العرب وإفريقيا.. تاريخ من الصفحات المضيئة

كان لمصر وليبيا والمغرب والجزيرة العربية علاقات تجارية مع أفريقيا في عصر ما قبل الاستعمار، ما يؤهلها للعب دور الصدارة في تعزيز تلك العلاقات.

 

  • كتاب "العرب وإفريقيا" للباحث صالح محروس محمد.

تحل السنغال ضيف شرف في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2020 في دورته الـ(51)، ويأتي جمال حمدان شخصية عام المعرض، تحت شعار: "مصر إفريقيا.. ثقافة التنوع". وستتم مناقشة كتاب "العرب وإفريقيا"، برئاسة السفيرة سعيدة محمد حسني، والبروفيسور أحمد عبد الدايم ومحمد عريف، والذي صدر عن دار "المكتب العربى للمعارف" في العام 2019، من تأليف صالح محروس محمد، الباحث والكاتب في التاريخ الحديث والمعاصر.

 بدأ الكاتب بعرض لما وضحه الرئيس الراحل جمال عبدالناصر في كتابه (فلسفة الثورة)، من أن السياسة المصرية الخارجية لها ثلاث دوائر: الدائرة العربية والدائرة الأفريقية والدائرة الإسلامية، وكان ذلك محرك سياسته الخارجية. ولا يعترض أحد على أن فترة ذروة ازدهار العلاقات المصرية-الأفريقية كانت زمن عبد الناصر حيث أدرك أنه لا يمكن تجاهل القارة الأفريقية لأن القدر شاء أن تكون مصر فيها، وشاء أن يكون فيها صراع مروع بين أقلية بيضاء وأغلبية سوداء، ولا يمكن أن تكون مصر بمعزل عن تلك الأقلية التى تتحكم في الملايين من السود، ولا يمكن لمصر أن تظل بمعزل عن النيل وهو شريان الحياة والذي ينبع من قلب القارة الأفريقية، ويربط مصر بالعديد من دول الجوار وبخاصة السودان.                                      

لقد ظل عبد الناصر يحلم باليوم الذي يجد فيه في القاهرة معهداً ضخماً لأفريقيا يسعى إلى كشف نواحي القارة أمام عيون المصريين، ويخلق فس وعس الشباب المصرس إهتماماً مستنيراً في القارة، ويشارك مع شعوبها على تقدم هذه القارة وتخليصها من براثن الإستعمار وأعوانه. وكانت صرخة عبد الناصر في القضاء على الإستعمار وأعوانه قد وجدت صداها في ظل ربوع القارة خاصة في أفريقيا جنوب الصحراء. فلقد نجح عبد الناصر في المساهمة في حركة التحرر الأفريقي وإذا كان عدد الدول المحررة قبل قيام حركة الضباط الأحرار، أربع دول فإنه بفضل الجهود المصرية تحررت ثلاثون دولة فس عام 1963، وكانت نواة لمنظمة الوحدة الأفريقية التي اتخذت من أديس أبابا مقراً لها. وساعد عبد الناصر جميع حركات التحرر الوطني سواء في الجانب العربي أو الأفريقي، حيث ساهمت مصر في حركة التحرر الوطني في الصومال وكينيا وغانا والكونغو الديمقراطية، بل وساندت كل الدول التي طالبت بالإستقلال حتى صارت أفريقيا تنعم بحرية بعد الثورة المصرية.

  عرض الكاتب للدور المصري ذلك عندما تأسست منظمة الوحدة الأفريقية في عام 1963، فقد كان لمصر الدور الفعال في نجاح هذه المنظمة خاصة عندما أثيرت قضية الحدود الأفريقية التي ورثتها دول القارة بعد الإستقلال. وكانت المشكلة أن الحدود جائرة ولا تتفق مع طبيعة الشعوب والقبائل الأفريقية، وأنها خططت بشكل عشوائي في برلين عام 1884 - 1885 من دون مشاركة الأفارقة في رسم هذه الحدود. وبالتالي رفضت شعوب القارة ما ورثته عن هذه الحقبة، وكانت مشكلة تكاد تعصف بكل الجهود الأفريقية في عهد الإستقلال. فقد نجحت مصر أثناء إنعقاد القمة الأفريقية الثانية في القاهرة في عام 1964 أن تحسم هذه المشكلة، وأن تحصل على قرار يضمن الإستقرار، وأن الحدود التي ورثناها هي حدود الدول المستقلة، وحتى لا يحدث صراع دموي بين دول القارة، وعلى الدول التى تشكو من حدودها أن تقبل وساطة طرف ثالث أو التحكيم، وإستطاعت أن يغلق هذا الملف الحدودي الشائك.                                                             

