"حافة الهاوية – وثيقة وطن.. الرواية التاريخية لمباحثات حافظ الأسد وهنري كيسنجر" - الحلقة الأولى

قال الرئيس حافظ الأسد لوزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر إن سوريا لم تذهب إلى الحرب سواء عام 1948 أو 1967 لأن حكومتها أو شعبها كرهوا اليهود، وعلى نقيض ذلك، كان اليهود السوريون جزءاً من النسيج الاجتماعي والثقافي للبلاد، وأنهم يعيشون جنباً إلى جنب مع المسلمين والمسيحيين على مدى قرون، إلى أن جاءت إسرائيل عام 1948 وأخلّت بحالة السلم والهدوء التي كانت تسود الشرق الأوسط.
الدبابات السورية خلال حرب تشرين الأول أكتوبر 1973
الدبابات السورية خلال حرب تشرين الأول أكتوبر 1973

نشرت المستشارة الإعلامية للرئيس السوري بشار الأسد، الدكتورة بثينة شعبان، كتابها الجديد بعنوان  "حافة الهاوية – وثيقة وطن: الرواية التاريخية لمباحثات حافظ الأسد وهنري كيسنجر"، وتضمن وثائق رسمية وسرية وبرقيات دبلوماسية، ومحادثات ومخطوطات ورسائل شفهية، ومحاضر اجتماعات لمحادثات ومراسلات جرت بين الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد(1971 – 2000)، وبين وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر بين عامي 1973 و1976.

الوثائق تُنشر للمرة الأولى، حصلت عليها شعبان من دائرة الأرشيف في القصر الجمهوري السوري بإذن مباشر من الرئيس بشار الأسد، في محاولة منها لتفنيد تداعيات ما حصل ويحصل اليوم من أزمات في منطقتنا منذ تسعينيات القرن العشرين وما بعدها، بناء على تجربة سابقة ومهمة عمرها أعوام امتدت في السبعينيات. هذا ما يحاول كتاب "حافة الهاوية" تقديمه للقارئ، استناداً إلى الحراك السياسي في الشرق الأوسط بين عامي 1973 و1976، ومحادثات السلام والعلاقة بين الرئيس الراحل حافظ الأسد، وأحد أكثر وزراء خارجية أميركا تأثيراً في القرن العشرين كما وصفته شعبان، هنري كيسنجر.

بدأ الكتاب بالحديث عن الصعوبات التي واجهتها سوريا أثناء عملية السلام في تسعينيات القرن الماضي، وبخاصة ما يتعلق باتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993، واتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل عام 1994، وتداعيات هاتين الاتفاقيتين الخطيرة على القضية العربية بمجملها، والتي بدأت بفصل مسارات السلام، منذ اتفاق فصل القوات بين مصر وإسرائيل في أعقاب حرب تشرين الأول – أكتوبر عام 1973، وتثبتت ركائزه في اتفاق "سيناء 2"عام 1975، قبل أن تقوم مصر بتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979.

الكتاب المؤلف من 349 صفحة يُقدم الرواية التاريخية الموثّقة للصراع العربي - الإسرائيلي، وعملية السلام بين 1973 و1976، ويبحث في سياسة حافظ الأسد وفكره وتراثه أيضاً. كما تناول الكتاب للمرة الأولى أحد أكثر المواضيع إثارة للجدل في التاريخ السوري والعربي الحديث، ألا وهو التدخل السوري في الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1976، و الدور السياسي الأميركي في تلك الأزمة.

