الأحزاب الأميركية: ثُنائية ضمن التعددية

محمد سيف الدين

صحافي وباحث لبناني، بدأ عمله الصحفي عام 2007، عمل في الإذاعة وفي الصحافة المكتوبة والإلكترونية، متخصص في شؤون الأمن الروسي، والعلاقات الروسية الأطلسية. الكاتب على موقع تويتر: @mseiif
تعتمد الولايات المتحدة الأميركية كما هو معروف نظام الثنائية الحزبية. ولكن هذه الثنائية مختلفة عن تلك المُطبّقة في بريطانيا. فالأخيرة تعتمد الثنائية الحزبية الجامدة، بينما تتميّز الثنائية الأميركية بالمرونة.
تلعب الأحزب الأميركية دوراً رسمياً في تعيين المُرشّحين للانتخابات تنظّمه القوانين الانتخابية
تلعب الأحزب الأميركية دوراً رسمياً في تعيين المُرشّحين للانتخابات تنظّمه القوانين الانتخابية
تنشط الثنائية الأميركية ضمن نظامٍ رئاسيٍ تتركّز فيه الصلاحيات الرئيسة بيد رئيس البلاد، وفي هذا النظام تعتمد نظرية الفصل الحاد بين السلطات، ما يستوجب مرونة حزبية من أجل تلافي تعطيل الحياة الدستورية التي تنجم عادةً عن خلافات أشخاص الحُكم في السلطات المختلفة.

وفي الولايات المتحدة حزبان رئيسيان يتعاقبان على الحُكم، ولكلٍ منهما وجُهات نظرٍ مختلفةٍ عن الآخر حيال القضايا الأساسية. الحزب الديموقراطي الذي تأسّس عام 1828 والحزب الجمهوري الذي تأسّس عام 1854. فإلى جانب الديموقراطيين والجمهوريين توجد ثلاثة أحزابٍ أقل شهرة هي: حزب الاستقلال الذي تأسّس عام 1971 وحزب الخضر الذي تأسّس عام 1991 وحزب الدستور  الذي تأسّس عام 2002. ولكن ليس هذا فقط عدد الأحزاب الأميركية بل إن التعددية الحزبية في أميركا أفرزت حتى اليوم حوالى 32 حزباً أقدمها (باستثناء الحزبين الرئيسيين) الحزب الاشتراكي الأميركي الذي تأسّس عام 1919.

وتختلف الثُنائية الحزبية الأميركية في آليات النظام السياسي عن الثُنائية الحزبية البريطانية. ففي النظام الأميركي حيث الفصل الجامد للسلطات، يمكن أن يؤدّي انتماء الرئيس إلى حزبٍ غير حزب الأغلبية البرلمانية إلى تعطيل الحياة الدستورية والسياسية في البلاد. ولكن أميركا إلى جانب مرونة ثُنائيّتها الحزبية، تسيّر نظامها الدستوري من خلال غياب الانضباط الحزبي، فمن المألوف تأييد نواب جمهوريين مرشحاً ديموقراطياً، أو العكس.

كما أن المرونة الحزبية في النظام الأميركي تؤدّي إلى غياب المُعارضة الدائمة، حيث لا يلتزم البرلمانيون جميعاً بتعليمات الحزب، بعكس النظام الجامد الذي يفرض الانضباط الحزبي كما في بريطانيا ودول أخرى. وذلك مردّه إلى ضعف دور الأيديولوجيا في النظام الحزبي الأميركي.

ويعود الانقسام الحزبي الثنائي إلى بداية تأسيس الدولة في عام 1787 حيث انقسم مؤتمر فيلادلفيا حول تحديد صلاحيات الدولة الاتحادية والدول المنضوية فيها إلى فريقين. تزعّم الفريق الأول توماس جيفرسون الذي كان يدعو إلى منح الولايات مزيداً من السلطة والاستقلالية؛ فيما تزعّم الفريق الثاني ألكسندر هاملتون، الذي دعا إلى الجمع بين المركزية والفدرالية.

وبتفرّع الخلاف إلى نقاطٍ أكثر أسّس جيفرسون الحزب الديموقراطي عام 1828، ثم تبعه ظهور الحزب الجمهوري الذي يحمل أفكار هاملتون في عام 1854. ومع ذلك لا توجد بينهما فروقات أيديولوجية مهمة.