  لقد تحقق الحلم المصري-الأفريقي عندما تحول معهد الدراسات السودانية في عام 1947 والذي أنشئ لحل مشكلة السودان بشكل أكاديمي، وبعد ثورة عبد الناصر تحول المعهد إلى معهد للدراسات الأفريقية لدراسة التاريخ والجغرافيا في القارة، وظل المعهد يمارس نشاطه مع اتساع الدائرة الأفريقية حتى صار معهداً متكاملاً يضم ستة أقسام للتاريخ والجغرافيا والسياسة والإقتصاد واللغات والأنثروبولوجيا والموارد الطبيعية في القارة.   

  عرض الكاتب للموقف المصري مع كل الدول التي كانت تناضل من أجل التحرر والخروج من قهر الإحتلال، شعوراً بمسؤولية خاصة تجاه الدول حديثة الإستقلال، وكان هدفها الأساسي مقاومة النشاط الإقتصادى الإسرائيلي في القارة من خلال فتح مجالات التعاون الفني مع القارة، وإنشاء صندوق لهذا التعاون مع دول القارة يقدم المشورة والخبرة، وأن ترسل الخبراء في جميع الفروع للمساهمة في حل مشكلات القارة، مع تقديم القروض والمعونات لهذه الشعوب، وكان إنشاء مدينة البعوث الإصلاحية والتوسع في استقدام أبناء القارة للدراسة في الأزهر الشريف لخير دليل على إيمان مصر بأهمية القارة الأفريقية التي تعد العمق الإستراتيجي والحيوي لمصر العربية. فمصر دولة أفريقية وأفريقيا قارة غنية بمواردها فإذا ما ازدهرت العلاقات المصرية-الأفريقية وخاصة الاقتصادية كان ذلك فيه الخير الكثير للمصريين والأفارقة. فالموارد البشرية المصرية قادرة على تنمية القارة السمراء التي منها ينبع النيل الخالد.

  نعم كان لمصر وليبيا والمغرب والجزيرة العربية من العلاقات التجارية مع أفريقيا في عصر ما قبل الاستعمار، ما يؤهل تلك المناطق للعب دور الصدارة في تلك العلاقات وتقويتها. فكانت تلك المناطق تتاجر في حاصلات المناطق العربية والحبشة والسودان والمغرب، وتعد أول قوى مؤثرة وفاعلة في وسط أفريقيا وغربها ودواخلها. ولعل الطرق التى ربطت مصر وليبيا والمغرب ببلاد السودان، والطرق التي ربطت شرق أفريقيا بوسطها ودواخلها، والأرباح الكبيرة التي حققتها قوافل الداخل وأصحاب السفن في البحر الأحمر والمتوسط والمحيط الهندي، لتعد شاهداً عدلاً على عصر انفرد فيه العرب دون غيرهم بعلاقات متميزة مع الأفريقيين.

  كل ما سلف أدى إلى ازدهار الحركة التجارية والاقتصادية والثقافية بين الطرفين في عصر ما قبل الاستعمار الأوروبي لأفريقيا. ولعل المتفحص لتاريخ منطقة وسط أفريقيا وغربيها وشرقيها، ليدرك بأنها تعربت تماماً، خصوصاً في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. بحيث لم تصبح منطقة تزاوج ثقافي فقط، بل أصبحت منطقة إحلال ثقافي للعرب. وهو الأمر الذي يعطي أهمية خاصة للدراسة التي بين أيدينا. فكتاب "صفحات مضيئة من تاريخ العلاقات العربية-الأفريقية"، هو كتاب مهم للدكتور صالح محروس، يلخص فيه ملامح تلك العلاقات في مشهدين رئيسيين: الأول، الوجود العماني في شرق أفريقيا. والثاني، علاقة الملكة العربية السعودية مع أفريقيا في مرحلة التحرر والاستقلال. وقد غاص الباحث بعين ثاقبة ووعي متكامل، ملماً بما كتب، ومدركاً لما يقول.