تضمن الكتاب عشرة فصول، يتناول الفصل الأول منها حرب تشرين عام 1973 وعواقبها المباشرة، ويقدم الفصل الثاني النشاط الدبلوماسي المحموم الذي حصل بعد الحرب مباشرة، ويستعرض الفصل الثالث العلاقات السورية – المصرية بعد عام 1970، ويبحث كيف فصل أنور السادات بين الجبهتين السورية والمصرية، وكيف اختار طريق المباحثات الثنائية مع إسرائيل. كما يتضمن هذا الفصل البحث في الحظر النفطي الذي فرضه العرب على الدول الغربية خلال حرب تشرين وما بعدها وكيف انتهى هذا الحظر. أما الفصل الرابع فقد تضمن مقاربة لجولة كيسنجر المكوكية الأولى له بين دمشق وتل أبيب ونتائجها مطلع عام 1974. وتتناول الفصول الثلاثة التالية، المفاوضات الطويلة المضنية التي أدت إلى توقيع اتفاق فصل القوات بين سوريا وإسرائيل في أيار مايو 1974، وتقدم هذه الفصول تفاصيل غير مسبوقة عن اللقاءات الأربعة عشر التي حصلت بين حافظ الأسد وهنري كيسنجر، والتي تعد من أطول جولات المفاوضات المكوكية في التاريخ الحديث.

ويستعرض الكتاب في الفصل الثامن، وفي بحوث تنشر للمرة الأولى، بحسب الكاتبة، ما جرى في اللقاء بين الرئيس حافظ الأسد والرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، الذي كان أول رئيس أميركي يزور دمشق.

في الفصل التاسع يعرض الكتاب تدهور العلاقة بين الأسد وكيسنجر، مع مواصلة الأخير جهوده لعقد اتفاق بين مصر وإسرائيل، والتي توجت باتفاق "سيناء 2".

وفي الفصل العاشر يبحث كتاب "حافة الهاوية" أول سنتين من الحرب الأهلية اللبنانية، إذ يقدم رواية سورية لتلك الحقبة المصيرية كما سمّتها الكاتبة، وخصوصاً حول ما يسمى اتفاق الخطوط الحُمر، الذي يَعدّ المؤرخون الغربيون والإسرائيليون حصوله أمراً لا لبْس فيه. كما يقدم الكتاب أدلةً جديدةً موثقةً من الأرشيف الرئاسي السوري تنشر لأول مرة في هذا الكتاب منذ تأسيس الأرشيف قبل خمسة عقود، وتنفي كثيراً من الادعاءات المتداولة كما تصفها شعبان، حول الدور الذي أدته سوريا في لبنان.

 

الفصل الأول: حرب تشرين الأول 1973

قسّمت شعبان من سمّتهم شخصيات حرب تشرين الأول - أكتوبر إلى ثلاث شخصيات، هي الرئيس حافظ الأسد ووزير الخارجية الأميركي هنري كيسنجر والرئيس المصري الراحل أنور السادات، وبدأت بسرد ملخص تاريخي عن كل شخصية بداية من الأسد. فقد قررت مصر وسوريا في السادس من تشرين الأول عام 1973، الهجوم المفاجئ على إسرائيل، عقب ست سنوات تلت حرب الأيام الستة عام 1967، التي احتلت فيها إسرائيل مرتفعات الجولان وشبه جزيرة سيناء المصرية، إضافة إلى الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة.

وتُذكّر شعبان بالخطاب التاريخي آنذاك للرئيس الأسد، الذي بدأه بالتوجه إلى المواطنين وجنود الجيش السوري، كما حيّا جيش مصر وشعبه الذي هبّ مدافعاً عن كرامة مصر وكرامة الأمة العربية، ووجه تحيةً إلى العسكريين البواسل الذين جاؤوا من المغرب الشقيق ليشاركوا في معركة "العزة والكرامة"، فجسّدوا بذلك وحدة الأمة ووحدة المصير وقُدسية الهدف.

كان لا بُد لشعبان أن تُذكّر بهذا الخطاب التاريخي للرئيس حافظ الأسد، لتنطلق منه إلى الولوج في الأسباب التي أدت إلى احتلال هضبة الجولان السورية، بالإضافة إلى شبه جزيرة سيناء، والضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية بأكملها عام 1967. فتحدثت عن تاريخ حافظ الأسد منذ نعومة أظافره، مذكرة بالفتى الريفي العصامي الذي انضم إلى حزب البعث العربي في خمسينيات القرن العشرين، كما عرجت على مبادئ حزب البعث الذي ينادي بوحدة الأراضي العربية، والتحرر من حكم الإستعمار، ومجتمع بلا طبقات يتم توزيع الثروة والدخل فيه على نحو مناسب.

قبل أسبوعين من حرب تشرين، عُين هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي للرئيس ريتشارد نيكسون، ووزيراً للخارجية الأميركية، وهو الشخص الوحيد في التاريخ الأميركي الذي شغل كلتا الوظيفتين معاً في وقت واحد. لقد أتاحت حرب تشرين لكيسنجر تولي قيادة السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بطريقة خدمت إلى حدٍ كبيرٍ وضع إسرائيل الاستراتيجي. فكيسنجر كان قد فقد 13 فرداً من عائلته في معسكرات الاعتقال النازية، ولم يكن يتحمل تشجيع محرقة أخرى عن طريق اتباع سياسات حُسن النية تخرج عن السيطرة. وحين تولى السلطة كانت إسرائيل تتلقى مساعدة عسكرية أميركية بمقدار 30 مليون دولار في السنة، وفي عام 1971 ارتفع المبلغ إلى 545 مليون دولار، وأثناء حرب تشرين الأول طلب كيسنجر ثلاثة مليارات دولار لمساعدة إسرائيل، ثم خُفض المبلغ إلى 2.2 مليار دولار.

كانت الشخصية الثالثة في دراما حرب تشرين الأول، رفيق الأسد في السلاح القائد المصري أنور السادات، الذي حاول أن يستعيد شبه جزيرة سيناء عن طريق المفاوضات مع إسرائيل وتقديم الضمانات، في محاولات باءت جميعها بالفشل. اتفق الأسد مع السادات على حرب تحرير شاملة منذ العام 1971، حرب تنتقم لهزيمة 1967 وتستعيد الأراضي العربية المحتلة جميعها. وتذكر شعبان أن الأسد لم يشارك قط فيما أسمته "بالمكائد الدبلوماسية" التي كانت تدبّر قبل عام 1973، ولم تكن لديه معرفة بالعروض السرية التي قدمها السادات لرئيسة وزراء إسرائيل غولدا مائير بواسطة كيسنجر.

وفي صيف 1971، وضع الجيش المصري خطتي حرب، تنطوي إحداهما على توغل القوات إلى ممري متلا والجدي في عمق سيناء، أما الخطة الثانية فلن تصل إلى أبعد من الضفة الشرقية لقناة السويس. وتسرد شعبان تفاصيل دقيقة لما حصل في الحرب من هجوم سوري قوامه 40000 جندي و600 دبابة في معركة "بدر" حيث اجتازت ثلاث فرق عسكرية خط وقف إطلاق النار لعام 1967، وتوغلت في عمق مرتفعات الجولان وبلغت أطراف القنيطرة. وبهجوم ألف دبابة سورية باتجاه الغرب أصبحت إسرائيل على حافة كارثة، قبل أن تتمكن من شن هجوم مضاد قلب المكاسب السورية جميعها، بتكلفة كبيرة جداً بالأرواح والمعدات من الجانب الإسرائيلي. تحصن المصريون على الضفة الشرقية من قناة السويس ورفضوا التقدم إلى الأمام لمدة أسبوع كامل، كانت مدة كفيلة بتركيز إسرائيل كل طاقتها على الجبهة الشمالية، مطلقة القوة الكاملة لسلاحها الجوي ضد سوريا، وانتظر الأسد وكبار ضباطه أن يتحرك المصريون، لكنهم لم يتحركوا، وقال الأسد للصحافي البريطاني باتريك سيل وهو يستذكر ما حدث: "كانت تلك أسوأ خيبة أمل في الحرب".

توقع كيسنجر الذي تفاجأ بخبر الهجوم العربي على إسرائيل، انتصاراً إسرائيلياً سريعاً، كما كان مُدركاً للأهداف المصرية الحقيقية، "لم يشن السادات حرباً لكسب مزيد من الأراضي، بل ليستعيد احترام مصر لذاتها، ومن ثم زيادة مرونتها الدبلوماسية. وخاضت سورية الحرب لتحقيق أهداف أكثر واقعية وبساطة، لقد أرادت مجرد استعادة الأراض المحتلة بأقل تكلفة ممكنة وإنزال الخسائر بإسرائيل". وانتهت المرحلة الأولى من حرب تشرين بإصدار مجلس الأمن القرار 340 الذي دعا إلى وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط، وفي 25 تشرين الأول - أكتوبر 1973، سكتت المدافع وبدأ الصراع لإعادة صياغة الشرق الأوسط الجديد. 

   


الرئيس المصري الراحل أنور السادات خلال حرب 1973
الرئيس المصري الراحل أنور السادات خلال حرب 1973

 

في الفصل الثاني ، تبدأ الكاتبة من زيارة هنري كيسنجر لدمشق في أواخر عام 1973، حيث كانت الأولى لوزير خارجية أميركي إلى العاصمة السورية منذ عام 1953، في ذلك الوقت كانت سفارة الإتحاد السوفييتي في دمشق بالمشهد خلال السنوات الست من الغياب الأميركي عقب حرب الأيام الستة عام 1967، والتي نتج عنها أن قطعت سوريا العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة. وتحدثت شعبان عن التغيّر الهائل الذي لحق بسوريا منذ خمسينيات القرن الماضي من النواحي الثقافية والخدماتية والعلمية والسياسية، حيث استقر المشهد السياسي إلى حد بعيد بعد تسلّم حافظ الأسد زمام السلطة عام 1970.

خلال حرب تشرين الأول وفي أعقابها مباشرة، عقد كيسنجر العديد من الاجتماعات المتتالية مع مسؤولين سوفييت وإسرائيليين ومصريين وعرب، لكن سوريا لم تكن على جدول أعماله حتى الثاني من تشرين الثاني 1973، حينما قابل نائب وزير الخارجية السوري محمد زكريا إسماعيل في الجمعية العمومية للأمم المتحدة. وبعد بضعة أسابيع التقى كيسنجر سفير سوريا لدى الأمم المتحدة، هيثم الكيلاني.

تقول شعبان إن كيسنجر كان بأمسّ الحاجة لرؤية الرئيس الأسد، إذ كان منشغلاً بمحاولة عقد مؤتمر سلام برعاية أممية في جنيف تحضره سوريا ومصر والأردن وإسرائيل. في الأسبوع الذي سبق لقاء الأسد، تمكن كيسنجر من ضمان مشاركة الأردن ومصر في مؤتمر جنيف، كما حصل على مباركة السعودية لعملية السلام المزمعة. واتفق مع السادات على الخطوط العريضة لفصل القوات بين مصر وإسرائيل، وعلى مفهوم المجموعات الثنائية الفرعية. وحصل كيسنجر على وعد من الرئيس المصري بأن يوصي الأخير زملاءه من القادة العرب برفع الحظر النفطي فور إتمام فصل القوات في سيناء. ومع ذلك بقيت سوريا تشكّل علامة الاستفهام الرئيسية. هل سيوافق الأسد "الراديكالي" بحسب النظرة السائدة عنه على الانضمام إلى دبلوماسية السلام الدولية المحمومة؟

وقبل موعد اللقاء الأول بين الأسد وكيسنجر، توقف الأخير في محطة أخيرة كانت عند الرئيس الجزائري، هواري بومدين، أحد الحلفاء المقربين من سوريا والصديق الشخصي للأسد، أراد كيسنجر أن يتعلم أكبر قدر ممكن عن تفكير الزعيم السوري الغامض قبل لقائهما الأول المنتظر.

 

