أسطورة قلعة "ماسادا" اليهودية.. ترويج لبطولة زائفة

أسطورة "ماسادا" هي إحدى الأساطير اليهودية التي تروّج للبطولة والشجاعة لدى اليهود بزعم الاستناد إلى بحوث تاريخية واكتشافات أثرية والتنقيب في التراث اليهودي.
قلعة مسادا في صحراء النقب في فلسطين المحتلة
قلعة مسادا في صحراء النقب في فلسطين المحتلة

"ماسادا" هي قلعة تقع على مرتفع صخري بارز في شرق صحراء النقب الفلسطينية بالقرب من البحر الميت. وتُعرف أيضاً بـ"مسعدة" وترتفع عن سطح البحر المتوسّط حوالى 49 متراً، وعن سطح البحر الميت 424 متراً ، وعن المنطقة المجاورة قرابة 300 متر. ويقابل هذا التلّ على الساحل الأردني ما يُعرف بمنطقة اللسان عن البحر الميت وتبعد عن هذا  البحر نحو 25 كلم، وتنحدر الصخرة في سفحها الشرقي انحداراً حادّاً يبلغ نحو 400 متر مقابل البحر الميت، ويبلغ ارتفاع الصخرة عن سطح البحر نحو مائة متر، وطول قمّتها نحو 600 متر وعرضها نحو 300 متر، ويصل إليها الإنسان بممر جد متعرّج اسمه "ممر الثعبان" وبممر آخر اسمه "الصخرة البيضاء".

تؤكّد الموسوعة اليهودية (عبد الوهاب المسيري-دار الشروق –القاهرة) صحّة أسطورة "ماسادا". لكن المصدر الوحيد للمعلومات عن هذه الأسطورة والخرافة، جغرافياً وتاريخياً، هو كتابات يوسيفوس فلافيوس أو يوسيپوس باللغة اليونانية أو باسمه العبري الأصلي يوسف بن ماتيتياهو(38-100 للميلاد، تقدير) الذي كان أديباً مؤرّخاً وعسكرياً يهودياً رومانياً عاش في القرن الأول للميلاد، واشتهر بكتبه عن تاريخ اليهود والتمرّد اليهودي على الإمبراطوية الرومانية والتي تلقي الضوء على الأوضاع والأحداث في فلسطين خلال القرن الأول للميلاد.

يقول يوسيفوس إن "ماسادا كانت في الأصل محصّنة، وتقول الموسوعة إن هيرود "ملك اليهود الذي نصّبه الرومان على القدس" حوّل صخرة "ماسادا" إلى قلعة حصينة بين عام 37 وعام 31 قبل الميلاد، وهنا تنقطع المعلومات عن "ماسادا" بعد موت هيرود - والرواية دائماً للموسوعة اليهودية - ويحتمل أن حامية رومانية قد أقامت في القلعة من عام 6 إلى عام 66 بعد الميلاد.

وقد اندلعت حرب بين اليهود أنفسهم فهرب مناحيم بن يهودا الجليلي من القدس ومعه جماعة من القنائين وهاجم القلعة واحتلها بالحيلة والخداع، وبعد أن قُتل مناحيم هذا التحق ابن أخيه واسمه إليعازر بالقلعة، وأصبح قائداً لحاميتها حتى سقوطها عام 73 بعد الميلاد، وخلال هذه الفترة كان بعض القنائين يلتحقون بالقلعة حتى بلغ عددهم 960 رجلاً وامرأة وطفلاً.