واتخذ كل واحد من الحزبين الرئيسين خطاً عاماً لسياساته، حيث أيّد الديموقراطيون تاريخياً قوة ومركزية الدولة الاتحادية، الدفاع عن حقوق الأقليات. ولكن ذلك لا يمنع وجود اختلافات في الاتّجاهات في صفوف الحزب نفسه، فمن الشائع جداً وجود اختلاف بين الديموقراطيين في الجنوب والديموقراطيين في شمال الولايات المتحدة. والأمر نفسه بالنسبة إلى الحزب الجمهوري.

ومن المعروف أن الأحزاب الأميركية أحزاب نُخبة وليست أحزاب جماهير، وهي تقوم بما في وسعها لتعبئة الرأي العام والحصول على أصوات الناخبين والتأثير في وعيهم السياسي، لأن هدفها الأساس هو الوصول إلى السلطة وإيصال مُرشّحها إلى الرئاسة مع فريقه المؤلّف بغالبيته من المُحازبين. ولا توجد سلطة مركزية الأحزاب الأميركية بل هي أحزاب غير فيدرالية، بحيث لا تُمارس اللجنة القومية الموجودة في كلا الحزبين أية صلاحيات. ويتأثّر الحزبان بمحيطهما الاجتماعي، فنلاحظ لكل دولة من الدول المنضوية في الولايات المتحدة ظروفها الاقتصادية والاجتماعية الخاصة التي تؤثّر في سلوكية الحزب وأفكاره وتوجّهاته وتطلّعاته، حتى يمكن لنا القول بأن لكل ولاية حزبها الديموقراطي أو الجمهوري الخاص.

كما تلعب الأحزب الأميركية دوراً رسمياً في تعيين المُرشّحين للانتخابات تنظّمه القوانين الانتخابية، فالترشيح للانتخابات الأميركية ليس حراً بشكلٍ عام، إذ أن الأحزاب المُسجّلة وحدها من يحق لها الترشيح. ولقد مرت عملية اختيار المُرشّحين بثلاثة مراحل:

المرحلة الأولى: اعتماد نظام الكوكيس caucus، حيث كانت لجان الأحزاب تحتكر تعيين المُرشّحين، ولأن هذا النظام يؤمّن سيطرة بعض الأشخاص النافذين في الحزب على القرارات  وبالتالي على الحياة السياسية في البلد فقد تم التخلّي عنه.

المرحلة الثانية: اعتُمد فيها نظام المؤتمر convention، أي عقد مؤتمر أو جمعية لمندوبي الحزب في الأحياء والمدن والأقاليم والمُقاطعات في كل دائرة انتخابية. ولكن لجان الأحزاب في هذا النظام سيطرت أيضاً على القرارات، وأصبحت تعيّن المندوبين وفق إرادتها، الأمر الذي دفع الولايات إلى التخلّي عنه تدريجاً.

المرحلة الثالثة: اعتماد نظام الانتخابات الأوليّة Elections primaires. وهي انتخاب مُباشَر للمُرشّحين من قِبَل جميع الناخبين، وهي منظمة رسمياً كالانتخابات الرسمية. وتوجد ثلاثة أنواع من الانتخاب الأولّي: المُغلق والمفتوح وغير الحزبي.

"وتتميّز الأحزاب الأميركية بالتنظيم الدقيق، فعلى رأس كل مكتبٍ انتخابي (500 ناخب) يوجد مسؤول للحزب يلعب دوراً أساسياً في ربط المواطنين بالحزب. ولهذا المسؤول دور كبير وتأثير هام على الناخبين. وبعد اللجان الصغيرة الموجودة في الأقاليم تتشكّل لجان في كل مُقاطعة انتخابية، وهكذا بصورةٍ تسلسلية حتى الوصول إلى مستوى الدولة، فيؤلّف مجموع هذه اللجان الآلة (الماكينة) الحزبية التي تمتلك سلطاناً سياسياً ضخماً، غير أن الآلة الانتخابية والتنظيم الحزبي يختلفان بين ولاية وأخرى وبين مقاطعةٍ وأخرى. فحيث يُسيطر حزب سيطرة تامة على الحياة السياسية يقتصر دور الحزب الآخر على تشكيل قوة ضاغطة من دون أن يمتلك قُدرة المُنافسة الانتخابية".


الحمار والفيل

أما بالنسبة إلى الشعارات فإن شعار الحزب الجمهوري هو الفيل. بينما يعتمد الحزب الديموقراطي شعار الحمار.

