هل الأرض قادرة على استيعاب البشر؟

لا يوجد أساس علمي أو عادل للاعتقاد بأن تهديدات الانهيار المجتمعي والادعاءات القائلة بأن مقدرة الأرض على الاستيعاب محدودة.

حقول الأرز في يانجون في ميانمار
حقول الأرز في يانجون في ميانمار

كتب تيد نوردهاوس، وهو مدير ومؤسس معهد الاكتشاف في كاليفورنيا، والمشارك في كتاب "الميثاق البيئي الحديث عام 2015"، مقالة في موقع "إيون" البيئي نقلها إلى العربية إبراهيم عبدالله العلو كما يلي:

خلص فريق من العلماء في بحث نشر مؤخراً في مجلة "ناتشر للاستدامة" إلى أن الأرض لا تحتمل أكثر من 7 مليارات إنسان ضمن معدلات الاستهلاك المعتدلة في الوقت الذي تخطى فيه عدد سكان العالم 7.6 مليار إنسان عام 2018.

يقول البعض إن الوصول إلى إشباع رغبات كل البشر سوف يتجاوز حدود الأرض البيولوجية والطبيعية مما يؤدي إلى الانهيار الإيكولوجي.

لا يبدو هذا الادعاء بالرغم من دقته العلمية الظاهرة جديداً ولا قديماً ولكنه مجرد تكرار جديد للتأكيد القديم بأن عدد سكان الأرض واستهلاكهم قد يتجاوز عما قريب مقدرة الأرض المحدودة على التحمل.

تعود جذور الفكرة إلى الشحن خلال القرن التاسع عشر والتي تعني ضمناً مقادير حمولات السفن البخارية وقفزت من الجوامد إلى الأرضيات في نهاية القرن التاسع عشر بحيث استخدمت لوصف العدد الأعظمي من الماشية أو الحيوانات البرية التي تتمكن النظم الإيكولوجية للمراعي والمروج من استيعابه.

يبدو هذا المفهوم شائكاً لدى تطبيقه على الإيكولوجيا. فالحمولة لا تتضاعف من تلقاء ذاتها ووفق رغبتها. ولا يمكن تحديد مقدرة النظام البيئي وفق الرسوم الهندسية. طبق علماء البيئة على مدى عقود عديدة هذا المفهوم على المجتمعات البشرية بدقة مدعاة تخفي طبيعتها النبيلة.

قام الإيكولوجي ويليام فوجت بتطبيق ذلك لأول مرة في الأربعينات من القرن العشرين حيث تنبأ بأن الإفراط في استخدام الأراضي الزراعية سوف يؤدي إلى استنفاد التربة وبالتالي يفضي إلى كارثة.  

ركز بول إيرليش في الستينات والسبعينات من القرن الماضي على إنتاج الغذاء كما شدد نادي روما على الموارد الطبيعية، بينما ألمح نشطاء وعلماء البيئة من المتأخرين إلى آثار التلوث وتدمير الموائل على "نظام الأرض" الذي يعتمد عليه رفاه البشر ككل.

تعتمد جميع تلك المناهج على النظرة المالتوسية الجديدة للخصوبة البشرية والاستهلاك الآدمي. ومنذ نقاشات القرن الثامن عشر التي استهلها القس توماس روبرت مالتوس تخيل أدعياء المحق البيئي أن البشر يتجاوبون مع الوفرة بزيادة النسل والاستهلاك. وعلى غرار البروتوزا أو ذبابة الفاكهة نتابع التناسل والاستهلاك حتى نستنفذ كل الموارد التي تمكننا من النمو.

ولكن الخصوبة البشرية والاستهلاك لا يعملان في الواقع على هذا النحو. إذ تجلب الحداثة والغنى معدلات خصوبة متناقصة وليست متزايدة على أرض الواقع. ومع تحسن ظروف استهلاكنا المادي نتوجه لإنجاب عدد أقل من الأطفال.