والقناؤون هم إحدى الفرق اليهودية التي تشكّلت في فترة ظهور المسيح عليه السلام وتزعّمها يهودا الجليلي عام 6 قبل الميلاد، لحضّ اليهود على رفض الخضوع لسلطان روما، وقد تبعته في حركته الجماهير اليهودية التي أفقرها حكم أثرياء اليهود المتعاونين مع الرومان. ويتّسم فكر القنائين بأنه فكر شعبي مشبع بالأساطير والخرافات، ويرى بعض المؤرّخين أن هذه الفرقة مجموعة من المتعصّبين الذين لجأوا إلى القيام بأعمال الاغتيال والفوضى ضدّ الرومان وضد اليهود أنفسهم، وكانوا يرتكبون جرائمهم علناً في الطرق ويمارسون أعمال النهب واللصوصية والفتك، ولهذا فقد أطلق عليهم إسم "السفّاكون". ومن أجل هذا يعد المؤرّخون هذه الفرقة ضمن الفرق السياسية أو فرق العصابات.

في عام 72 بعد الميلاد سار الحاكم الروماني فلافيوس سيلفا إلى قلعة "ماسادا" على رأس الفرقة العاشرة وبعض القطعات المساعدة، وآلاف من أسرى الحرب اليهود، وبعد حصار طويل فتح سيلفا ثغرة في سور ماسادا، وبدأ إليعازر بن يائير يقنع أتباعه بأن ينتحروا فيقتل بعضهم بعضاً وهكذا حتى يفنوا جميعاً، فذلك خير من أن يقعوا في أيدي الرومان، وألقى فيهم خطبته الحماسية العصماء حثّهم فيها على الموت الجماعي بدل الاستسلام والسقوط في مهانة الأسر وقال في مطلعها: "لن نكون أبداً خدماً للرومان ولا لأي أحد غيرهم سوى الله نفسه .. فهو الحق والعدل .. وهو ربّ البشرية".

وقد أطال يوسيفوس في وصف الساعات المأساوية الأخيرة لقلعة "ماسادا": خطاب إليعازر وانتحار 960 رجلاً وامرأة وطفلاً، وحرق الأبنية ومخازن الأغذية.

تقول الموسوعة اليهودية إن المؤرّخ يوسيفوس أخذ الحكاية كلها عن امرأتين اختفتا في كهف مع خمسة أطفال، فلم يشتركوا في "الانتحار الجماعي".

من أبرز وقائع التزوير والاصطناع في أسطورة ماسادا، وأكثرها وقاحة، إغفال الكتابات الصهيونية ذكر حقيقة أن هناك مصدراً وحيداً للأسطورة، وهذا المصدر مشكوك ومطعون فيه، وهو كتابات المؤرّخ اليهودي يوسيفوس فلافيوس.

يذكر المؤرّخ مصطفى الدبّاغ في كتابه بلادنا فلسطين (دار الطليعة – بيروت 1965) أن أول من وصل إلى قلعة مسعدة، أو مسادا، كما يلفظها اليهود، الرحّالة الأميركي روبنسون في عام 1838. وما أن حل عام 1842 حتى عرفها عدد من المُكتشفين. وفي عام 1932 أجرت بعثة ألمانية بإدارة شولتن وإشراف الجمعية الألمانية للدراسات الفلسطينية أربعة مواسم تنقيبية، تبيّن بنتيجتها أن القلعة تغطي مساحة من الأرض قدرها حوالى تسعة هكتارات، ولها سور يحيط بالهضبة ويبلغ طوله 1,300 متر فيما يراوح عرضه بين 4 و6 أمتار. هذا إلى جانب اكتشاف مستودعات وقصر صغير وآخر كبير (60×48م) ذي ثلاث باحات ومجموعة من المساكن وكنيسة من العهد الصليبي وبوابة وأبراج وخزانات مياه.

ويضيف الدبّاغ: وبين عامي 1963 و1965 قامت الجامعة العبرية وجمعية الاستكشافات الإسرائيلية ومديرية الآثار بإجراء تنقيبات أثرية كان هدفها سياسياً محضاً. وعلى الرغم من الضجة الضخمة التي رافقت هذه التنقيبات والتسهيلات الكثيرة التي وضعتها الحكومة الصهيونية  للبعثة الأثرية، فإن نتائجها لم تكن مهمة. وتفتقر النشرات التي صدرت حول تلك النتائج إلى الروح العلمية ودقّة البحث.