اللقاء الأول

في 15 كانون الأول ديسمبر، عند الرابعة بعد الظهر بتوقيت دمشق، عُقد اللقاء الأول بين الأسد وكيسنجر في دمشق. تقدم الكاتبة في هذا الجزء توصيفاً دقيقاً جداً لحيثيات اللقاء، في الزمان والمكان، وتطرح تعبيرات مجازية تعكس حالة اللقاء. حدد الأسد ثلاثة أسس لهذا الاجتماع ولأي محادثات مستقبلية وهي الوضوح، والصدق، والحقائق الثابتة، ولكسر إرث العلاقات الجليدية طوال عقدين من الزمن. سأل كيسنجر الرئيس السوري إن كان لديه أي موضوع محدد في ذهنه يود أن يبدأ به النقاش، أجاب الأسد بحزم "العدوان الإسرائيلي المستمر، والموقف الأميركي منه"، حينها اعترف كيسنجر بأن الولايات المتحدة الأميركية تدعم إسرائيل فقط نتيجة ضغط من أولئك الذين يسيطرون على "رأس المال، ووسائل الإتصالات" في إشارة إلى اللوبي الإسرائيلي القوي في واشنطن العاصمة، والدور الذي تؤديه الأموال والأصوات الإنتخابية اليهودية في السياسة الانتخابية الأميركية، ووسائل الإعلام الرئيسية التي يتحكم فيها مؤيدو إسرائيل. ونبّه كيسنجر مضيفه السوري الذي كان ينصت إليه بانتباه إلى أن الولايات المتحدة هي الوحيدة القادرة على ترويض عدوانية إسرائيل. وقد أشار كيسنجر بعد سنوات، حين كتب مذكراته، إلى النفوذ الإسرائيلي في السياسة الداخلية الأميركية، وإن لم يكن دائماً على درجة من البراعة والتحفظ.

 

مؤتمر جنيف

عرض كيسنجر للأسد رؤيته لمؤتمر جنيف المقبل للسلام، وأكد أن الهدف الحقيقي لمؤتمر السلام هو تقديمه المشهد والإطار القانوني الذي يمكن من خلاله مواصلة عملية السلام. وبدأ كيسنجر في تلك الجلسة بسرد تقنيات المؤتمر وإجراءاته بالتفصيل، مع إسهاب طويل أطلقت عليه شعبان بالمشهد المسرحي، مقابل إصغاء كامل مع جلسة متكئة للأسد من دون أن ينطق بكلمة واحدة، حتى ناشد كيسنجر الأسد بتأجيل افتتاح المؤتمر من 18 كانون الأول ديسمبر إلى 21 منه، لمنحه متسعاً من الوقت لحل معضلة الدعوة مع الحكومة الإسرائيلية. هنا تكلم الأسد، خارقاً هاجس كيسنجر وحديثه عن المؤتمر بقوله: "إن موقفنا الكامل من مؤتمر السلام يعتمد على محادثاتنا اليوم".

سوريا لم تقرر بعد حضور المؤتمر من عدمه، ونبّه الأسد كيسنجر أنه لا بدّ أن يكون هو أي الأسد، مقتنعاً شخصياً بما سيحرزه هذا المؤتمر لصالح العرب. قبل ثلاثة أيام من الموعد المفترض لافتتاح مؤتمر جنيف، وبينما كان كيسنجر غارقاً في الإجراءات الشكلية للمؤتمر، أصيب وزير الخارجية الأميركي بصدمة كبيرة، حيث أراد الأسد التفاوض حول مشاركة سوريا في مؤتمر، لم يكن الهدف منه التوصل إلى تسوية شاملة للصراع العربي – الإسرائيلي بمجمله. وكان ذلك هو الكابوس الملازم لكيسنجر الذي تمكن السوفييت من إقناعه قبل مجيئه إلى دمشق، أن سوريا كانت مستعدة لحضور مؤتمر جنيف من دون شروط مسبقة. وبصراحة كبيرة تظهرها الوثائق المنشورة في هذا الكتاب، قال كيسنجر للأسد "عليّ أن أكون صادقاً معك، أعتقد أن بوسعنا أن نكون أسرع من الإتحاد السوفييتي في عقد صفقة معك". وتابع مكرراً جدول أعمال المؤتمر، وتذكر شعبان تردد كيسنجر إلى حد ما في نقاش الشؤون الفلسطينية مع الزعيم السوري، إذ نصحه الجميع ألا يفعل، ولكنه أراد أن يختبر حظه، معولاً على حسن الضيافة العربية. وقال كيسنجر مُقراً: "لا يمكن إيجاد حل من دون أخذ حقوق الفلسطينيين بالاعتبار". ابتسم الأسد وقد بدت الدهشة على وجهه لدى سماعه مثل هذا الموقف الأميركي، أو ربما اعتبره زلّة لسان. وبسرعة أضاف كيسنجر أن هذه ليست خدعة و"أنه مستعد لكتابة رأيه في مذكرة يؤكد فيها وجهة نظره عن الفلسطينيين"، لكنه طلب أن يبقى هذا الأمر سراً.