لم يكن الانفجار السكاني على مدى القرنين الماضيين نتيجة لارتفاع معدل الخصوبة بل لانخفاض معدل الوفيات. أصبحت معدلات الأعمار أعلى نتيجة لتحسن ظروف الصحة العامة والتغذية والبنى التحتية الطبيعية والأمان العام.

نلحظ اليوم في الولايات المتحدة واليابان ومعظم أميركا اللاتينية وحتى بعض أجزاء الهند تدني معدلات الخصوبة إلى ما دون معدل الاستبدال أي أن معدل الأطفال المولودين لكل إمرأة هو أقل من 2.

ويتوقع أن يلحق معظم بقية العالم بذلك خلال العقود القليلة المقبلة. ونتيجة لذلك يتنبأ معظم الديموغرافيين بأن عدد سكان العالم سيصل إلى الذروة ثم يبدأ بانحدار بطيء وربما في بعض الأحيان قبل نهاية هذا القرن.

لذلك تركز معظم التحذيرات الراهنة اليوم على الانهيار الإيكولوجي بسبب ارتفاع معدلات الاستهلاك وليس النمو السكاني. وكما هو معلوم للجميع فإن بيولوجيتنا الاجتماعية لا تعمل مثل البروتوزا (البرزويات)، ولكن الرأسمالية تعمل وفق ذلك إذ لا تستطيع البقاء من دون نمو غير محدود للاستهلاك المادي.

لا يوجد أساس معتمد لهذا الادعاء، بل على النقيض من ذلك يوجد الكثير من الأدلة التي تعاكسه. إذ إن التوجه الطويل الأمد في اقتصادات السوق يتجه نحو النمو الأبطأ والأقل حدة على الموارد. يرتفع الاستهلاك على مستوى الفرد بشكل درامي مع انتقال الأفراد من الاقتصادات الزراعية الريفية إلى الاقتصادات الصناعية الحديثة ثم لا يلبث أن يتناقص. وتجاهد الولايات المتحدة وأوروبا الغربية اليوم للحفاظ على نمو سنوي بمقدار 2%.

يتغير استهلاك الاقتصادات الغنية أيضاً. إذ ساهم التصنيع في وقت مضى بنسبة 20% أو أكثر من الإنتاج الاقتصادي والتوظيف في معظم اقتصادات الدول المتقدمة. بينما وصل اليوم إلى 10% في بعضها في الوقت الذي ينبع فيه معظم الإنتاج الاقتصادي من قطاعات المعرفة والخدمات التي لا تستهلك الكثير من الموارد والطاقة.

جلبت كل زيادة في النمو الاقتصادي في البلدان المتطورة على مدى عقود عدة استخداماً أقل للموارد والطاقة عن سابقه. ويعزى ذلك لتشبع الطلب على السلع المادية والخدمات. يرغب الكثير منا اليوم باستهلاك أقل من 3000 سعرة حرارية في اليوم ولا يحبذ العيش في منزل تزيد مساحته عن 500 متر مربع. يرغب كثير من الأميركيين بقيادة سيارات الدفع الرباعي ولكن لا يوجد اهتمام كبير بنقل الأطفال إلى مباراة لكرة القدم في شاحنة صغيرة. ربما تتسم شهيتنا للسلع المادية بالضخامة ولكنها ذات حدود على أية حال.

ولا يعني ذلك بأية حال من الأحوال أننا لن نتخطى مقدرة الكوكب على الاستيعاب. يدعي بعض علماء البيئة أننا تجاوزنا مسبقاً مقدرة الأرض على الاستيعاب. ولكن تلك النظرة غير تاريخية وتفترض أن المقدرة على الاستيعاب ثابتة.

قمنا في الحقيقة بهندسة بيئتنا لتخدم الاحتياجات البشرية بشكل أكثر إنتاجية لعشرات الآلاف من السنين. قمنا بإزالة الغابات لإفساح المكان للزراعة والمراعي وقمنا باصطفاء وإكثار النباتات والحيوانات الأكثر تغذية ونفعاً ووفرة وخصوبة. تطلب الأمر ستة أمثال الأرض الزراعية لإطعام الفرد قبل 9000 سنة إبان فجر ثورة العصر الحجري الحديث عما يستلزمه اليوم، مع العلم أن معظمنا يستهلك أطعمة أغنى وأدسم. يقترح الدليل الإحاثي أن مقدرة الأرض على الاستيعاب ليست محدودة بل هي أعظم مما كانت عليه عندما بدأنا به رحلتنا على هذا الكوكب.