وبعدها جاء مؤرّخ صهيوني معاصر هو الجنرال ييغال يادين، فأصدر كتاباً في عام 1966 هدف فيه إلى جعل الأسطورة / الخرافة لقلعة "ماسادا"، حقيقة تاريخية، إذ أجرى في القلعة حفريات أثرية ورسم لها خرائط ومخطّطات وأعاد بناء بعض البيوت والمرافق.

وفي مقابل المفهوم الإسرائيلي الرسمي وعلى النقيض منه، كشف باحثان يهوديان هما: ويبسي روز مارين التي كتبت في صحيفة "جويش بوست" بتاريخ 24-8-1970 أن نتائج دراستها تؤكّد أن "مسادا" محضّ خرافة وأسطورة وأنه لا يمكن التدليل على سلامة الاكتشافات الأثرية.

المؤرّخ الثاني هو الإسرائيلي نخمان بن يهودا الذي كشف في كتابة "أسطورة مسادا" الصادر عام 1995 "أن الأشخاص الذين احتموا بالقلعة هرباً من بطش الرومان كانوا في الواقع من اللصوص وقطّاع الطرق؛ ممن ارتكبوا العديد من المذابح، بينها مذابح ضدّ قرى يهودية. كما كانوا مكروهين من جانب المؤسّسة اليهودية آنذاك، ولم ينظر إليهم أحد كأبطال قوميين".
محمد علي فقيه باحث لبناني.
 

    


تحويل أسطورة "مسادا" إلى عقيدة

داخل قلعة مسادا
داخل قلعة مسادا
تلقّفت الحركة الصهيونية أسطورة "ماسادا" ودفعت بها إلى أقصى حدود التقديس والإجلال، والتعميم والترسيخ، ورفعتها إلى ذروة المثالية والفداء والتضحية، والصبر على الشدائد حتى الموت، والإخلاص "لقومية الشعب اليهودي". فكانت هذه الأسطورة وليدة تصوّر الحركة الصهيونية لنفسها بأن اليهود هم "شعب الله المختار"، وأنها حال فريدة وغير عادية في التاريخ، وأنها وحيدة في الوجود بصفاتها وعناصرها. فإذا مُسّت مقدّساتها القومية فإنه تثور ثورة عارمة لا تبقي على أحد. وقد نجح الصهاينة في تحويل "مسادا" إلى رمز أيديولوجي قومي مركزي وإلى معلم سياحي لتحقيق منافع اقتصادية، حيث أضحت قلعة مسادا تحتل المرتبة الثانية كأشهر موقع أثري سياحي في إسرائيل بعد حائط البراق في الحرم القدسي الذي يسميه الصهاينة بـ"حائط المبكى"، وذلك بعدما قام سلاح الهندسة الإسرائيلي بإعادة ترميم القلعة.

وفي عام 1971 تم تشغيل قطار هوائي من الجانب الشرقي للجبل إلى القلعة، ومنذ عام 2001 أعلنت هيئة اليونيسكو أن القلعة موقع أثري ينتمى إلى التراث العالمي.

وتسهم إسرائيل في إشاعة هذه التصوّرات الرومانتيكية عن "الذات اليهودية" فتقوم أسلحة الجيش الإسرائيلي بترديد يمين الولاء على قمّة ماسادا، ويقسم الجنود الجدد أن الماسادا لن تسقط ثانية، كما تنظم السلطات المختصة دورات سياحية لليهود والسائحين وطلاب المدارس الإسرائيليين. حيث يقدّم للشباب اليهود الزوّار جولة يتحدث فيها مرشدون عن بسالة وبطولة اليهود الذين رفضوا التخلّي عن معتقداتهم أمام عدوهم الأبدي، وتدخل زيارة ماسادا في برنامج زيارات الزعماء الأجانب الذين يزورون إسرائيل. وقد زارها الرئيسان الأميركيان بيل كلينتون وجورج بوش الإبن.

