"مدبرة المنزل والأستاذ" شريط ذاكرة بثمانين دقيقة في اليوم!!

في روايتها "مدبرة المنزل والأستاذ" الصادرة عن دار الرافدين(2017)، تتناول الكاتبة اليابانية يوكو أوكاوا (1962) نوع آخر من الحب، حب الأعداد والمعادلات والمبرهنات الرياضية.
رواية "مدبرة المنزل والأستاذ" لكاتبة اليابانية يوكو أوكاوا
رواية "مدبرة المنزل والأستاذ" لكاتبة اليابانية يوكو أوكاوا

قراءة: روز سليمان

 

تتحدث الرواية عن "أستاذ جامعي، مدرِّس الرياضيات الذي أُصيب بحادث مروري أدى إلى فقدانه الذاكرة. يعيش بذاكرة قصيرة لمدة ثمانين دقيقة فقط يومياً، بعدها يحدث له شرود ذهني. إلِا أنّ ذهنه لا يزال متقداً ومليئاً بالمعادلات الرياضية "إن الجذر التربيعي للعدد 100 هو 10، والجذر التربيعي للعدد 16 هو 4، والجذر التربيعي للعدد 1هو1، لذلك فإن الجذر التربيعي للعدد1- هو.... لم يضغط علينا، بل على العكس درس تعابيرنا بتلهّف حيث أمعنا التفكير في المسألة. قلت في النهاية مترددة "ليس هناك مثل هذا العدد". قال "نعم، يوجد" وهو يشير إلى صدره. إنه هنا في الداخل. إنه النوع الأكثر سرية من الأرقام، لذلك فإنه لا يظهر حيث يمكن رؤيته، لكنّه هنا. لقد التزمنا الصمت للحظة، محاولين تصور الجذر التربيعي للعدد ناقص واحد في مكان بعيد ومجهول. وكان الصوت الوحيد هو صوت سقوط المطر من خارج النافذة..".

تعتمد الرواية، الواقعة في 213 صفحة من القطع المتوسط، على تراكم التفاصيل في السرد، مع إضفاء تعابير في علم النفس البشري كُتبت بطريقة نثرية، نقرأ: "إن الاختبار الصحيح حقيقة هو ذلك الذي يحقق موازنة متناسقة بين القوة والمرونة. هناك الكثير من الاختبارات الصحيحة من الجانب الفني، إلا أنها غير مرتبة وغير مصقولة أو لا يمكن إدراكها بالحدس. ولكنها ليست شيئاً يمكن صياغته بالكلمات-موضحاً لماذا تكون الصيغة جميلة مثل محاولة توضيح سبب كون النجوم جميلة".

تتلاحم خطوط السرد مع مضمون النصّ بعلاقة مباشرة بعيدة عن التأويلات، بل وأحياناً تبدو وكأنها داخل النصّ نفسه. علامات لسرد متقن تمكّنت صاحبته من إبراز ملامح شخوصها القليلة العدد. لا عوالم روائية مبنية في الخفاء، كل شيء واضح يراه القارئ سواء المُحَقّق منه أو غير المُحَقّق. يلبس الأستاذ دائماً بدلة وربطة عنق سواء أكان في المنزل أم في الخارج، ونادراً ما كان يخرج دونهما. "تحتوي خزانته على ثلاث بدلات واحدة للشتاء وواحدة للصيف وواحدة يمكن أن يلبسها في الربيع أو الخريف وثلاثة أربطة عنق وستة قمصان ومعطف واحد". كان الأستاذ يثبّت على البدلة التي يرتديها قصاصات لا تُحصى من الورق مكتوب عليها ملاحظات، وكل واحدة منها مثبّته بدبوس. "بدا واضحاً أنه كان يعوّض فقدانه للذاكرة بكتابة الأشياء التي عليه أن يتذكّرها ويثبّتها في مكان على بدلته حيث لا يمكن أن يفقدها".

في آذار مارس عام 1992 أرسلت وكالة أكيبونر للتدبير المنزلي المدبرة لأول مرة للعمل في خدمة الأستاذ؛ وكانت حينها أصغر إمرأة مسجلة لدى الوكالة التي تقدم خدماتها في مدينة صغيرة على بحر إنلاند. تمتلك المدبرة خبرة في العمل لأكثر من عشر سنوات، حاولت خلالها الانسجام مع أنواع أصحاب العمل كافة، حتى عندما تقوم بتنظيف الزبائن الأكثر صعوبة. تفتخر لكونها محترفة على الإطلاق فهي لا تشتكي أبداً. وفي حالة أستاذ الرياضيات فإن نظرة واحدة على بطاقة الزبائن يمكن أن تمنع مدبرة غيرها من قبول المهمة، حيث يتم ختم ظهر البطاقة بنجمة زرقاء كل مرة يتم فيها تبديل مدبرة المنزل. وعلى بطاقة الأستاذ كانت هناك تسعة نجوم!!. نقرأ على لسان بطلة الرواية: "عندما ذهبت لإجراء المقابلة، استقبلتني عجوز نحيفة وبسيطة ذات شعر بنّي مصبوغ ومرتّب على شكل كعكة، وتلبس ثوباً محبوكاً وتمشي على عكازة".

