"جنون من الطراز الرفيع: الكشف عن الترابط بين الزعامة والأمراض العقلية"

يفسّر هذا الكتاب العلاقة بين المرض العقلي والزعامة من خلال التعريف عن خصوصية مرض الاضطراب ثنائي القطب.
كتاب "جنون من الطراز الرفيع:الكشف عن الترابط بين الزعامة والأمراض العقلية" للكاتبناصر قائمي
كتاب "جنون من الطراز الرفيع:الكشف عن الترابط بين الزعامة والأمراض العقلية" للكاتبناصر قائمي
عنوان الكتاب: جنون من الطراز الرفيع: الكشف عن الترابط بين الزعامة والأمراض العقلية

المؤلف: ناصر قائمي

ترجمة: يوسف الصمعان

الدار: جداول -بيروت - 2016

 

مراجعة: ميرفت سباعي* -- يحاول المؤلف ناصر قائمي في كتابه "جنون من الطراز الرفيع: الكشف عن الترابط بين الزعامة والأمراض العقلية" الصادر عن دار جداول للنشر في بيروت، ونقله إلى العربية يوسف الصمعان، أن يفسّر العلاقة بين المرض العقلي والزعامة من خلال التعريف عن خصوصية مرض الاضطراب ثنائي القطب. فوفقاً للكاتب، يمثل هذا المرض عاملاً أساسياً وراء حسن إدارة أزمة كبيرة من قبل الزعماء والساسة.

ويعتمد المؤلف على الوثائق التاريخية في تشخيص حالة الزعماء. ويرى أنه على الأقل في ظرف معيّن بالغ الأهمية والحساسية يمكن أن يؤدي الجنون الى نتائج جيدة، وتكون الصحة العقلية هي المشكلة، مؤكداً أننا في فترة الأزمات نكون أفضل حالاً لو يقودنا زعماء مختلون عقلياً، بدلاً من أن يقودنا زعماء أسوياء. ويذكر أربعة عناصر أساسية لبعض الأمراض العقلية من قبيل الهوس والاكتئاب، والتي من شأنها أن تساعد على تطوير القدرة على إدارة الأزمات؛ وهي: الواقعية، والمرونة، والتعاطف والإبداع.  ويسوق لنا أمثلة عن زعماء عظام عانوا تحديداً من المرض النفسي المعروف بالاضطراب ثنائي القطبية ولكنهم تمتعوا بخصال مفيدة اجتماعياً مكّنتهم من قيادة الأزمات السياسية والاقتصادية بفعالية وبنجاح.

في الجزء الأول تناول الكاتب الإبداع عند كل من الجنرال الأميركي ويليام شيرمان ورجل الأعمال الأميركي تيد تيرنر في إدارة الأزمات بنجاح، كل في مجاله، وذلك عن طريق تحليل سيرتيهما الذاتيتين. وعند إعادة النظر في بنية شخصية شيرمان الحقيقية وجد المؤلف أنه كان يعاني من مرض الاكتئاب ثنائي القطب مما جعله "زعيماً نموذجياً للشخص المريض عقلياً"، لأن النوبات المختلفة من اضطرابه ثنائي القطب جعلته يطوّر قدرته على القيادة، ونتج عنها إبداع عسكري فريد من نوعه.

ويقصد هنا بالإبداع التفكير المختلف الذي تنبثق منه حلول غير عادية لمشكلة ما. كما يتضمن الإبداع، تحديد المشاكل الجديدة.

ومما ميّز شخصية الجنرال شيرمان، هو سمة الإصرار في زحفه على جورجيا خلال الحرب الأهلية الأميركية وقد اتبع أسلوباً مختلفاً حيث ركّز في هجومه على جورجيا وكارولينا، على توجيه ضربة قاصمة الى البنية الاقتصادية والأخلاقية للتمرد، وقام بتحويل الحرب، كما كانت عليه في القرن التاسع عشر الى الحرب الشاملة التي أصبحت سمة غالبة منذ القرن العشرين، وذلك من خلال خلق أسلوب جديد على أساس تحطيم الروح المعنوية للشعب الجنوبي من خلال تدمير المدن وحرق المزارع وضرب الاقتصاد واستهداف الناس والممتلكات، مما يؤدي الى إضعاف القاعدة التي تدعم الجيش الكونفدرالي. ومع هذا النجاح العسكري، استطاع شيرمان إعادة تأهيل صورته من مجنون فاشل الى عبقري مجنون.