وذكر الكاتب صمويل سيغال في مقالة نشرت في مجلة "ذا أتلانتيك" الأميركية أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يخطّط لإلقاء خطاب في قلعة ماسادا خلال زيارته لإسرائيل التي تبدأ الإثنين المقبل.

وفي عام 1969 أعادت إسرائيل "دفن المنتحرين" وفق مراسم الدفن اليهودية إمعاناً في تعميق جذور الأسطورة / الخرافة في "الوجدان اليهودي"، أسطورة  "الشعب" الذي يفضّل الانتحار على الاندماج والتعايش.

وقد استغلت حركات الشبيبة الصهيونية القلعة - الأسطورة كمزار لصوغ هوية أعضائها من الصبية اليهود، ونظمّت فيها ما يمكن وصفه بأنه عملية "غسيل دماغ" مروّعة بحيث تدفعهم ليؤمنوا فعلاً بأن الموت أو الانتحار الجماعي هو أفضل من الاستسلام والخضوع للمُحتلين. كما تأسّست فى الولايات المتحدة الأميركية عام 1940 "منظمة ماسادا" للشبيبة الصهيونية حيث نشط بعض أعضائها في الاستيطان اليهودي في فلسطين .

واستخدمت العصابات الصهيونية المسلحة خاصة "قوات البلماح" خلال العقد الرابع من القرن العشرين موقع قلعة ماسادا كمركز للتدريب على السلاح، وهي وسيلة صهيونية أخرى لتوظيف أسطورة  الماسادا في دعم وتأسيس حركات العنف والإرهاب.

يقول الكاتب صمويل سيغال إن "الماسادا تحوّلت إلى محور الرواية القومية الصهيونية، وفي عام 1927 كتب الشاعر اليهودي يتسحاق لامدان قصيدة استخدم فيها قصة الماسادا لوصف الاضطهاد الذي يعاني منه اليهود في أوروبا، وكانت تحمل عنوان (لن تسقط الماسادا مرة ثانية)، الذي تحوّل إلى  شعار من أشهر الشعارات التي رفعها اليهود الصهيونيون."

وقد ذكرت رئيسة الوزراء غولدا مائير الماسادا بقولها: (لدينا مجمع الماسادا)، وقال وزير الدفاع السابق موشيه دايان: (قدّمت الماسادا للتاريخ اليهودي المجد الغارق في دم البسالة والإيمان والكرامة، وليس فقط في مواجهة الموت، لكن في مواجهة معارك الحياة أيضاً".

ولعلّ تاريخ حياة إليعازر هذا يلقي ضوءاً على تركيب الأسطورة فقد كان إليعازر - كما جاء في كتابات يوسيفوس نفسه - أحد ثلاثة خوارج كانوا سبباً في خراب القدس، ووصفه يوسيفوس بأنه كان "جباراً فاتكاً داعراً حرامياً" وأن جماعة انضمت إليه من "الحرامية" وأهل الشر، فكانوا يمضون إلى الشمال فيقتلون وينهبون ويعودون ثم صاروا يفعلون ذلك في مدن اليهود.

لقد قرّر إليعازر فرض انتحار "ماسادا" فرضاً لأنه كما يقول يوسيفوس لم يفرّ "ولم يسمح لأحد بالفرار". وعلى هذا فقد فرض إليعازر الانتحار على فئة من يهود القلعة كانت تريد الفرار أو الاستسلام، وجعل إليعازر - بقراره هذا - يهود الماسادا محور التاريخ مدّعياً معرفته بإرادة الله.

ثم جاءت الحركة الصهيونية من بعد وادّعت لنفسها مثل إليعازر محورية تاريخية، فهي تقف ضدّ مسار التاريخ وتفرض على اليهود - مثل ما فرض إليعازر على أهل القلعة الانتحار - تصوّراتها بخصوص ما تسمّيه بالشخصية اليهودية الانتحارية، ثم تلقي بالإسرائيليين في أتون الحروب والمعارك، المرة تلو المرة، مدعية أن "الوطن اليهودي" هو الوطن الأسمى في العالم، وأن "الشعب اليهودي" هو الشعب الذي لا يرقى إليه أي شعب في التاريخ، قديمه وحديثه.

