أن تكون رئيس تحرير في مجلة خليجية!

عرفه الجميع شاعراً يبدع في مجال الشعر إلا أن الكاتب المصري أحمد فضل شبلول قد خاض هذه المرة كتابة الرواية في تحول كبير في تاريخه الإبداعي، فكانت رواية "رئيس التحرير .. أهواء السيرة الذاتية".
رواية "رئيس التحرير" للكاتب المصري أحمد فضل شبلول
رواية "رئيس التحرير" للكاتب المصري أحمد فضل شبلول


الكتاب: "رئيس التحرير .. أهواء السيرة الذاتية"

الكاتب: أحمد فضل شبلول

الناشر: دار الآن ناشرون وموزعون - عمّان - 2017.



مراجعة: السيد الزرقاني

 

بداية علينا التنويه بأنه منذ أن فاز أديبنا الكبير نجيب محفوظ بجائزة نوبل للآداب عام 1988 والإنتاج الروائي بدأ في التصاعد، إلى أن وصل إلى ما نحن عليه الآن.

"أعتقد أن الرواية صناعة ثقيلة، تحتاج إلى خبرة ودربة وقراءة في كل الاتجاهات، وتفاعل مع الواقع والمجتمع والناس وتشابك مع اللغة والفن، أعتقد أن الرواية تحتاج إلى مساحات من الحرية والتحليق والخيال والإنسانية لتبدع نفسها دون خوف وإرهاب فكري وأيضاً جسدي، وما دامت هذه الأجواء غير متوفرة في بيئاتنا العربية، فستظل الكوارث متلاحقة، وسيظل الإبداع متجدداً وجارياً لا ينضب أبداً".

- من هنا جاءت رواية "رئيس التحرير" معبّرة عن أدب السيرة الذاتية للكاتب أحمد فضل شبلول الذي امتهن عالم الصحافة في أماكن عدة حين اعتمد على السرد الروائي لعرض وقائع حقيقية عايشها في عمله الصحافي في دول الخليج العربية، حيث عاش في بلاط صاحبة الجلالة سنوات عدة سواء في مصر أم دول الخليج. وتشابك مع الواقع الصحافي هنا وهناك، ودخل المطبخ الصحافي ولاحظ وجود إيجابيات وسلبيات لم يتحدث عنها الكثير من الأدباء والروائيين إما لأنهم لا يعلمون عنها شيئاً، أو يعلمون – خاصة إذا كانوا أدباء صحافيين – ولكنهم لم يعيروها أدنى انتباه.

ولا يعتبر شبلول هو أول من كتب عن بلاط "صاحبة الجلالة"، فقد سبقه عدد من الأدباء والكتاب الكبار بينهم فتحي غانم في "زينب والعرش"، ونجيب محفوظ في "اللص والكلاب"، حيث شخصية الصحافي رؤوف علوان، وأيضاً قصة فيلم "يوم من عمري" لعبدالحليم حافظ كانت تدور في عالم الصحافة.

ولكن بالتأكيد الأدوات الصحافية اختلفت، والعصر اختلف، والمطبخ الصحافي اختلف كلياً عن زمن غانم ومحفوظ. ويظل الفارق بين "رئيس التحرير" وبين "زينب والعرش" و"اللص والكلاب" على سبيل المثال، هو أن معظم أحداث تلك الرواية يدور في الصحافة الخليجية، والقليل منها يدور في الصحافة المصرية...

تلاحظ كتابة عنوان ﺇضافي (تفسيري) تحت عنوان الكتاب "أهواء السيرة الذاتية"، بينما العنوان الرئيس "رئيس تحرير"، وهو ما يثير شهية القارىء ﻹقتناء الرواية/السيرة نظراً لكون كتابات السيرة أكثر الكتابات جاذبية للقارىء العادي، والرواية هي أكثر الأجناس الأدبية رواجاً الآن.