لا يوجد ما يدعو للاعتقاد بأننا لن نتمكن من الاستمرار برفع مقدرة الحمولة بشكل أكبر. لا شك أن الطاقة الشمسية والنووية قد تقدم كميات كبيرة من الطاقة لأعداد ضخمة من البشر من دون إنتاج كميات كبيرة من الانبعاثات الكربونية. كما أن الأنظمة الزراعية الحديثة قادرة على تلبية الاحتياجات الغذائية لبشر أكثر. وربما لا يكون الكوكب الحافل بأعداد أكبر من الدواجن والذرة والطاقة النووية الغاية الأسمى التي يسعى إليها الكثيرون، ولكنه سيكون على الأقل القادر على تلبية احتياجات عدد أكبر من الناس الذين يستهلكون الكثير من المواد على مدى فترة زمنية طويلة.

قد يكون مثل ذلك المستقبل لعنة للكثير من أنصار الحدود الكوكبية ويقترح نفاقاً على أعلى المستويات. ولكن إن صح ذلك فإنه ينبع من التفاؤل ومن الاعتقاد بأن البشر سيتابعون الازدهار بوجود المزيد من الحكمة والابتكار.

بينما تقترح الدعوات لحد المجتمعات البشرية وفق حدود الكوكب والتي يدعو إليها علماء البيئة مستقبلاً أكثر قتامة، تجازف النظرة إلى البشر بذات الطريقة التي ننظر إليها إلى الحشرات أو الكائنات وحيدة الخلية بمعاملتنا لها بنفس الطريقة. حاجج مالتوس ضد قوانين الفقر اعتقاداً منه بأنها تحث الفقراء على التناسل. ووقف ايرليتش ضد المساعدات الغذائية للبلدان الفقيرة لأسباب مماثلة وشجّع على وسائل الحد من النسل والتي اتسمت بوحشية هائلة.

تتسم مطالبات اليوم بفرض حدود كوكبية على مستوى العالم بنبرة العدالة وإعادة التوزيع لتجنب أي اقتراحات بأن فعل ذلك سوف يدفع بالمليارات من البشر إلى فقر ريفي مدقع. ولكنهم لا يقولون الكثير عن ذلك وبخاصة عن الهندسة الاجتماعية على مثل ذلك المستوى الهائل وطريقة فرضه بأسلوب ديموقراطي عادل.

لا يحتاج المرء في النهاية لتشجيع فرض حدود علمية زائفة على المجتمعات البشرية للاعتقاد بأن العديد منا سيكونون أفضل حالاً عند مستويات الاستهلاك الأقل.

كما لا يجب أن يفترض أي كان أن انهيار المجتمعات البشرية سيكون نتيجة لتنامي الاستهلاك البشري وآثاره المدمرة على بقية المخلوقات.

لا يوجد أساس علمي أو عادل للاعتقاد بأن تهديدات الانهيار المجتمعي والادعاءات القائلة بأن مقدرة الأرض على الاستيعاب محدودة والمطالب الكاسحة لفرض قيود على التطلعات البشرية. فنحن في النهاية لسنا ذبابة الفاكهة ولم نبرمج للتناسل حتى انهيارنا السكاني. كما أننا لسنا أبقاراً يجب تقييد أعدادها. يتطلب تفهم التجربة البشرية على هذا الكوكب إدراكاً بكيفية إعادة صياغتنا للكوكب مرة تلو أخرى من أجل تحقيق احتياجاتنا وأحلامنا. تعتمد تطلعات مليارات البشر اليوم على الاستمرار بفعل ذلك ونأمل أن يتحقق ذلك في قادم الأيام.