 ورغم أن العنوان الذي اختاره الكاتب لكتابه يعد عنواناً لمؤتمرات عديدة، واجتهد فيه الكثيرون وأدلوا فيه بدلوهم، إلا أننا ما زلنا في حاجة شديدة وماسة إليه. فقوة العلاقات العربية-الأفريقية في الماضي، وخصوصاً في مرحلة ما قبل الاستعمار، تفرض علينا طرح هذا الموضوع مجدداً مرات ومرات، لنرى كيف تراجعت تلك العلاقات عما كانت عليه سابقاً.

  عليه فالكتاب الذي بين أيدينا عبارة عن تمهيد وبابين بخمسة فصول. تناول في التمهيد "الهجرات العربية لشرق أفريقيا ونتائجها"، وضح فيه دور القبائل العربية في نشر الإسلام في غرب أفريقيا، ثم تطرق للعصر الذهبي للعلاقات المصرية-الإفريقية في عهد عبد الناصر. ثم قسّم الدراسة إلى بابين رئيسيين: الباب الأول، عُمان وشرق إفريقيا، وقسّمه إلى فصلين. تحدث في فصله الأول عن الوجود العُماني في شرق أفريقيا، معرفاً بالمنظفة والإمارات العربية بها، متطرقاً لدور العرب في انتشار الإسلام في شرق أفريقيا، ودور دولة البوسعيد في زنجبار وعُمان. وانتهى بالتكالب الإستعماري الأوربي على سلطنة زنجبار وتقليص الوجود العربي.

أما ثاني فصول بابه الأول، فجاء تحت عنوان "التأثيرات الحضارية للوجود العماني في شرق أفريقيا"، سواء أكانت سياسية إدارية، أم ثقافية اقتصادية واجتماعية.

  تحت عنوان "المملكة العربية السعودية وقارة أفريقيا"، وقسّمه إلى ثلاثة فصول. تحدث في فصله الأول عن معالم سياسة السعودية تجاه أفريقيا ثم تتبع الجذور التاريخية لعلاقات شبه الجزيرة العربية بأفريقيا، متطرقاً لسياسة المملكة تجاهها.

أما فصله الثاني من هذا الباب، فتحدث فيه عن دور المملكة في دعم حركات التحرر الوطني في دول شرق أفريقيا، وعن دعمها لحركة الماو ماو في دولة كينيا، ثم عن دعمها للحركة الوطنية في إريتريا والصومال وللجمعية العربية في سلطنة زنجبار.

أما الفصل الثالث من هذا الباب، فجاء تحت عنوان "جهود المملكة العربية السعودية في خدمة الأقليات المسلمة في شرق أفريقيا"، فتحدث فيه عن مواجهتها في شرق أفريقيا ودعمها للمسلمين في دول شرق أفريقيا.

قد تكون هناك عوامل مهمة جعلت الصلات قوية بين العرب (بالأخص عرب عُمان) وشرق أفريقيا، وهي عوامل طبيعية مثل القرب الجغرافي بين عمان وشرق أفريقيا، وكذلك حركة الرياح الموسمية وعوامل بشرية تتمثل في تفوق العرب (بالأخص عرب عُمان) في ركوب البحر حيث أنهم عرفوا الانتقال عبر المحيط الهندي بحدوده المترامية عند الهند من ناحية وعند جزر وساحل شرق أفريقيا من ناحية أخرى. وكذلك عوامل اقتصادية وهى تجارة المحيط الهندي بين الهند مرورًا بعمان ثم شرق أفريقا ثم إلى أوروبا عبر البحر الأحمر.