السيرة الذاتية في أبسط صورها شهادة من الكاتب لرصد حادثة حقيقية ما، لعل الغرض الأدبي منها هي محاولة لمحاكمة الذات بمعنى ما بعد تجربة حياتية طويلة، وبالتالي اكتشاف الذات عن مسافة زمنية طويلة من الوقائع.

وتبدو السيرة الذاتية على أشكال مختلفة: اليوميات؛ وهي تلك التي توثق للأحداث يوماً بيوم.. ثم المذكرات؛ التي تعتمد على ذاكرة الكاتب والوثائق بعد فترة زمنية طويلة من الأحداث.

ومن كتابات السيرة ما اتخذ شكل السرد الروائي، وهو ما ابتدعه "طه حسين" في كتابه "الأيام" وغيره من بعض الكتاب العرب مثل "الخبز الحافي" لمحمد شكري.

أما وقد سجّل الكاتب كلمة "أهواء" قبل السيرة الذاتية وببنط كبير أسفل عنوان الكتاب، وسجّل كلمة "رواية" على استحياء في أسفل واجهة الكتاب "الغلاف"، فلا يبقى ﺇلا متابعة القراءة بعيداً عما سجّله الكاتب، وبعيداً عن ﺇصدار الأحكام والغوص في متاهة تجنيس العمل الأدبي الذي نحن نصدده ﻹعتبارات متعددة.

ﺇن النص الأدبي الشيق "رئيس تحرير"، هو النص السردي الأول لكاتبه أحمد فضل شبلول. الكاتب من أعلام جيل الثمانينيات في الشعر. وهو يرصد الكثير من الأحداث والوقائع الحقيقية، والتي بدأت مع بدايات وعي الكاتب ومشاركته في الحياة العامة مع تظاهرات 18 و19 يناير كانون الثاني 1977. وﺇن تغلبت وقائع سنوات عمل الكاتب في مجال الدوريات المطبوعة العربية في بالخليج، وهو ما برر عنوان "رئيس تحرير".

يبدو وكأن القارىء عليه أن يلاحق ملامح ذلك النص الحكائي مستمتعاً بأحداثه بعيداً عن تجنيس النص، على الأقل مع القراءة الأولى. وقد تلاحظ أن الكاتب كان دائماً يستخدم ضمير المتكلم، ولم يحد عنه.

بدأ الفصل الأول "ألاعيب ثقافية" بقوله: "ستة شهور مرت على آخر ﺇتصال تليفوني من رئيس التحرير..". هكذا كان العنوان مع أول جملة سردية، لنشارك الكاتب تجربته في العمل في إحدى المجلات الخليجية، وكيف أنه كتم الأمر حتى لا يسطو على ذاك العمل أو الوظيفته الصحافية تلك، أحد المتنمرين للاستيلاء عليها، وهو ما حدث معه في أكثر من تجربة سابقة.

رصد الوقائع والأحداث، منها ما هو عام ومنها ما هو خاص، ﺇلا أن القارىء يلاحظ غالباً ما يكون التعبير عن الموقف الخاص من خلال الحدث العام. ففي الفصل الثاني "18 و19 يناير"، يبدأ الكاتب بوصف الألم الذي أصابه بسبب ضربة شديدة أثناء اﻹنتفاضة في عهد رئاسة "أنور السادات".

وفي الفصل نفسه يتابع وصف علاقته الشخصية بتلك الفتاة اليسارية غير الجميلة، وكيف أنها من قيادات جماعة سياسية في الجامعة، وترجو أن يلتحق الكاتب بجماعتهم، ولعل أهم ما يتميز به الكاتب أنه من شعراء الكلية، ويمكن اﻹستفادة منه في تأليف الشعارات التي تحمس الطلبة أثناء التظاهرات.

