياً للشعب الأميركي ولوسائل الإعلام وللكونغرس ما يجري تحضيره؟.

بولدوين: "لا أعتقد ذلك. ربما يعلم أعضاء الكونغرس لكنني لا أعتقد أن عامة الشعب يُدركون فعلياً الطريقة التي تؤجج فيها أميركا الحرب حول العالم وسائل الإعلام الأميركية تؤدي إلى حد كبير دور الأداة الدعائية للحكومة و بالتالي كُل ما يسمعه الشعب الأميركي على شبكة التلفاز خاصةً فهي دائماً تُعزز خط الحكومة ونادراً جداً ما يسمع الشعب الأميركي ما هو مُختلف.وبالطبع فإن خط الحكومة هو أن أميركا تُحاول أن تُحافظ على السلام ونحن الأمناء على العالم وعلى السلام ونحن الأمّة التي لا غنى عنها إلخ... وكُل ما نفعله حول العالم هو خيّر، هذا ما يعتقده مُعظم الناس, حقيقة أننا نُحرّض على حرب مع الصين وروسيا أعني حقيقة أننا نبني قواعد عسكرية بشكل سريع على حدود روسيا تماماً كما أننا نتعمق أكثر فأكثر في المياه الإقليمية للصين يبدو أننا نُحرّض كُلاً من هذين البلدين على القيام برد فعل عدائيّ بالتالي لا أعتقد أن مُعظم الشعب الأميركي يرى الأمر على هذا النحو. يُمكنني القول بأن الغالبية الساحقة من الشعب الأميركي لا تفهم مدى العنف الذي تقوم به الأمّة الأميركية بزرع العداوات حول العالم". 

لمن يريد أن يطلع أكثر تابعونا #من_الداخل

@ZeinabSaffar

@menaldakhil


إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي الميادين وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً