كيف تعصف الأزمة الاقتصادية في تونس بالقطاع العام؟

عبد السلام هرشي

كاتب تونسي متخصّص في الاقتصاد
أزمة خانقة تعصف بتونس جرّاء الوضعية الاقتصادية التي كانت تُعانيها البلاد، تسبّبت بها مخلّفات النظام السابق من جهة والمطالب الاجتماعية المُتزايدة من جهة أخرى. فلم يكن أمام الحكومات المُتعاقبة إلا التداين لتغطية حاجات النفقات العمومية وتمويل المشاريع التنموية. لحلّ هذه الأزمة كانت هناك 3 وجهات للتداين التداين الثنائي وهو التداين من الدول، التداين من الأسواق المالية العالمية كالقروض الرقاعية، والتداين من المؤسسات المالية العالمية.
ارتفعت الديون الخارجية من 25 مليار دينار سنة 2010 إلى ما يقارب 52 مليار دينار في أواخر 2016
ارتفعت الديون الخارجية من 25 مليار دينار سنة 2010 إلى ما يقارب 52 مليار دينار في أواخر 2016
"في سنة 2017 إذا لم يتم إتخاذ إجراءات عاجلة وفاعلة ستكون الدولة مجبرة على إتباع سياسة تقشف، مجبرة على تقليص النفقات في الصحة والضمان الاجتماعي، ستكون مجبرة على تسريح ألاف الموظفين وعلى رفع الضرائب والشركات"، هكذا لخّص يوسف الشاهد رئيس الحكومة التونسية المشهد الاقتصادي في تونس في خطابه أمام مجلس النواب قبل جلسة منح الثقة. 

هذا الوضع المتواصل منذ أكثر من 6 سنوات جعل نسبة الديون الخارجية تصل إلى ما يقارب62 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. يعتمد الاقتصاد التونسي على قطاعات مركزية أهمها السياحة (تمثل المصدر الأول للعملة الصعبة) والتي تعاني تراجعاً كبيراً وصل في موفي 2016 إلى 50 بالمائة، حيث سجلت المداخيل السياحية ما يقارب 1808 مليون دينار سنة 2016 مقارنة بـ 3522 مليون دينار سنة 2010 نتيجة الضربات الإرهابية والتي إستهدفت القطاع السياحي مثل عمليتي "باردو" ونزل "الأمبريال"، الفلاحة التي تساهم بما يقارب 12 بالمائة من الناتج الداخلي الخام لكن هذا القطاع يشهد منذ سنوات إضطرابات خاصة في قطاع الحليب، والذي يشهد طفرة كبيرة في الإنتاج في ظل غياب الأسواق ما دفع ببعض منتجي الحليب إلى سكب منتوجاتهم من الألبان في الطرقات احتجاجاً على إنهيار الأسعار والقوارص التي وصل إنتاجها في 2017 إلى 600 ألف طن، فيما لا تستهلك السوق الداخلية إلا 20 ألف طن وقطاع الفسفاط الذي تراجع كثيرا حيث تؤكد الإحصائيات أن إنتاج تونس من الفسفاط في السنوات الخمس الأخيرة يعادل إنتاج سنة 2010 و الذي بلغ أكثر من 6 مليون طن. 

تواصل تدهور الأوضاع الاقتصادية جعلت حكومة الحبيب الصيد تفتح جولة جديدة من المفاوضات مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض جديد يعتبر الأضخم على الاطلاق. خطوة وجدت الحكومة الجديدة نفسها مجبرة على مباركتها خاصة بعد رفض الاتحاد العام التونسي للشغل تجميد الزيادة في الأجور بحجة عدم إشراكه في قانون المالية الجديد لسنة 2017.


شروط صندوق النقد الدولي

وصلت ديون تونس تجاه صندوق النقد الدولي إلى ما يقارب 4.6 مليار دينار وهو ما يجعله في المرتبة الثانية بعد البنك الإفريقي للتنمية من حيث أكثر المؤسسات المالية الدائنة لتونس. قيمة هذه الديون سترتفع بعد موافقة هذا الأخير إثر ماراطون من المفاوضات مع الحكومة السابقة والحكومة الحالية على برنامج الدعم المالي الجديد المشروط لتونس بقيمة 2.8 مليار دينار بإتفاق تم إمضاؤه في 13 ماي 2016 ومدته 4 سنوات في إطار تسهيل الصندوق الممدد. لكن موافقة الصندوق جاءت مرفوقة بحزمة من الشروط وصفها خبراء بالمجحفة أهمها:

 · التخفيض في كتلة الاجور

يبلغ عدد الموظفين في القطاع العام في تونس أكثر من 630 ألف موظف وتبلغ كتلة أجورهم أكثر 13.5 مليار دينار وهو ما يمثل 45 بالمائة من ميزانية الدولة و14.2 بالمائة من الناتج الداخلي الخام وهو ما إعتبره صندوق النقد الدولي من بين ارفع المعدلات في العالم. في تصريح لوكالة رويترز قالت وزير المالية لمياء الزريبي "هناك برنامج لاصلاح الوظيفة العمومية نعمل عليه الان مع رئيس الحكومة وأول بنوده تسريح 10 ألاف موظف بصفة إختيارية بعنوان التقاعد المبكر". 
لكن خبراء يحذرون من هذه الخطوة بسبب ما تعانيه الصناديق الاجتماعية من خسائر وهو ما سيزيد حجم الضغط عليها. فيما أكد رئيس هيئة الخبراء المحاسبين نبيل عبد اللطيف أن ما ستجنيه الدولة من هذا التسريح الاختياري ستفقده في شكل جرايات تقاعد في الصناديق الإجتماعية. كما يطالب الصندوق تونس بالتخفيض من كتلة الأجور لتصل في 2020 إلى 12.1 بالمائة من الناتج الداخلي الخام.

· إعادة هيكلة البنوك العمومية 

خضعت البنوك العمومية إلى عملية تدقيق شاملة قبل إعادة رسملتها، ورغم أن واحدا من هذه البنوك قد حقق أرباحا بقيمة 70 مليون دينار سنة 2016 إلا أن هناك بوادر وتصريحات تؤكد عزم الحكومة إلى الذهاب أبعد من إعادة الهيكلة إلى الخوصصة وهوما رفضته الجامعة العامة للبنوك في بيانها الصادر في 27 فيفري 2017 مؤكدة أن تراجع مرابيح البنوك العمومية يعود إلى الاشراف والتسيير وليس إلى ملكيتها للدولة.

· إقرار قانون يحافظ على إستقلالية البنك المركزي

في جلسة أثارت الكثير من الجدل تمت المصادقة في 11 أفريل 2016 على مشروع القانون المتعلق بضبط النظام الأساسي للبنك المركزي التونسي وقد أثار عدد من فصوله الكثير من الخلافات، خصوصا فيما يتعلّق باستقلاليّة البنك ووسائل الرقابة والمسائلة.  

· قانون الشراكة بين القطاع العام والخاص

صادق مجلس النواب التونسي في جلسة إستعجالية في 13 نوفمبر 2015 على قانون يضبط الشراكة بين القطاع العام والخاص وكان خبراء قد حذروا من هذا القانون معتبرين أن هذه الالية من شأنها تسهيل عملية التفريط في المؤسسات العمومية للقطاع الخاص، وتشمل أنواع الشراكة بين القطاع العام والخاص البناء والتشغيل والتحويل.

· إقرار قانون للبنوك والمؤسسات العمومية

تمت المصادقة على قانون البنوك والمؤسسات المالية في ماي 2016، وقد أسال القانون المذكور الكثير من الحبر وأثار الكثير من الانتقادات خاصة من خبراء المالية العمومية حيث أكد النائب عن الجبهة الشعبية والخبير في المالية العمومية فتحي الشامخي أن هذا القانون يمهد لإستبعاد الدولة والمؤسسات المنتخبة من كل ماله علاقة بالعملة والقطاع المالي ككلّ، أي حرمان الدولة من أي دور تعديلي في الاقتصاد.

· مشروع مجلة الاستثمار

صادق مجلس النواب التونسي على مشروع مجلة الاستثمار وقد كانت هذه الخطوة من أهم شروط صندوق النقد للموافقة على القرض الجديد. ويتضمن قانون الاستثمار الجديد ضمان منافسة عادلة بين الشركات المحلية والأجنبية ما يطرح تساؤلا حول مردودية الاستثمار الأجنبي في الاقتصاد التونسي الذي يساهم بنسبة 3.5 من إجمالي الناتج الداخلي الخام وهي نسبة ضعيفة جدا مقارنة مع ما تنفقه الدولة التونسية في شكل تشجيعات للمستثمرين الأجانب.

· إلغاء الدعم

تعد منظومة دعم المواد الاستهلاكية في تونس من أبرز أسباب عجز الميزانية في تونس حيث تطور حجم الدعم من 950 مليون دينار سنة 2010 إلى ما يقارب 6 مليار دينار في موفى 2016. كما أكد وزير الصناعة السابق زكريا أحمد أن تونس تسعى إلى إعتماد إستراتجية تقوم على الرفع التدريجي من مستوى الدعم الذي إرتفع بنسبة 530 بالمائة خلال 6 سنوات.

· مراجعة أنظمة الضمان الاجتماعي

تعاني الصناديق من عجز كبير وصل إلى ما يقارب 1.6 مليار دينار في موفي 2016 وتعود أسباب هذا العجز إلى ارتفاع نسبة المحالين على التقاعد المبكر والتي بلغت نسبة 60 بالمائة من إجمالي المحالين على التقاعد في الوظيفة العمومية إضافة إلى ارتفاع أمل الحياة عند الولادة الذي بلغ 74 سنة. ويرى الخبير في الضمان الاجتماعي  بدر السماوي أن نظام التقاعد في تونس يعد من أكثر الأنظمة سخاء في العالم. كل هذه الأسباب جعلت صندوق النقد الدولي يدعو إلى مراجعة أنظمة الضمان الاجتماعي في تونس ما دفع بحكومة الحبيب الصيد إلى تقديم مقترح في الترفيع في سن التقاعد إلى 62 سنة.

· تحرير كافة القطاعات الاقتصادية وفتح السوق التونسية بشكل كامل أمام الاستثمارات الأجنبية

رغم ضعف تنافسية المؤسسات التونسية وما تعانيه من تراجع الجودة وقلة الإنتاجية إلا أن الحكومة وافقت بشكل كلي على هذا الشرط الذي يؤكد خبراء أنه سيضع المنتوج الوطني في خطر وسيمهد الطريق لسيطرة الشركات الأجنبية على السوق.


صندوق النقد الدولي وعلاقته بتونس

إنضمت تونس إلى صندوق النقد الدولي بشكل مبكر سنة 1958 وكان أول قرض حصلت عليه من الصندوق سنة 1964 بقيمة 13 مليون دولار. عاشت تونس في منتصف الثمانينات أزمة إقتصادية خانقة أدت إلى خضوعها لأول مرة إلى إملاءات الصندوق من خلال الموافقة على تطبيق برنامج الإصلاح الهيكلي سنة 1993 والذي نال الكثير من الانتقادات. 
نتائج هذا البرنامج كانت وخيمة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي من خلال ارتفاع نسبة الفقر والارتفاع الجنوني للأسعار وإنتشار البؤس وبداية تآكل الطبقة المتوسطة والتي كانت تمثل في ذلك الوقت 83 من نسبة السكان. 
بعد الثورة بدأت علاقة أخرى من نوع أخر تتكون بين تونس وصندوق النقد الدولي من خلال رسالة النوايا الموجهة من وزير المالية السابق سليم شاكر ومحافظ البنك المركزي الشاذلي العياري بتاريخ 02 ماي 2016 لمديرة الصندوق كرستين لاقارد إعتبرا فيها أن تونس خطت خطوات كبيرة في إصلاح القطاعات المركزية للإقتصاد التونسي من خلال التشريعات التي تمت المصادقة عليها في إشارة إلى قانون الاستثمار الجديد وقانون الشراكة بين القطاع العام والخاص (الفقرة 32) والقانون الأساسي حول إستقلالية البنك المركزي (الفقرة 31).


نتيجة سياسة التداين

· بداية التفويت في القطاع العام (البنوك العمومية مثالاً)

في ديسمبر 2016 تم صرف القسط الأول من القرض الجديد لكن تباطئ الإصلاحات جعل بعثة صندوق النقد الدولي إلى تونس برئاسة السيد بيورن روتر تصدر تقريرا بتاريخ 8 فيفري 2017 تقر فيه بالتحديات الكبيرة التي يواجهها الاقتصاد التونسي كما تؤكد على ارتفاع كتلة الأجور بالوظيفة العمومية وجاء في التقرير "يتفق فريق الصندوق والحكومة على ضرورة إتخاذ إجراء عاجل لحماية سلامة المالية العامة". على خلفية هذا التقرير قرر الصندوق تأجيل القسط الثاني من القرض الضخم. بعد أسبوعين من هذا التطور صرحت وزيرة المالية لمياء الزريبي بأن هناك إمكانية لبيع حصص بالبنوك العمومية وقالت الوزيرة "نحن ندرس عدة فرضيات من بينها إعادة هيكلة البنوك العمومية، إدماجها في بنك واحد وهي فرضية صعبة التحقيق إضافة إلى بيع حصص بها وهذه فرضية واردة ".

