دور الخرائط في تطور الدول

قد يكون عنوان هذا الكتاب غريباً أو جديداً لدى القارئ السياسي وغير السياسي، لجهة إبراز المؤلّف لدور رئيس أدّاه رسم الخرائط في تطوّر الدول الحديثة.
 كتاب "الدولة الخرائطية" لجوردن برانش
كتاب "الدولة الخرائطية" لجوردن برانش
  

الكتاب: الدولة الخرائطية: الخرائط والإقليم وجذور السيادة

المؤلّف: جوردن برانش،

ترجمة جلال عز الدين وعاطف معتمد،

الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2017، 270 صفحة.

 

مراجعة: حسن صعب

 

 يكشف الباحث جوردن برانش، من خلال الأدلّة المستقاة من تاريخ الكارتوغرافيا ومن معاهدات السلام ومن الممارسات السياسية، كيف تمكّنت التقنيات الحديثة لرسم الخرائط من تغيير الأطر السياسية الرئيسة منذ بداية تاريخ أوروبا الحديثة؛ وهو ما أفضى إلى رسم الحدود الخطيّة بين الدول وتفعيل الحكم الحصري الإقليمي داخلها.

وفي رأيه، هذا الكتاب يعيد رسم الأطر التي تحكم فهمنا للنظام الدولي، والطريقة التي تحدّد بها جذور النظام الحالي للدولة ذات السيادة والمسار المستقبلي له.

في الفصل الأول (التمهيدي)، يقول «برانش» إن الخرائط، وبفضل انتشارها الواسع، وفّرت للحكّام أدوات جديدة لجمع المعلومات عن أبعاد ممالكهم وتنظيمها، لكنها كانت تحظى بتأثيرات أهم من ذلك بكثير. فالخرائط الجديدة أعادت بناء جوهر ما يعنيه مفهوم «الحكم»، بما أفضى في النهاية إلى الدول الإقليمية الحديثة كما نعرفها.. لقد كانت الخرائط شرطاً ضرورياً - وإن لم يكن كافياً - لظهور نظام الدولة ذات السيادة.

ويضيف: "صحيح أن تغيّرات اقتصادية وسياسية واجتماعية كثيرة أسهمت في مركزية الحكم وتكوين الدول، إلاّ أن صنع الخرائط وآثاره كانا ضروريين بالنسبة إلى إحدى الخصائص الرئيسة للدولة ذات السيادة كما ظهرت في القرن التاسع عشر: ألا وهي الطبيعة الإقليمية الخالصة المرتكزة على الحدود التي تزعمها سلطة الدولة".

ويمكن فهم الدولة بفعالية في نهاية المطاف بوصفها «حزمة» من السلطات والمؤسسات والأفكار المخلّقة والمؤلّفة جميعاً بطرق معقّدة. ومع ذلك، فلولا التغيّرات المحدّدة المنبثقة عن إعداد الخرائط، والضغوط الأخرى باتجاه توسّع التنظيم السياسي ومركزته، لما أمكن إثمار النظام المميّز القائم على الدول الإقليمية الحصرية.

وبحسب المؤلّف، يعتمد الكتاب على منهجي التحليل السردي وتتبّع العمليات اللذين يمكّنان من تحديد الروابط بين عوامل التغيير التقنية، وبين البنى الفكرية التي تعمل هذ التغيّرات من خلالها، والمخرجات السياسية المادية الناتجة عن ذلك.

الفصل الثاني من الكتاب (السلطة والسيادة والتغيّر الدولي)، يعرض مقاربة جديدة لوصف الأنظمة الدولية والتغيّر النظامي، ثم يستخدم هذا الإطار لتحديد طبيعة وتوقيت بدايات التشكّل الحديث للبنى السياسية الأوروبية. فالأفكار الأساسية عن السلطة السياسية - أي لمن الحق في حكم أيّ نوع من الأقاليم - تصوغ الهوية والتنظيم للفاعلين السياسيين، بما يشكّل مخرجات من قبيل طبيعة النزاع وأسبابه. ويمكن تمييز بُنى السلطة المعرّفة بالإقليم عن أشكال الحكم المعرّفة بمبادئ غير مكانية، مثل السلطة على الأشخاص.

وقد كانت البنى السياسية في العصور الوسطى الأوروبية مُعرّفة بتنويعة من أنماط السلطة، الإقليمية وغير الإقليمية معاً (مثل الأواصر الإقطاعية الشخصية). علاوة على ذلك، لم تكن الأقاليم تُحدّ دوماً بحدود تفصل بين الفضاءات المكانية المتشابهة، ولكنها كانت تُعرّف في أغلب الأحوال بمراكز سيطرة قوية تتلاشى في الأطراف؛ وكانت النتيجة: بُنية سياسية ذات ادعاءات سلطة متداخلة، وتراتبية بين الفاعلين، وتقسيمات غير واضحة بين العلاقات الداخلية والخارجية. وفي أوائل القرن التاسع عشر فقط، استُبدل بالتبعية القروسطية، بشكل تام، حكمٌ سياسي مُعرّف على نحوٍ حصري بإقليم محدود بحدود فاصلة.

بعد ذلك، يختبر الفصل الثالث (الثورة الكارتوغرافية) تطوّر الأدوات الكارتوغرافية في أوروبا منذ القرن الخامس عشر، ويبرز طبيعة هذه التقنية بالغة التأثير والمحمّلة بالأبعاد الاجتماعية. كانت الخرائط نادرة خلال العصور الوسطى الأوروبية، وكانت تُرسم من دون التحديد الهندسي الدقيق الذي تتمتع به الخرائط الحديثة. لقد كانت أفهام الأوروبيين للعالم في المراحل المبكّرة من تاريخهم الحديث مبنيّة باللغة البصرية للخرائط.

أما الفصل الرابع (رسم خرائط دولة إقليمية)، فيرسم الرابطة بين التحوّلات المجتمعية والتقنية الواسعة التي نوقشت في الفصل الثالث، ويبيّن التأثير السياسي للكارتوغرافيات بطريقة مباشرة على بُنى السلطة. حينما توسّع الحكّام في استخدام الخرائط وإنشائها، شكّلت الكارتوغرافيا التحوّل في طريقة فهم الحكم الإقليمي، وساعدت كذلك على تقويض الأسس غير الإقليمية للسلطة؛ ومضت السلطة الإقليمية من كونها مُعرّفة بادّعاءات على أماكن معيّنة، مُقدّمة في قوائم نصيّة غالباً، إلى كونها مفروضة على امتدادات مكانية متجانسة، مُعرّفة بأفكار كارتوغرافية، ومرسومة على خرائط.

أما بُنى السلطة غير الخرائط؛ مثل الأوامر الشخصية الإقطاعية، فلم تظهر على الذين أخذوا يُعرّفون هوياتهم ومصالحهم بأساليب كارتوغرافية. وبعد قرون من استخدام الخرائط، أعيد تعريف الحكم من حيث الأفكار والممارسات، بوصفه ادّعاءً على إقليم محدّد بحدٍ فاصل.

وبمدّ نطاق الرؤية خارج أوروبا، يُبرز الفصل الخامس (رسم الخرائط في العالم الجديد والانعكاس الاستعماري) عملية الانعكاس الاستعماري؛ إذ استُخدمت الأفكار والممارسات الجديدة للحكم الإقليمي على نحوٍ حصريٍ أول مرّة في الأميركيتين، ثم طبّقت على التفاعلات داخل أوروبا بكاملها. استلزم التوسّع الأوروبي في العالم الجديد منظومة جديدة من الأفكار والأدوات لفرض الحكم عن بُعد؛ وشكّلت تقنيات إعداد الخرائط المطوّرة حديثاً والأفكار الملتهمة كارتوغرافياً جزءاً رئيساً من هذه الذخيرة الجديدة؛ إذ أتاح إعداد الخرائط في بداية العصر الحديث للحكّام أن يصوغوا الادّعاءات السياسية ومنازعاتهم عليها من دون معرفة فعلية عن الإقليم موضع الادّعاء، أو ما يوجد فيه.