لهذا ظهرت الحاجة إلى إنشاء العديد من "الماسادا" في أي وطن يستعمروه حتى يكون حصناً لهم من ( الأغيار) الذين يعتبرونهم أعداء يريدون إبادتهم أينما وجدوا وينتحروا فيه عند اللزوم.

ومما يعزّز هذه الفكرة أيضاً هو تصرّف اليهود بعد عبور الجيش المصري لقناة السويس عام 1973 وبعد وقوع الماسادا، أي انهيار خط بارليف في أيدي المصريين، فلم يختلف تصرّف الإسرائيليين كثيراً عن تصرّف أجدادهم حينما اقتحم الرومان قلعة ماسادا فاحتفظت غولدا مائير، رئيسة وزراء إسرائيل بالحبوب السامّة في حقيبتها.

ويتّضح من كل هذا أن "الماسادا" أصبحت جزءاً لا يتجزّأ من المفردات المركزية المكوّنة للهوية الفردية والجماعية للأجيال اليهودية، وعنصراً رئيسياً من الأساطير الصهيونية المؤسسة للكيان الإسرائيلي.

 

 

حقيقة قلعة مسادا

بعض الرسوم المزيفة على جدران قلعة مسادا
بعض الرسوم المزيفة على جدران قلعة مسادا

 لا شك بأن قلعة ماسادا حقيقة تاريخية ملموسة وثمة بقايا أثرية يهودية كما يقول الباحث المصري الراحل عبد الوهاب المسيري. إلا أن هناك من الحقائق ما يمكنها أن تغيّر تماماً من مضمون هذه الواقعة. فكتب التاريخ الصهيوني قد حجبت كثيراً من العناصر التاريخية لتفرض على "ماسادا" معنى صهيونياً بحيث تصبح رمزاً لوحدة الشعب ولرفضه الاستسلام. مثلاً، لا تذكر المصادر الصهيونية شيئاً عن الحرب الطبقية التي وقعت بين فقراء اليهود وأثريائهم المتعاونين مع روما، الذين كانوا يحكمون فلسطين لصالح الإمبراطورية الرومانية ولخدمة مصالحهم الشخصية وثرائهم، والذين كانوا يحاربون مع الرومان جنباً إلى جنب.

وقد استمر الصراع الطبقي بعد ازدياد استغلال الرومان لمستعمراتهم في الشرق، فتكوّن تحالف بين بعض الفئات اليهودية الفقيرة المضطهدة، وكان القناؤون عصب الحركة لأنهم كانوا سواد اليهود الفقراء، وقد بلغ الصراع الطبقي حداً دفع القنائين إلى قتل عدد من الأثرياء اليهود. فمثلاً لا تذكر المصادر الصهيونية شيئاً عن الحرب الطبقية التي دارت رحاها بين فقراء اليهود وأثريائهم.

ولا تذكر المصادر الصهيونية أن قبل حادثة ماسادا تم ذبح ما لا يقل عن إثني عشر ألف يهودي على يد إخوانهم من اليهود الفقراء. كما لا تذكر قادة التمرّد الذين استسلموا وسيقوا إلى روما حيث أعدموا. وهي لا تذكر شيئاً عن القلاع اليهودية الأخرى مثل هيروديوم وماكايرويس التي أثرت الاستسلام والبقاء على الانتحار والموت عام 70 ميلادية، لعلمها أن الرومان لن يبيدوا من فيها لأنهم لم يرتكبوا أية جريمة ضدّ الحاميات الرومانية التي استسلمت لهم.