وفي الفصل الثاني من الجزء الأول يتناول الكاتب شخصية تيد تيرنر، رجل الأعمال الذي نجح في مجال الإعلام في إنهاء احتكار الأخبار من قبل الشركات في نيويورك، مستفيداً بشكل مبدع وبارع من الاختيارات والاستراتيجيات العسكرية. فعندما احتدمت المنافسة بينه وبين شبكات إخبارية أخرى الى حدٍ شكّل خطورة على شركته الجديدة CNN فكّر قياساً للاختيارات العسكرية وقام بتصميم وإنشاء CNN2 في وقت قياسي حتى يستبق قناةABC  للعناوين الإخبارية والتي كانت لم تفتتح بعد. نجح تيرنر بالفعل ثم استطاع بعد ذلك شراء ABC نيوز وتخلص من منافسه واستطاع أن يحمي CNN. عانى تيرنر من الاضطراب ثنائي القطب وتكشف سيرته الذاتية بأن طفولته لم تكن على ما يرام وأنه عاش ظروفاً صعبة حيث كان والده يعامله بقسوة.

وتوضح نجاحات وانتكاسات تيد تيرنر كيف يمكن للحالة النفسية أن تعزز أنواعاً مختلفة من القيادة في سياقات متعددة منها عالم الأعمال التجارية.

ويخلص الكاتب الى أن الاضطراب ثنائي القطب يعزز جانبي الإبداع بحيث يسمح الاختلاف في الفكر بتحديد المشاكل الجديدة بينما تجعل الحيوية الفرد مثابراً حتى يتم حل المشاكل. ويتميز الزعماء الذين يعانون من هذا المرض بالسمات المذكورة أعلاه.

 

واقعية الاكتئاب

ووفقاً لفكرة واقعية الإكتئاب فإن الطريقة التي يتعاطى بها شخص ما مع الفشل هي التي تحدد ما سيكون عليه لاحقاً، فمن خلال المعاناة، تصبح نظرة الفرد الى العالم أكثر واقعية، وبالتالي أكثر قدرة على تغييره. ويعتبر ونستون تشرشل نموذجاً مجسّداً لهذه النظرية. فقد تميّز بعبقريته في الحرب كما أنه مخلّص الديمقراطية في السلم، على الرغم من تعرّضه لبعض المشاكل العقلية، منها معاناته من نوبات اكتئاب حادة متكررة زادت من قدرته بشكل واقعي على تقييم التهديد الذي أربك ألمانيا.

بالإضافة الى نوبات الإكتئاب الحادة، فقد كشفت بعض الوثائق أنه كان يعاني أعراضاً تشبه أعراض الإضطراب ثنائي القطب. وساعدت هذه الأعراض ونستون تشرشل على أن يصدر مواقف سياسية واقعية، وبخاصة في تعاطيه مع النازية، حيث بدأ تشرشل التحذير من التهديد النازي في وقت مبكر من تشرين الأول/ أكتوبر 1930.

ويرى الكاتب أن تشرشل يكاد يكون المثال الوحيد عما يُعرف بواقعية الاكتئاب التي ساعدت تشرشل على الاقتناع بأن الحرب كانت ضرورية، ولكن لا يجب النظر إلى الواقعية كمبرر للحرب، لأن الواقعية من الممكن أن تكون مبرراً للسلام أيضاً.