الرواية التي ترجمها من الانكليزية إلى العربية خضر سويد، كانت قد تُرجمت سابقاً من لغتها الأصلية اليابانية إلى الانكليزية من قبل الكاتب البريطاني ستيفن سنايدلا. وقد اقتُبِس منها شريط سينمائي. تقوم المدبرة برعاية أخ زوج العجوز بعد أن باءت محاولات سابقة لمدبرات أخريات بالفشل بالتأقلم مع المهمة هذه. تأتي المدبرة إلى منزل العجوز من الإثنين إلى الجمعة، الساعة الحادية عشرة صباحاً وإعداد وجبة الغداء له وتنظيف المنزل والتسوّق وإعداد العشاء وستغادر في السابعة مساء. هي التي تبحث عن شخص تستطيع مساعدته بأن يعيش حياة طبيعية، مثل أي شخص آخر. يعيش الأستاذ، أخ زوج العجوز، في كوخ منفصل عن المنزل وله مدخل خاص به أيضاً. "كان الكوخ، مقارنة بالمنزل الرئيس، متواضعاً إلى درجة أنه كان رثاً على شكل بيت صغير يبدو أنه بُني على عجل. ونمت الأشجار والشجيرات بكثرة حوله".

لدى الأستاذ مشاكل  في ذاكرته، ليس خرفاً، بل إن عقله يعمل جيداً. لكنه أُصيب قبل سبعة عشر عاماً برأسه في حادث سيارة، ومنذ ذلك الحين لم يكن قادراً على تذكر أي شيء جديد. توقفت ذاكرته عام 1975. يستطيع أن يتذكر إحدى النظريات التي قام بتطويرها قبل ثلاثين عاماً، ولكن ليس لديه فكرة عن ماذا أكل في العشاء الليلة الماضية. كما لو أنه يمتلك شريط فيديو واحداً لمدة ثمانين دقيقة داخل رأسه، وإنه عندما يقوم بتسجيل أي شيء جديد عليه أن يسجّلها فوق ذاكرته الموجودة. "تستمرّ ذاكرته ثمانين دقيقة تماماً لا أكثر ولا أقلّ".

لم يكن الأستاذ يصرّ دائماً على أنه المعلّم. وكان لديه تقدير كبير لمسائل ليس لديه معلومات عنها. كان متواضعاً. وعندما يحتاج مساعدة المدبّرة فإنه يطلب منها بطريقة مهذبة جداً حتى في أبسط الطلبات. يبدأ دائماً بـ"أنا آسف جداً على إزعاجك ولكنْ...".

درس الأستاذ، وهو الأخ الأصغر في العائلة، علم الرياضيات في جامعة كامبرج. عندما توفي والداه تولّى أخوه الأكبر، زوج العجوز، العمل في معمل العائلة للنسيج، وقام بتوسيعه وتولّى تكاليف تعليم أخيه الذي يصغره بنحو اثني عشر عاماً. وعندما توفي الأخ الأكبر فجأة بمرض التهاب الكبد الحاد، مباشرة بعد أن حصل الأستاذ على شهادة الدكتوراه ووجد وظيفه له في معهد الأبحاث. وقررت الأرملة التي ليس لديها أطفال إغلاق المعمل وشيّدت شقة على أرضه وتعيش على الإيجارات التي تحصل عليها.

في السابعة والأربعين من عمره، فقد الأستاذ وظيفته في الجامعة إثر إصابته بتهشّم في الدماغ عندما صدم سائق شاحنة سيارة الأستاذ في مقدمتها، ومنذ ذلك الحين ليس لديه دخل ما عدا الجائزة النقدية التي يحصل عليها من مسابقة حل مسائل في إحدى الصحف المتخصّصة بالرياضيات "ويعتمد الآن منذ سبعة عشر عاماً على صدقة الأرملة".

من بين الأشياء التي جعلت الأستاذ معلماً ممتازاً هي حقيقة أنه لا يخاف من القول "لا أعرف". فبالنسبة له ليس هناك خجل من الاعتراف أنه ليس لديه جواب. كانت خطوة ضرورية نحو الحقيقة، وهي بأهمية تعليم المجهول أو فوق معرفة البشر. كما لو أنه يقوم بتعليم ما هو محقّق وموثوق تماماً. "إذا لم تنتهِ الأعداد مطلقاً يجب أن يكون هناك دائماً المزيد من الأعداد المزدوجة أليس هذا صحيحاً؟" يسأل الأستاذ.

