أسس الجيوبولتيكا ومستقبل روسيا

يرى إكسندر دوغين أن الجيوبولتيكا – هذا العلم الجديد – هي وجهة نظر السلطة، وهي علم السلطة، ومن أجل السلطة.

فراءة في كتاب مؤسس "الجيوبولتيكا الروسي" و"عقل بوتين"
فراءة في كتاب مؤسس "الجيوبولتيكا الروسي" و"عقل بوتين"

يعتبر كتاب "أسس الجيوبولتيكا" للمفكر الروسي إلكسندر دوغين  أول مؤلف تعليمي باللغة الروسية في علم الجيوبولتيكا عرض فيه بمنهجية وتفصيل أسس الجيوبولتيكا، نظريتها وتاريخها. كما إنه يغطي ميداناً واسعاً من المدارس والرؤى الجيوبولتيكية والقضايا العملية. ولأول مرة تصاغ العقيدة الجيوبولتيكية لروسيا من خلال هذا الكتاب.

ويأتي هذا الكتاب ليضع نهاية لإحتكار الغرب لعلم "الجيوبولتيكا" والعلاقات الدولية، وفاتحة لنظريات سياسية بديلة، منشأها روسيا والصين ودول أميركا اللاتينية والهند وأفريقيا، وأماكن أخرى لها وجهات نظر مختلفة عن التفكير السائد عند الغرب.

وسرعان ما تحول هذا الكتاب إلى منهاج دراسي في الأكاديميات العسكرية الروسية، وألهم النخب العسكرية والأمنية الروسية، وقاد عملية تغيير مفاهيمية لدى الدبلوماسية الروسية. إذ طالما أعتبرت هذه علوم"الجيوبولتيكا" والعلاقات الدولية، جزءاً من العلوم الإجتماعية الأنغلو-أميركية، التي برع فيها علماء ومنظرون أمثال جوزف ناي، صاموئيل هانتنغتون، كينيث والتز، زبغنيو بريجينسكي، بول كيندي بالإضافة إلى شخصيات أخرى خُلِّدت أسماؤهم في تاريخ هذه العلوم ، والتي ساهمت بشكل أساسي في رسم العلاقات الدولية وطبيعة النظام العالمي المعاصر.

وكتاب "أسس الجيويولتيكا"الذي أصدرت ترجمته دار "التكوين الجديد" في بيروت، غني بموضوعاته التي تجمع بين الرؤية المعاصرة والمعطيات التاريخية البعيدة وتأسيس الأطروحات السياسية. يضاف إلى هذا طرافة تقسيم الكتاب والعناوين الكثيرة التي تشير إلى الأبواب والفصول والمقالات في كل فصل، كما تنعكس طرافته في النصوص المترجمة التي يختارها المؤلف من الأصول الأوروبية، يضاف إلى ذلك كله عشرات الخرائط الجيوبولتيكية وخاتمة الكتاب التي تضمن عدداً وافياً من المصطلحات المتعلقة بهذا العلم الجديد.

يقول مترجم الكتاب الدكتور عماد حاتم إن فهم كتاب "أسس الجيويولتيكا"لن يكون كاملاً إلا بقراءته في ترجمة متأنية جادة، معززة بالشروح والهوامش.

يرى إكسندر دوغين أن الجيويولتيكا – هذا العلم الجديد – هي وجهة نظر السلطة، وهي علم السلطة، ومن أجل السلطة، ويكشف تاريخها على أن من عكفوا على دراستها كانوا من دون استثناء ممن شاركوا في حكم الدول والأمم أو ممن يهيئون أنفسهم  للقيام بتلك الأدوار.

فالجيوبولتيكا - بحسب دوغين - تمثل في العالم المعاصر "دليل رجل السلطة"، وبكلمة أدق  هي كتاب السلطة الذي يقدم ملخصاً ينبغي وضعه في الحساب عند اتخاذ القرارات الكونية المصيرية – كعقد التحالفات وشن الحروب، والقيام بالإصلاحات أو الإجراءات الإقتصادية والسياسية على مستوى واسع. ويختم المؤلف تعريفه لها بالقول إن "الجيويولتيكا: علم الحكم".