ومثال آخر على واقعية الاكتئاب جسّده الزعيم الأميركي أبراهام لينكولن. وهناك دراسة أعدها جوشوا وولف شنك تتحدث عن التأثير الإيجابي للاكتئاب في زعامة لينكولن، حيث عزّز هذا الاكتئاب واقعيته السياسية من خلال نزعتي التعاطف والمثابرة. واستند الكاتب إلى روايات المؤرخين في تأكيد إصابة لينكولن بالاكتئاب الى حد كبير في معظم الوقت حيث كانت كثيراً ما تراوده فكرة الانتحار. لكن الكاتب يرى أن اكتئاب لينكولن قج أفاده كثيراً في التمتع بخصلتي الواقعية والتعاطف، مما جعل منه زعيماً فذاً في زمن الأزمة. وقد استعان المؤلف بمذكرات لينكولن الشخصية التي تبيّن مدى تعاطفه مع العبيد ومواقفه ضد العنصرية والاسترقاق وتبنّيه استراتيجية الاحتواء. وقد نجح لينكولن في إلغاء الاسترقاق مما وضع حداً للحرب الأهلية، وهذا بفضل سمتي الواقعية والتعاطف.

 

التعاطف

يتناول الكاتب التعاطف كسمة من سمات الإصابة بالاكتئاب، إذ أن الشخص لا يدرك حقيقة التعاطف، إلا إذا أصابه الاكتئاب. ووفقاً للكاتب، فإن بعض الزعماء، مثل المهاتما غاندي ومارتن لوثر كينغ، قد أدركوا تماماً ما هو الاكتئاب. ولأجل ذلك فقد مثّل التعاطف بالنسبة اليهم قوام نهجهم السياسي وسياسة التعاطف الراديكالي والمقاومة السلمية. إذ يظهر الاكتئاب حقيقة التعاطف، والتعاطف بدوره يولّد قدرات غير متوقعة للزعامة. واستناداً الى أبحاث مخبرية ودراسات مختلفة، وجد الكاتب أن التعاطف هو سمة مركزية بالنسبة للاكتئاب حيث أنه موصول بالدماغ والجسم. ويعمق الاكتئاب تعاطفنا الطبيعي، وهكذا ينشأ زعيم متعاطف، شخص يفرض علينا جميعاً أن نحترمه بوصفه قديساً.

وفي هذا الاتجاه، تعتبر حالة كل من غاندي ولوثر مارتن كينغ من أكثر الحالات تعبيراً عن الطابع النشيط للاكتئاب. فقد كانا من الأوائل الذين استحدثوا سياسة راديكالية قوامها التعاطف.

وفي الفصل السابع من الكتاب يستند المؤلف الى السيرة الذاتية لغاندي والى روايات المؤرخين لكي يؤكد حقيقة اكتئاب غاندي وتعرّضه لنوبات من الاكتئاب. وقد طبع الاكتئاب حياة غاندي ومواقفه السياسية. فقد زهد في حياة الرفاهية وأعرض عن الثروة والغنى وعاش ناسكاً، مبتدعاً سياسة في السلم قوامها التعاطف الجذري والشامل والحقيقي في صالح الهندوس والمسلمين والبريطانيين.

أما الفصل الثامن فيتناول فيه الكاتب شخصية مارتن لوثر كينغ مؤكداً تعرّضه للاكتئاب من خلال بعض الكتابات المحررة منه شخصياً، ومن بعض المقربين منه والمؤرخين. وقد روي أن كينغ كان يتعرّض لنوبات من الاكتئاب بشكل متكرر، ونتيجة لذلك ولد اكتئابه سياساته في التعاطف الراديكالي. ففي تقدير كينغ فإن الشر هو السمة الغالبة في حياتنا، لذلك ابتدع سياسة اللاعنف كرد فعل بديل عن المقاومة العنيفة والرضوخ السلبي للشر.

 

المرونة

يتناول الكاتب المرونة كنتيجة من نتائج الإصابة بمرض اضطراب ثنائي القطب، معتمداً على عينات تاريخية مثل الرئيسين الأميركيين الراحلين فرانكلين روزفلت وجون كينيدي كمثالين.

ويريد الكاتب من خلال هذا البحث أن يبيّن أن المرونة تنشأ عن التقاء الدعم الاجتماعي (أصدقاء جيدون وعائلة) والمشقة (الحظ السيء) وبعض الميزات الشخصية (خاصة فرط المزاج)، وهي تنشأ من مواجهة المخاطر وليس من التهرّب منها.