التوقف مع بعض الوقائع الخاصة، وخصوصاً تلك ذات العلاقة بالأدب والصحافة، وهي ما بدت جلية في الفصل الثالث "استدعاء"، وفيه يعرّف الكاتب القارىء على بعض أحوال الثقافة العامة من خلال تجربته الخاصة. فقد كان تدخل "أمن الدولة" للتعرف على الاتجاهات الفكرية للأدباء والكتاب من الأمور العادية الشائعة. وبسبب ورود خطاب من مجلة "الثقافة العربية" الليبية للكاتب بوعد لقراءة القصيدة ونشرها في حالة الصلاحية مع أقرب عدد، حيث تم ﺇستدعاء الكاتب، ووصف كيف بدت تجربة قاسية نفسياً قبل أن تكون قاسية جسدياً.

في فصل "درس خصوصي""، يشرح الكاتب وواقعة كيف قدم طفل الجيران كي يشرح له الكاتب دروس اللغة العربية، لأن مدرس اللغة العربية في المدرسة تونسي يشرح اللغة العربية باللغة الفرنسية.

بدايات طموح الكاتب أن يصبح رئيساً للتحرير، وهي سردية الفصلين الرابع والخامس، حيث كان حلم رئاسة مجلة ثقافية هو الحلم الطاغي على كل أحلام الكاتب المستقبلية، وله في ذلك تجربة علاقته بالصحافية "منى فارس"، وإن فشلت مع محاولة التحقق، يبدو وكأنها نجحت في توفير المكان المناسب له للعمل في صحافة الخليج.

وحيث يتجول القارىء في الرواية يكتشف عمق الواقعية التي حرص الكاتب على إدراجها في النص من خلال الحوار بين شخصيات الرواية واستعان بأسماء مستعارة مثل بطل النص اسمه "يوسف"، وليس اسم الكاتب المعروف، وهو يحيل القارىء ﺇلى ﺇحتمال اقتراب النص من النص الروائي ويبعده عن نص السيرة. ففي الفصل السادس تردد الاسم "يوسف" حيث عملت "منى" على توفير العمل المناسب له في ﺇحدى الصحف الخليجية، وبالفعل بدأ الراوي رحلته اﻹحترافية في الصحافة حيث سافر، وأحال القارىء ﺇلى شواهد الفصل الأول.

ونجد الكاتب قد حرص على الاثارة والتشويق في خلال الفصلين التاليين، "غريب على الخليج" و"رسالة كيدية" و"هارد ديسك خارجي"، بدت سمة التشويق جلية، وهي سمة مطلوبة في كل من النص الروائي والسيرة، وهو ما يزيد من "الحبكة" الفنية في أي نص. والحبكة هنا تبدو خارجية مرتبطة بالوقائع والممارسات الحياتية، وان زادت الحبكة في النص الروائي داخلية كما هي خارجية.

فالأول يصف لنا قدر الورطة التي شعر بها عندما هبط المطار ولم يجد أحداً في استقباله، ولا يعرف كيف يتصرف. ثم في الفصل التالي، يتناول سرد تلك الرسالة التي هاجمته وأساءت ﺇلى كتاباته وعمله على أنها من سيدة مغربية، بينما هي من أحد الزملاء. ثم في الفصل التالي كانت واقعة سرقة محتويات كل ما دوّنه في جهاز الكمبيوتر الخاص به، حتى يطلع عليه رئيس التحرير!

من الملاحظ أن الكاتب كان حريصاً على الغوص في ثنايا الشخصيات المحورية في الرواية وهو ما يجب على السارد الروائي الحرص عليه وﺇبرازه، وقد وضح في فصل "فتاة الغلاف"، حيث تعرف السارد على تفاصيل خفية لشخصيتين ممن يعملن في المجلة، ونجح في بيان الجانب الخفي فيهما، وهو ما لم يتابعه السارد مع شخصيات أخرى سابقة، مثل رئيس تحرير المجلة، وهو من الشخصيات الرئيسية في النص.