تذكر شعبان أن الأسد وباختصار شديد رد على ضيفه الأميركي بالقول "من المستحيل تحقيق السلام بالمعجزات، وإنما يمكن تحقيقه من خلال الاعتراف بالحقائق على الأرض فحسب"، مؤكداً أن سوريا "لم تكن أبداً عدواً للشعب الأميركي، ولكن عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط، وتحديداً بالقضية الفلسطينية، فإننا لا نتفق إطلاقاً مع حكومة الولايات المتحدة". وتحدث الأسد كما أظهرت الوثيقة المنشورة عن محضر اجتماعه مع كيسنجر في 15 كانون الأول ديسمبر 1973، عن احتلال إسرائيل للأراضي العربية، بما فيها مرتفعات الجولان السورية، وجعل المستوطنات علامة بارزة فيها، ولا يأتي ذلك إلا من التشجيع والدعم المتواصلين من الولايات المتحدة. ورفض الأسد تصديق أن الولايات المتحدة بكل نفوذها، لم تستطع ايقاف اللوبي الصهيوني، ونبّه كيسنجر إلى أن الدعم الذي تمنحه بلاده لإسرائيل كان يسبب إيذاء المصالح الأميركية عالمياً، وأنه سينعكس عليها سلباً يوماً ما.

وذكّر الأسد كيسنجر في هذه الجلسة أن سوريا لم تذهب إلى الحرب سواء عام 1948 أو 1967 لأن حكومتها أو شعبها كرهوا اليهود، وعلى نقيض ذلك، كان اليهود السوريون جزءاً من النسيج الاجتماعي والثقافي للبلاد، وأنهم يعيشون جنباً إلى جنب مع المسلمين والمسيحيين على مدى قرون،  إلى أن جاءت إسرائيل عام 1948 وأخلّت بحالة السلم والهدوء التي كانت تسود الشرق الأوسط. وأسهب الأسد بحديثه حتى جاء على ذكر قرار مجلس الأمن رقم 242، الذي تحدث عن "سلام عادل ودائم" ضمن حدود آمنة ومعترف بها، بيد أن القرار لم يحدد مكان تلك الحدود الآمنة، وفسّر العرب بدورهم ذلك القرار على أنه انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي المحتلة عام 1967.

 



الطريق المسدود

الرئيس الراحل حافظ الأسد خلال محادثاته مع هنري كيسنجر في دمشق عام 1973
الرئيس الراحل حافظ الأسد خلال محادثاته مع هنري كيسنجر في دمشق عام 1973
 

لم يُطل الرئيس الأسد كثيراً في الخلافات التاريخية، بل انتقل إلى أمور أكثر أهمية في اجتماع ذلك اليوم، طارحاً على ضيفه ثلاثة أسئلة جوهرية حول مؤتمر جنيف المقترح هي: "هل توفق الولايات المتحدة الأميركية على أننا لا نستطيع التخلي عن أي جزء من أراضينا المحتلة، وأنه لا بد من استعادتها كاملة، أم أن لديكم رأياً مختلفاً؟ هل يعتقد الدكتور كيسنجر أن من الممكن تحقيق السلام من دون حلّ القضايا الأساسية للفلسطينيين؟ هل سنذهب إلى مؤتمر السلام لنضع برنامجاً لتحقيق هاتين النقطتين اللتين ذكرتهما أولاً أم لنغرق فقط في جزئيات قد تستغرق وقتاً طويلاً من غير التوصل إلى حلٍ شامل؟". أجاب كيسنجر أنه بالتأكيد لا يود إضاعة الوقت في نقاش تفاصيل تافهة. وفيما يتعلق بالسؤال الثاني، أكد استحالة التوصل إلى حلٍ نهائي من دون أخذ قضية الفلسطينيين وطموحاتهم بعين الاعتبار. وفي مسألة الأرض، كان مستعداً لمناقشة أمرها مع الأسد إما في ذلك الوقت أو لاحقاً، مع انتهاء المرحلة الأولى وتحقيق انسحاب جزئي للقوات الإسرائيلية من مرتفعات الجولان السورية. ولكنه رفض أن يلزم نفسه بموقف حيال مسألة الانسحاب الكامل، لأنه لا يضمن بقاء ذلك سراً في العالم العربي، وإذا ما كُشف أي تعهد سري من طرفه بهذا الخصوص فمن شأنه أن يؤدي إلى آثار كارثية في العلاقات الأميركية – الإسرائيلية.