وخير مثال على هذا الأمر هو الزعيم التاريخي فرانكلين روزفلت الذي تعرض لعجز جسدي حيث كان فرط المزاج هو المفتاح لفهم سيكولوجية روزفلت، مما ساعده على أن يكون أكثر مرونة، وبالتالي مكّنته من لعب دور كبير في معالجة الأزمات التي أدت الى انهيار الاقتصاد، وكذلك في الحرب العالمية الأولى، حيث تعامل مع الأزمات بذكاء لأنه آمن بالفلسفة البراغماتية. واستطاع روزفلت من خلال فرط المزاج، الذي طبع شخصيته واجتهاده في التغلّب على الشدائد التي سبّبها مرضه، أن ينفذ برامج تدعو للفخر، من بينها ما قام به في مجال الضمان الاجتماعي.

كما يتحدث الكاتب عن الرئيس جون كينيدي الزعيم ذي الكاريزما والذي كان مفعماً بالحيوية وكان يشكو من أعراض فرط المزاج بشكل دائم، وليس في شكل نوبات. تمثلت هذه الأعراض في الحيوية المفرطة، وقد ساعد فرط المزاج كينيدي على النجاح، حيث كانت له إنجازات كبيرة في مجالات عدة.

وكما في حالة روزفلت، فإن فرط المزاج عند كينيدي نتجت عنه مرونة في التعامل مع الكثير من القرارات والمواقف.

 

المعالجة بالعقاقير

يشير الكاتب الى تأثير تناول العقاقير لمعالجة الأمراض النفسية على أداء الزعماء، مسلّطاً الضوء على جون كينيدي والزعيم الألماني أدولف هتلر، حيث عانى كينيدي من فرط المزاج ويعتبر أن هذا المرض كاد أن يقضي عليه، لكنه كان يتناول عقار الستيرويد في مواجهة هذا المرض. وان هيتلر عانى من الاكتئاب والهوس وفقاً للوثائق التاريخية، وأنه في غياب الهوس لا مجال للحديث عن طموحه وإبداعه. لكن في المقابل الحضور المكثف للهوس يؤدي الى انعدام الواقعية، ومن ثمة الى الذهان، وهي الحالة التي انتهى اليها نتيجة تناوله الأمفيتامين في سنواته الأخيرة. لذلك فإن اختيار أفضل الأطباء والطرق السليمة في العلاج قد تحسن بشكل ملحوظ من فاعلية القيادة.

 

الهوموكلايت

وقد صنف الكاتب الزعماء العاديون مثل بلير ونيكسون وآخرون كهوموكلايت “Homoclites”  بمعنى أشخاص يتبعون قاعدة مشتركة وأن الزعماء الهوموكلايت يميلون دائماً الى اتخاذ قرارات سيئة في مواقف الأزمات. فهم يلعنون الحرب عندما لا ينبغي فعل ذلك، ويتجنبونها عندما تكون الحرب هي الحل.

ويسوق الكاتب في هذا الجزء مقارنات بين زعماء كانوا يعانون من أمراض عقلية ونجحوا في فترة الأزمات وآخرون يتمتعون بصحة عقلية نظراً لتاريخهم الذي يكاد يخلو من الصدمات النفسية والمعاناة إلا أنهم فشلوا في إدارة الأزمات.

وسيرة بعض الزعماء مثل نيكسون وماكليلان وتشامبرلين تظهر السمة المميّزة لزعامة الهوموكلايت حيث بعض هؤلاء الزعماء كانوا ناجحين زمن السلم وفاشلين زمن الأزمات، وقد ذكر الكاتب المواضع التي فشل فيها هؤلاء.

وفي النهاية يعتبر المؤلف أن التاريخ النفساني يلعب دوراً مهماً في توجيهنا الى فهم أكثر موضوعية ونزاهة للمرض العقلي، لا باعتباره مجرد حالة سلبية وإنما النظر إليه بطريقة مغايرة من دون إنكار مساوئه وأخطاره.


*باحثة ومترجمة لبنانية.