يتوقف المؤلف بشكل واسع قي كتابه عند جهود أكبر العلماء المؤسسين لهذا العلم "الجيويولتيكا" وما جاؤوا به من نظريات، فيتوقف أمام المدرسة العضوية الألمانية التي أسسها فريدريك راتسيل وقوانينه السبعة التي طبقها على التوسع الترابي وكانت مترافقة مع بدايات الإستعمار الغربي.

ويتحدث المؤلف عن رودولف تشيلين وفريدريك ناومن اللذين أكسبا أفكار راتسيل ملامحها التطبيقية، وعن دور العالم والسياسي هيلفورد ماكيندر الذي قرأ خريطة العالم البرية – البحرية قراءة جيويولتيكية دقيقة وأدرك موقع أوراسيا فيها فسماها "المحور الجغرافي للتاريخ" الكوني.

ويواصل دوغين دراسة منظري القوة البحرية الأميركيين الذين أعانتهم سياسة بلادهم على تطبيق نظرياتهم، ومن هؤلاء ألفريد ماهان ونيكولاس سبيكمان منظري سياسة الهيمنة الأميركية، ثم يستعرض دوغين  نظرية كارل هاوسهرفر المتعلقة بإقامة الحلف القاري "برلين – موسكو – طوكيو" وكيف حرف هذا التوجه حتى تحول إلى حرب ضد روسيا أيام هتلر. ويلفت المؤلف إلى أعمال العالم الكبير كارل شميدت ونظريته المتعمقة  حول المواجهة بين القوتين البرية والبحرية.

يقدم دوغين نظريات الأوراسيين الروس نيكولايفتش سافيتسكي ومريديه حول أوراسيا وخصوصية "فرادة العرقية الروسية". وتتوالى بعد ذلك أعداد من الأسماء تحدثت عن نظريات الجيويولتيكا المعاصرة مثل كيسينجر وهنتيغتون وفوكاياما وغيره من علماء أوروبا وروسيا.    

ويلفت الكاتب النظر إلى أن علم الجيويولتيكا يكاد يكون وقفاً على الدول العظمى أو ما فوق العظمى. ولهذا ينتسب أكبر ممثلي هذا العلم إلى ألمانيا وانجلترا وروسيا وفرنسا (أي الدول الفاعلة على مستوى الكون). أما من وجدوا في دول مثل إيطاليا وبلجيكا وإسبانيا ورومانيا فلم يكن لهم ذلك التاثير المطلوب.

ويفصل الكتاب بين نوعين من العلماء: من لقوا اَذاناً صاغية في بلادهم التي عاملتهم بكل تفهم واحترام، فنهضوا بها وأوصلوها إلى أعلى عتبات الهيمنة والتوسع الكونيين (بريطانيا وأميركا)، وبين من لم يجرِ الإصغاء إليهم إلا قليلاً كما في فرنسا وألمانيا، أو إنحدر تعامل بلادهم معهم حتى الحضيض كما في روسيا. ولهذا حققت دول الغرب السيطرة العالمية بينما دفعت ألمانيا سقوطها من التاريخ لمدة نصف قرن ثمناً لإهمالها أطروحات الجيوبولتكيين. أما الإتحاد السوفياتي فهبط تأثيره العالمي حتى الصفر وتقلصت مساحته بشدة وتحول اقتصاده ووسطه الإجتماعي إلى أطلال.

ويستطرد دوغين في شرح طبيعة الشعب الروسي وامتداده على خارطة العالم، وتكوينه الإثني والتاريخي، وأفقه اللاهوتي، لينتهي إلى مناقشة قضية يؤكد على أنها لا تقبل المساومة وهي ضرورة إيجاد "الإمبراطورية الروسية".

ولا يخفي صاحب "أسس الجيويولتيكا" أمله في أن تكون الإمبراطورية أوراسية قارية عظمى وفي أن تصير عالمية في المستقبل. ويضيف: "نحن امبراطورية أوراسية جديدة".

ويؤكد المؤلف ان الإهتمام العالمي بالجيويولتيكا يتنامى، فهناك أعداد متزايدة من البشر من اختصاصيين وفضوليين تطمح إلى التعرف عن كثب على المبادئ المؤصلة لهذه المنظومة العلمية.

ويعتبر دوغين أن الجيويولتيكا ليست عقيدة جامدة، وليست تجميعاً لحقائق ثبتت صحتها مرة إلى الأبد. إنها تستمد جاذبيتها من تفتحها بالذات، ومن كونها تنتسب للتطور الخلاق في أنها تجتذب الأرواح المتوثبة والعقول الباحثة عن بدائل للمناهج القديمة السائرة إلى الإضمحلال.