  لقد ازدادت هذه العلاقات قوةً ورسوخًا بعد ظهور الإسلام وكان هناك نشاط للتجار العُمانيين حيث كانوا يجمعون بين التجارة والتعليم فأنشأوا الكتاتيب لتعليم القرآن الكريم وبنوا المساجد لأداء الشعائر الدينية ولتعليم الأفارقة قواعد الإسلام وشعائره الصحيحة. ومع انتشار الإسلام اتسع معه نطاق الملاحة البحرية العربية الإسلامية في المحيط الهندي، وكانت الاضطرابات السياسية التي شهدتها الدولة الإسلامية أعقبها العديد من الهجرات العربية إلى أفريقيا. ونجح العرب في تأسيس العديد من الإمارات العربية والاسلامية في شرق أفريقيا مثل زنجبار وممبسه وأرخبيل لامو وغيرها من الإمارات.

  لقد حكم العمانيون بشكل رسمي زنجبار نحو ثلاثة قرون بعد استنجاد إمارت الساحل الأفريقي بأسرة اليعاربة العمانية في القرن السابع عشر الميلادي لمقاومة الاستعمار البرتغالي لشرق إفريقيا. ثم كان حكم أسرة البوسعيد لشرق إفريقيا ولقد تدفقت الوفود العربية العُمانية إلى زنجبار وشرق إفريقيا مع السلطان السيد سعيد بن سلطان بعد نقله العاصمة إلى زنجبار عام 1832 حيث انتقل معه الكثير من العرب بغرض الإقامة وامتلاك الأراضي في زنجبار. ويلاحظ أن السيد سعيد شجع أثرياء العرب على الهجرة إلى جزيرتي زنجبار وبمبه وأصبحوا يكونون طبقة أرستقراطية.

والحقيقة أن زنجبار تحتل مكانة خاصة في المحيط الهندي، حيث تتميز بموقع استراتيجي مهم وتعتبر محطة تجارية مهمة في طريق التجارة بين الشرق والغرب، وزادت أهميتها بعد حفر قناة السويس بالإضافة إلى ما تتمتع به من ثراء في الثروة الطبيعية وبخاصة المحاصيل الزراعية مثل القرنفل وجوز الهند. ولعبت دوراً مهماً كمركز لتجارة الرقيق في شرق أفريقيا بالإضافة إلى كونها مركزاً للحضارة العربية والإسلامية في شرق أفريقيا. وعن طريقها تم نشر الإسلام في تنجانيقا والساحل الشرقي الأفريقي وفي الكونغو (زئير) وإلى منطقة البحيرات الاستوائية العظمى في إفريقيا.

ترك العمانيون العديد من الآثار الحضارية في منطقة شرق أفريقيا من آثار سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية، وهي شاهد عيان على الوجود العماني في شرق أفريقيا. وقد تعلمت الأنظمة في شرق ووسط أفريقيا من النظام السياسي العماني الذي أرساه السيد سعيد بن سلطان حيث أرسى مبدأ الشورى في الحكم واستعان بالمحليين في حكم إمبراطوريته الشاسعة في شرق أفريقيا. وترك العمانيون آثاراً ثقافية مهمة حيث انتشار الإسلام واللغتان العربية والسواحيلية وبعض الآثار والعمارة التي لا تزال خالدة. وأسهم العمانيون في تطوير اقتصاد زنجبار حيث أدخلوا محصول القرنفل المحصول العالمي المهم ودعموا زراعة جوز الهند والقطن وغيرها من المحاصيل. ونشطت تجارة العاج وتجارة القوافل العربية من الساحل إلى الداخل التي كانت سبباً في تطوير وتقدم هذه المناطق. ولم تقتصر الآثار الحضارية العمانية على ما سبق بل امتدت إلى النواحي الاجتماعية في العادات والتقاليد والمأكل والملبس والاحتفالات والأعياد.

 يخلص الكاتب إلى أنه علينا كدول عربية أن نعود إلى بناء علاقات قوية مع أفريقيا مما يعود بالنفع على العرب والأفارقة. فرغم استنزاف الإستعمار للقارة الإفريقية فهي لا تزال قارة غنية بمواردها الإقتصادية وعلينا أن نستغل رصيدنا من العلاقات التاريخية في بناء علاقات جديدة تتسم بالقوة وأن نبدأ بالإستثمار في أفريقيا مثل استثمارنا في دول أووربا والولايات المتحدة والصين وتركيا.