يتكون النظام البنكي التونسي من 22 بنكا، 3 منها عمومية وهي البنك القومي الفلاحي والذي يختص بتمويل مشاريع فلاحية وتمتلك الدولة والمؤسسات العمومية فيه أكثر من 64 بالمائة من رأس ماله، بنك الإسكان والذي يختص بتمويل مشاريع البناء والتعمير وتمتلك الدولة فيه أكثر من 57 بالمائة من رأس ماله والشركة التونسية للبنك والتي تبلغ نسبة ديون القطاع السياحي بها 80 بالمائة وتمتلك الدولة فيها ما يقارب 83 بالمائة من رأس مالها. 
تعاني جميع هذه البنوك من عدم القدرة على المنافسة إضافة إلى تراجع جودة الخدمات فيها وهو ما دفع مجلس النواب إلى المصادقة على قانون إعادة رسملتها بقيمة أموال تقدر بـ 860 مليون دينار بعد عملية تدقيق بدأت في ماي 2013 وإنتهت في نوفمبر2014 في محاولة لإنقاذها من شبح الإفلاس. فكيف لبنوك وقعت رسملتها قبل سنتين بعد عملية تدقيق شاملة أن يقع التفويت فيها اليوم؟ سؤال يطرحه الكثير من الخبراء.

 لكن رئيس الحكومة أكد في 23 فيفري 2017 في حوار متلفز على قناة تونسية خاصة على إمكانية التفويت في البنوك العمومية في تلميح غير معلن إلى فشل هيكلتها. وتعتبر ما يسمى بالديون الكريهة أو المعدومة وهي الديون التي يصعب إسترجاعها من أهم الأسباب التي وضعت البنوك العمومية في وضعية صعبة وتصل نسبتها إلى ما يقارب 23 بالمائة من إجمالي الديون.

· ميزانية الدولة: تراكم العجز

إرتفعت الديون الخارجية التونسية من 25 مليار دينار سنة 2010 إلى ما يقارب 52 مليار دينار في أواخر 2016. هذا الارتفاع المشط للديون جعل الدولة تضع ما يقارب 3.610 مليار دينار كأصل دين و2.215 مليار دينار كفوائد دين في قانون المالية لسنة 2017 وهو ما يعادل ميزانيات وزارات كل من الصحة، الشؤون الاجتماعية، التشغيل والتكوين المهني، التنمية، الثقافة، التكنولوجيا والبحث العلمي، السياحة ووزارة البيئة والجماعات المحلية. 
"الوضعية الاقتصادية الخانقة خلقت إنخراما في الميزانية إنتقل من 3500 مليون دينار إلى ما يقارب 6500 مليون دينار" هذا ما أكده رئيس الحكومة الجديد إبان تسلمه منصبه فيما فسر بعض الخبراء تصريحاته بأنه يلوح لتطبيق سياسة تقشف. هذه المديونية أنتجت شروطا مجحفة وصفها رئيس هيئة الخبراء المحاسبين نبيل عبد اللطيف بالمستحيلة ولن تقدر لا الحكومة الحالية ولا الحكومات التي سوف تليها على تحقيقها.

· البحث عن مصادر التمويل: بيع الأملاك المصادرة والشركات

من جهة أخرى صادقت لجنة المالية على قرار بيع شركة إسمنت قرطاج التي تعتبر من بين أهم الشركات المصادرة وكانت وزيرة المالية قد صرحت في وقت لاحق بأن الدولة ستشرع في بيع الأملاك المصادرة والتي تقدر قيمتها بأكثر من 300 مليون دينار.

المصادر

 

مصادر المواقع

البنك المركزي

https://www.bct.gov.tn/bct/siteprod/index.jsp

تقرير بعثة صندوق النقد الدولي فيفري 2017

https://www.imf.org/ar/News/Articles/2017/02/07/pr1739-IMF-Statement-on-Tunisia