تذكر شعبان أن الأسد كان طواقاً إلى عقد مؤتمر السلام، ورأى أن كل التفاصيل الأخرى، من ضمانات أمنية ومحطات إنذار مبكر، تأتي في الدرجة الثانية في حال التوصل إلى فصل كامل للقوات. تذكر الوثائق المنشورة أن الأسد أخرج خريطة كبيرة وفتحها أمام ضيفه الأميركي، في الوقت الذي أوجز كيسنجر المبادئ التي اتفق عليها مع السادات، والتي تضمنت انسحاب كتيبتين من الجيش المصري شرق القناة، والإبقاء على كتيبة واحدة مع الحد من استخدامها للمدفعية الثقيلة والدبابات. في المقابل ينسحب الإسرائيليون من جانبهم من الضفة الغربية للقناة باتجاه ممري متلا والجدي، وبذلك تصبح المنطقة الواقعة بين الجيشين منطقة عازلة، تديرها قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة. حلٌ لم يقنع الأسد واستمر الجدال بين الزعيم السوري وكيسنجر حتى وصل إلى طريق مسدود، حيث أصر الأسد على ضرورة ترسيم خطوط فصل القوات مع كيسنجر قبل بدء المؤتمر. وافق الأسد على حضور المؤتمر والجلوس إلى الطاولة نفسها التي يجلس إليها الإسرائيليون، شريطة أن يكون الاجتماع ثلاثياً يضم إلى جانب سوريا، مصر وإسرائيل وترأسه الأمم المتحدة، في حين كان مخطط كيسنجر أن يعقد اجتماعات ثنائية تضم سوريا وإسرائيل في قاعة منفصلة، ومصر وإسرائيل في قاعة أخرى وهو ما رفضه الرئيس السوري.

بتذمر قال كيسنجر حينها: "إذا انهار المؤتمر أو لم يُعقد إطلاقاً، فسيجعل ذلك منه أضحوكة للمجتمع الدولي". قاطعه الأسد قائلاً: "هذه ليست مسألة شخصية يا دكتور كيسنجر، إن الحرب والسلم والاحتلال هي أمور يجب التعامل معها بوضوح مطلق، وإلا، فمن شأن أي سوء فهم أن يؤدي إلى كارثة".

باب مفتوح

تبيّن الوثائق المنشورة في الكتاب، امتناع دمشق عن حضور مؤتمر جنيف، لكنها لم تعارض الحصول على مقعد ولو فارغ على الطاولة المستديرة. ورأى كيسنجر أن هذه الخطوة تجعل سوريا عضواً أصيلاً في مؤتمر السلام، ولها الحق في المشاركة في جلسات مستقبلية. وقد خَلُص كيسنجر في تقويمه لزيارته الأولى إلى دمشق، إلى أنه أحرز أكثر مما كان يتوقع، وقد رتبت زيارة للرئيس الأميركي إلى سوريا، كانت الأولى من نوعها في تاريخ البلاد. أصبح الطريق إلى دمشق الآن ممهداً أمام كيسنجر، وفُتح الباب الآن على مصرعيه أمام الأسد لأداء دور إقليمي أكبر. 

كتاب "حافة الهاوية: وثيقة وطن" لبثينة شعبان
كتاب "حافة الهاوية: وثيقة وطن" لبثينة شعبان