وعكس ما كان عليه سكان ماسادا الذين كانوا يعرفون أن مصيرهم هو الموت بسبب إبادتهم الحامية الرومانية التي استسلمت لهم، وكانت قلعة ماكريوس أقوى وأهم حصن بعد القدس. فماسادا لم تكن سوى قلعة واحدة ضمن ثلاث قلاع أخرى كانت تشكل القلاع الأخيرة التي التجأ إليها القناؤون، وكان الهجوم الروماني عليها كلها بالتتالي، فقد سقطت القلعة الأولى "هيروديام" من دون مقاومة، واستسلمت الثانية "مكاريوس" بعد مقاومة بسيطة، وقد تم استسلام المحاربين في هاتين القلعتين بعد أن وعدهم الرومان بالسلام والأمان، ولم ينتحر إلا الموجودون في قلعة ماسادا. ولذا لم يكترث الرومان كثيراً بماسادا وتركوها حتى انتهوا من جيوب التمرّد الأخرى وهاجموها وقضوا عليها عام 73 ميلادية.

وإذا كان لا بدّ من اختيار رمز ما يعبّر عن الواقع اليهودي أثناء التمرّد اليهودي الأول ضدّ الرومان، فإن قلعة ماكريوس التي استسلم سكانها، هي مثال أفضل من مثال ماسادا التي ركّز المؤرّخون الصهيونيون على تغيير الواقعة في التاريخ وفرض اتجاه محدّد متميّز في التاريخ، فالكتابات الصهيونية التي أرّخت لماسادا قدّمتها على أن ما حدث فيها هو القاعدة وليس الاستثناء في التاريخ والعقلية اليهوديين، فأسقطوا ما حدث في القلعتين المستسلمتين الأخريين.

وأسطورة ماسادا تحجب عناصر كثيرة، منها أن الديانة اليهودية تحرّم الانتحار فحينما نبحث في عقدة مسادا (أي رفض الاستسلام وإيثار الانتحار) فإننا لا نجد لها أثراً. ففي تاريخ الصهاينة الحربي لا نجد لشعار "حتى لا تسقط ماسادا أخرى" أي فعل في أرض المعركة ولا توجد في نفسية الجنود الصهاينة عقدة عدم الإستسلام على الإطلاق.

والأدلّة على ذلك كثيرة، أهمها: حين تم حصار بعض القوات الصهيونية في خط بارليف في عام 1973، استسلم الجنود الصهاينة بكل سلاسة وعلى مرأى من التلفزيون المصري والصليب الأحمر الدولي. بل إن الجنود الصهاينة أثناء الحصار كانوا يتهكّمون على قيادتهم وكانوا يقولون: هل المطلوب منا الموت على طريقة الماسادا. لذلك حين استسلموا أمرهم قاداتهم  بالتبّسم أمام عدسات التلفزيون المصري.

ثم أن نسبة انتحار الجنود الصهاينة في الجيش الإسرائيلي ليست قليلة، لكن هذا الانتحار يجب أخذ حيثياته وأسبابه، لأن الجنود الصهاينة كانوا ينتحرون في جنوب لبنان وهم ليسوا في مواقع مُحاصرة بل فقط لأنهم يئسوا من الحرب، والدليل أنه عندما أُعلن الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، لم نرَ أحداً منهم آثر الانتحار على الانسحاب بل فرحوا ورقصوا فرحاً بالانسحاب وهلّلوا أمام عدسات التلفاز في العالم.

وهذا يعني أن حتى الأساطير لم تستطع أن تنسج داخل الكيان الغاصب أية بطولة يهودية في نفوسهم بل أن هذه الأساطير يتم الترويج لها من أجل الحرب النفسية على العرب. 

يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري : "الصهاينة بارعون في نحت الأساطير والترويج لها وعلينا إدراك ذلك والحذر منه".

فالصهاينة يعيدون كتابة التاريخ اليهودي ويفسّروه على أنه تاريخ فرادة وتفوّق واستكبار، وينحتون منهجاً تفسيرياً جديداً يتعمّدون فصله عن علم مسار التاريخ وقوانينه. وهم بذلك يعمدون إلى بثّ الخوف في قلوبنا كي يكسبوا الحرب من دون حتى أن يدخلوا المعركة.