وبدأت قصة الحمار سنة 1828 عندما رفع المُرشّح عن الحزب الديمقراطي للرئاسة أندرو جاكسون شعار "لنترك الشعب يحكم". وردّ منافسه الجمهوري بأن سَخَرَ من هذا الشعار ووصفه بالرخيص. بعد ذلك قام جاكسون بإلصاق شعار حملته الانتخابية على حمارٍ رمادي اللون، وسار به في المناطق المُحيطة به من أجل الدعاية لبرنامجه الانتخابي، وإظهار قربه من الناس في مقابل المُرشّح الجمهوري البعيد عنهم.

 

وقد تحوّل الحمار إلى رمزٍ للحزب الديمقراطي سنة 1870، بعد أن اختار رسام الكاريكاتير توماس ناست رسم حمارٍ أسود اللون كرمزٍ للحزب الديموقراطي، وتصويره لرمز الحزب الجمهوري على أنه فيل. ومع مرور السنوات أصبح هذا الرمز مُحبباً للديموقراطيين.

أما الفيل رمز الحزب الجمهوري فقد ظهر لأول مرة في دعايةٍ لأبراهام لينكولن حين فاز بالرئاسة عام 1860، وعلى يد توماس ناست أيضاً الذي كان مُنزعجاً من خروج الجمهوريين عن القِيَم الليبرالية، فعبّر عن انزعاجه برسم كاركاتير يُظهر فيلاً ضخماً مذعوراً يُحطّم كل ما حوله، وكتب عليه: الصوت الجمهوري. وفي عام 1870 ثُبّت الفيل كرمزٍ للحزب الجمهوري. وقال ناست إنه اختار الفيل الضخم للدلالة على كثرة المال لدى الجمهوريين إضافة إلى صوتهم الانتخابي الوازن. 


الجماعات الضاغطة

يوجد في أميركا ما يزيد عن ألفي جماعة ضاغطة مُعترف بها رسمياً على الصعيد الفيدرالي.
يوجد في أميركا ما يزيد عن ألفي جماعة ضاغطة مُعترف بها رسمياً على الصعيد الفيدرالي.
إلى جانب الأحزاب تنشط جماعات الضغط في الأنظمة الديموقراطية ومنها النظام الأميركي. وتعود نشأة مفهوم اللوبي إلى بريطانيا حيث كان أصحاب المصالح يتجمّعون في أروِقة المجالس التمثيلية حيث يحظون بمقابلة النواب في الرِواق ومعناه Lobby، لإيصال مطالبهم والضغط على ممثلي الشعب لتبنّيها.

والجماعات الضاغِطة هي جماعات منظمة من مجموعة أفراد ذات مصالح مشتركة (اقتصادية، سياسية، إنسانية أو عرقية...) تُمارس ضغوطاً على السلطة بهدف التأثير في سياساتها وقراراتها. وتلعب هذه الجماعات دوراً أساسياً في الحياة السياسية والحزبية الأميركية، حيث تُعتبر من أهم خصائص النظام الأميركي.

ويوجد في أميركا ما يزيد عن ألفي جماعة ضاغطة مُعترف بها رسمياً على الصعيد الفيدرالي. إلى جانب المجموعات الضاغطة التي تعمل على الصعيد الإقليمي فقط، وأهم هذه المجموعات وأكثرها قوة هي المجموعات المهنية والتعاونية والعمالية. كما يوجد في الولايات المتحدة العديد من الجماعات ذات الأهداف السياسية وأهمها: مجموعات قُدامى المحاربين ومجموعات الشبيبة الوطنية وغيرها.

وتنتظم الأقلّيات الدينية والعرقية في مجموعات للدفاع عن مصالحهم، وعن المفاهيم السياسية والاجتماعية التي يؤمنون فيها، وأشهر الجماعات الضاغِطة من هذا النوع اللوبي اليهودي الذي يلعب دوراً مهماً بسبب إمكاناته المالية الهائلة وتشعّب علاقاته، بالإضافة إلى تجمّع اليهود في المدن الكبرى المؤثّرة في عملية ترجيح فوز الرؤساء.

كما أن الجماعات الضاغِطة تعمل للتأثير أيضاً على الرأي العام حيث تستخدم وسائل مُتنوّعة في سبيل الدفاع عن مصالحها. خاصةً من خلال وسائل الإعلام أو من خلال أساليب غير أخلاقية وبالتحديد الرشوة، أو من خلال ما يُسمّى بـ"اللوبيينغ Lobbying". وتؤثّر اللوبيات على عمل الأحزاب السياسية في أميركا بصورة أقوى على الصعيد الإقليمي والمحلّي، منها على الصعيد الفيدرالي.