إن أكثر شيء يكرهه الأستاذ هو الازدحام وهو السبب وراء معارضته الشديدة لمغادرة المنزل. "كانت المحطات والقطارات والمتاجر الكبيرة وصالات العرض السينمائي والمجمعات التجارية وأي مكان يتجمع فيه الناس بعدد كبير هي أماكن لا يطيقها الأستاذ.. كان هناك شيء أساسي يتعارض مع الازدحامات العشوائية والساحقة ومع جمال الرياضيات النقي". يقول الأستاذ مخاطباً المدبرة : "لذلك قد تتساءلين أين ستجدين خطاً حقيقياً-وسيكون الجواب فقط هنا في الداخل. وأشار مرة أخرى إلى صدره كما فعل عندما علّمنا عن الأعداد الخيالية. إن الحقائق الخالدة غير مرئية أساساً ولن نجدها بين الأشياء المادية أو الظواهر الطبيعية أو حتى بين العواطف الإنسانية. على أية حال يمكن أن توضح الرياضيات ذلك وتعطيها صياغة-في الحقيقة لا شيء يمكن أن يمنعها من عمل ذلك".

ولأنه كان هكذا رجلاً ذكياً وما زال كذلك، فإنه من دون شكّ فهم طبيعة مسألة ذاكرته. لم يكن كبرياؤه هو الذي منعه من طلب المساعدة، ولكنّ بغضه الشديد أن يسبب المزيد من المشاكل غير الضرورية لنا نحن الذين نعيش في العالم الاعتيادي. "كان يعارض طلب المساعدة حتى ينمّي ذاكرته. لم يعرف الأستاذ الكثير عن الهدايا، إلا أن لديه نبوغاً في كيفية استلامها "كانت تعابير وجهه عندما أعطاه روت بطاقة ايناتسو شيئاً لا يمكن أن ننساه. ربط الشريط ونظر إلى البطاقة للحظة. بعد ذلك رفع رأسه وحاول أن يقول شيئاً، إلا أنّ شفتيه ارتجفتا عندما حمل البطاقة وضمّها إلى صدره". وبعد يومين من حفلة عيد ميلاد روت ابن المدبرة، وفي يوم أحد، نُقِل الأستاذ إلى إحدى مؤسسات الرعاية الصحية طويلة الأمد. وما حصل أن شريط الأستاذ ذا الثمانين دقيقة قد تعطّل، وإن ذاكرته لم تعد تتجاوز عام 1975، ولا حتى لدقيقة واحدة. ومؤسسة الرعاية تلك كانت على مسافة أربعين دقيقة بالباص من المدينة، خلف مطار مهجور.

نقرأ على لسان البطلة: "بإمكانك من خلال شبابيك غرفة الزائرين مشاهدة التصدعات في المدرج ونمو الأعشاب على سقف حظيرة الطائرات.. كنت أنا وروت نذهب لرؤية الأستاذ كل شهر أو نحو ذلك. وفي صباحات أيام الأحد نحمل سلة من الشطائر ونركب الباص.. وفي الأيام الدافئة يلعب الأستاذ وروت في الحديقة أمام المستشفى ومن ثم نتناول الشاي ونتحدث كثيراً".

تنتهي أحداث الرواية بوفاة الأستاذ. وبقيت الشابة الذكية الواثقة تعمل كمدبرة منزل لوكالة اكيبونو للتدبير المنزلي. كانت آخر زيارة لها وابنها إلى الأستاذ في الشتاء الذي بلغ فيه روت الثانية والعشرين من عمره. "كان الأستاذ جالساً في مكان مشمس وبيده قلم. ليس هناك أحد في غرفة الانتظار، وأن الناس الذين يمرون بالقرب من الباب بين الحين والآخر يبدون بعيدين. استمعنا بعناية إلى الأستاذ: إذا كان ن عدداً طبيعياً، فإن أي عدد رئيس يمكن أن يعبّر عنه أما مثل 1+ن4 أو 1- ن4. إنها كانت دائماً واحداً". ولاحقاً يجتاز روت امتحان التأهيل ليصبح معلم مدرسة متوسطة. ويبدأ بتعليم مادة الرياضيات. "كنت بالكاد أخفي شعوري بالفخر عندما قمت بالإعلان عن ذلك. جلس الأستاذ ليعانق روت، إلا أنه يديه كانتا ضعيفتين، وترتعشان".

 

روز سليمان كاتبة سورية.