ولتقديم مزيد من الدعم التجريبي حول دور إعداد الخرائط في هذا التحوّل السياسي، يختبر الفصل السادس (معاهدات السلام والتحوّل السياسي) أبرز تسويات السلام الأوروبية في أوائل العصر الحديث، إذ تكشف أهداف الفاعلين السياسيين التفاوضية وممارساتهم - ونصوص التحوّل من السلطات المعقّدة التي صبغت أنظمة القروسطية إلى الخضوع للادّعاءات الإقليمية المعرّفة حصرياً بحدود خطيّة.

ومنذ القرن الثامن عشر فصاعداً، حلّ إعداد الخرائط والأفكار المبنيّة بطريقة كاتوغرافية محل صيغ السلطة الأكبر والأكثر تعقيداً.

ويقدّم هذا الدليل النصّي والسلوكي رابطاً تحليلياً بين التغيّرات على مستوى الأفكار وتطبيقاتها في الممارسات السياسية على الأرض.

يضيّق الفصل السابع (رسم الخرائط وأقلمة فرنسا) بؤرة عدسة التحليل على حالة توضيحية واحدة، هي فرنسا. فقد اتبعت أقلمة الحكم في فرنسا مساراً تمثيلياً، وإن كان يُساء تفسيره في الغالب، من تكتّل معقّد من ادّعاءات السلطة القروسطية نحو دولة مُعرّفة بحدود، إقليمية على نحوٍ حصري، ما بعد ثورية.

وكانت الخرائط أساسية في هذا التحوّل، سواء بوصفها أشياء ماديّة أعادت تشكيل الأفكار السياسية، أو بوصفها أدوات مكّنت الادّعاءات الجديدة للسلطة والسيطرة.

وفي الوقت نفسه، خلقت الرسومات التجارية الجديدة لفرنسا في القرن السادس وبداية القرن السابع عشر، شروط إمكان جديدة للطريقة التي فكّر بها حكّام فرنسا في حدود ملكهم، مُعيرة قوّة جديدة لفكرة الحدود الفاصلة حول إقليم مكاني متجانس. ومن ثمّ، بدأ الحكّام وضع هذه الفكرة المحوّلة موضع الممارسة (سواء على الحدود أو داخلياً)؛ واشتمل ذلك على التكليف بمشروعات كاملة لإعداد الخرائط اللازمة لتخطيط حدود الإقليم الفرنسي.

يطبّق الفصل الثامن (الدولة الكارتوغرافية اليوم) الرؤى النظرية المستمدّة من التحليل التاريخي السابق على تساؤلات محدّدة بخصوص التغيير السياسي الجوهري الراهن.باستخدام المضامين القابلة للتعميم لهذه الحالة التاريخية، يركّز هذا الفصل بالتحديد على تداعيات التقنيات الكارتوغرافية على الأفكار السياسية والممارسات والمخرجات المعاصرة؛ فتطبيق تقنيات المعلومات على إعداد الخرائط يخلق الآن أهم التحوّلات في الكارتوغرافيا منذ بدايات العصر الحديث، بما يوفّر مناسبة مثالية للتفكّر في التغيّرات التي يُحتمل أن تطرأ على الدولة.

وبالتركيز على التداخل بين التقنيات التمثيلية والسلطة السياسية، يعيد الكتاب النظر في تأطير المسائل المعاصرة؛ فضلاً عن طرح وسيلة جديدة لتمحيص طرائق دعم الدولة ذات السيادة وتحدّيها في الوقت نفسه.

ومن الموضوعات المهمة التي أثارها المؤلّف في الفصل الأخير الأثر المحتمل للكارتوغرافيا الرقمية الراهنة. فالخرائط الرقمية (مثل تلك التي تقدّمها غوغل أو ياهو أو مايكروسوفت)، والتمثيل الذي تتيحه، قد يهدمان نموذج الدولة الإقليمية المثالي السائد، أو قد يكونان عاملي دعم ولو بغير قصد، لتلك المؤسسة.

أخيراً، وفي ثنايا هذا الكتاب، يُدعّم المؤلّف أفكاره بالعديد من أشكال الخرائط الأصلية والتاريخية، مثل خارطة العالم في كاتدرائية هيرفورد وخارطة بورتولان (العالم القديم) وخارطة أوروبا وخارطة مخطوطة لفرنسا.