يخلص الكاتب إلى أن الرد المنطقي الوحيد على الإرادة الإطلسية وجبروتها ونزقها، هو العودة إلى المخزون الحضاري الخاص وتجنيد المصادر الإستراتيجية والإقتصادية والثقافية والضرورية لروسيا لكي لا تمحى من التاريخ باليد الحديدية لبناة "النظام العالمي الجديد". ليست الجيويولتيكا الأوراسية ساحة للعدوان بل هي خط الدفاع الأخير. إن فرض "الأنا" الحضارية الخاصة محفوف دوماً بالمخاطر، لكن العدول عنه يتكافأ مع الإنتحار التاريخي في معناه.

يعتبر دوغين ان صدور كتابه "أسس الجيويولتيكا" باللغة العربية يمثل له حدثاً بالغ الأهمية. ويضيف: "كمؤسس لمدرسة الجيويولتيكا الروسية أكون مسروراً بصدق إذا ما قدم كتابي العون لإقامة الوعي الذاتي الجيويولتيكي العربي"

ولأن هناك أواصر تاريخية كثيرة تجمع بين الروس والعرب، يقول دوغين إن أمامنا بناء العالم العادل المتعدد الأقطاب، وهذا يعني أيضاً أن أمامنا عدواً واحداً هو العولمة، وهي الغرس الكوني للأطلسية. ومن المعروف أن لا شيء يوحد كالعدو المشترك. 

 

الأوراسية

تمثل روسيا من وجهة نظر استراتيجية كتلة قارية هائلة تتماهى مع الأوراسية نفسها. وبعد استصلاح سيبيريا وتكاملها تطابقت روسيا مع المفهوم الجيوبولتيكي "الأرض المتوسطة" في القارة.

ولأن روسيا – الأوراسيا في المرحلة التاريخية الحاضرة لا تواجه "عدواً كونياً" في صورة "الحضارات الشاطئية"، بقدر ما تواجه "الجزيرة" المقابلة لها وهي "أميركا الأطلسية"، يرى دوغين بأن ما هو استراتيجي وأكثر إلحاحاً تحويل "الاراضي الساحلية" إلى حلفاء لها، والتغلغل الأستراتيجي إلى المناطق "الساحلية"، وإقامة الحلف الأوراسي العام.

ويرى بأن الحضارات الشاطئية أو الأراضي الساحلية ضرورة لروسيا من أجل أن تصبح فعلاً قوة جيوبولتيكية قارية مستقلة. ويؤكد أن نقل الإشكالية الثقافية – التاريخية لروسيا إلى المستوى الاستراتيجي أو الجيوبولتيكي ليس إلا عملاً تخريبياً سياسياً موجهاً نحو تضليل استراتيجي للنهج السياسي الخارجي لروسيا. ويعتقد بأن نتائج ذلك هي التماهي الكامل مع الأهداف العولمية. فمن دون تحويل روسيا إلى "معزل إثني" لن تستطيع الولايات المتحدة تحقيق الهيمنة الكاملة على العالم.     

ويركز دوغين على أن احد المنطلقات الأساسية للجيوبولتيكيا هو التوكيد على أن الوضع الجيوبولتيكي للدولة يفوق في الأهمية بكثير خصائص البناء السياسي للدولة. فالسياسة والثقافة والأيديولوجيا وطابع النخبة الحاكمة بل والدين نفسه ينظر إليها جميعاً في عدسة الجيوبولتيكيا على أنها مهمة، لكنها ثانوية بالمقارنة مع المبدأ الجيوبولتيكي الأساسي – علاقة الدولة بالمكان.

يعتقد دوغين أن أحد المطالب الأكثر إلحاحاً بالنسبة لروسيا  هو "تجميع الإمبراطورية"، لأنها الضمانة والشرط اللازم لوجود الدولة المستقلة.

ويعتبر المولف بأن روسيا إذا لم تبدأ على التو ببناء المجال المكاني الكبير أي إعادة تلك الاَفاق الأوراسية المضيعة ضمن مجال تأثيرها الاستراتيجي، فإنها تلحق الكارثة بنفسها وبجميع الشعوب القاطنة في الجزيرة العالمية.