مع فصل "مؤتمر صحفي" بدت سمة المفارقة جلّية، وهو ما يتابعه الكاتب على كل حال، ربما تجلّى في هذا الفصل تحديداً نظراّ لتلقائية التناول المعتمد على سمة التذكر لدى الكاتب، حيث شارك "يوسف" في مؤتمر فنون مسرحية وتقدم بسؤال لم يخطر على بال رئيس ولا نائب رئيس المؤتمر، وهو ما يعتبر خروجاً عن المألوف، وقد عاتبه عليه رئيس التحرير، كما فسّره صحافي شاب له قائلاً: "إنه في المؤتمرات الصحافية لأي مناسبة لا يجب أن تسأل؟!".

وهو أيضاً ما تجلى في فصل "ملف الثورة"، حيث طلب رئيس التحرير ﺇعداد ملف متميز عن ثورة يوليو وعبدالناصر، ومع ﺇجتماع الأسبوع التالي أُلغي الملف ن دون توضيح السبب؟!.

الطرفة أن بدت المفارقة في فصل تالٍ "الغربة وتكاليفها"، في العنوان المفارق لمتن الفصل، حيث ينقل لنا السارد تجربة عشق جسدي مع "الجوهرة ابراهيم"، وعلى الرغم ما فيها من سرد شعري ووصف جميل، ﺇلا أنه يبدو مناقضاً لرغبات الكاتب وقيمه الخاصة، فكان العنوان المعبّر عن الندم، فبالرغم من السرد الحكائي القصصي للمتن، كان العنوان واعياً بالذات لدرجة لافتة.

أما تلك التفاصيل الحياتية اليومية داخل الدار الصحافية فقد شغلت حيزاً متميزاً داخل النص؛ كما في الفصول: "ضحكة هندرستمية"، "رقصة التنورة"، فقد أفرد الكاتب بعضاً من تلك الصراعات داخل دهاليز دور الصحافة ما بين العاملين، وكذلك أفرد لنفسه فصلاً يصف فيه سعادته أن استخدم دورة مياه "الجوهرة".

وهي سمة في بعض السرديات الجديدة، حيث يتوقف الكاتب لبيان تفاصيل معلوماتية حول فكرة ما أو موضوع لم يطرق بتفاصيله الجديدة التي يسردها. وهو بالضبط ما وظفه الكاتب مع فصل "النبطي" حيث توقف طويلاً مع "البترا" الأردنية، فضلاً عن سعادته التي عبّر عنها بقوله في بداية الفصل: "ربما أكون قد ولدت هناك في الماضي السحيق".

فصول تأريخية، هي تلك الفصول التي ﺇرتبطت بشكل حاد بحادثة تاريخية ما تؤكدها، مثل ﺇحتلال العراق وخطورة الإقامة على أرضه بعد الغزو الأميركي له عام 2003، وهو ما وضح جلياً في فصل "مؤتمر بغداد".

وجاء فصل "ثورات قادمة" لتأكيد تلك السمة حيث تنبأ رئيس التحرير بالمتغيرات الخطيرة التي سوف تحدث، وقد حدثت في ثورة تونس ثم ثورة مصر في يناير كانون الثاني 2011 واللافت أن حديث الرجل لم يكن بالتنبؤ بل بالتأكيد؟!

وهو ما تأكد في فصل آخر "العودة الى الاسكندرية"، حيث رصد الكاتب قدر الخراب الذي نال من الشوارع في الاسكندرية، وزوال مشاعر الأمن.. فيما جاءت "الجوهرة" لتقيم مع الكاتب في فندق فلسطين وخصصت له جناحاً خاصاً، على الرغم من أنه يملك شقته في ميامي.

مضمون حوار صحافي، وهو ما قدمه الكاتب في فصل كامل "في أبوظبي"، حيث التقى "بمنى فارس "وأجرى حواره هذا. وسوف يعد هذا الحوار ومضمونة وثيقة فنية تؤرخ للفترة الآنية للدراما في مصر والعالم العربي.

اعتقد أن الكاتب تعمد أن يترك الحوار مفتوحاً لأجزاء أخرى من السيرة الذاتية له، إذا تيسر له ذاك. رواية "رئيس التحرير" لم تُغلق بعد، فالنهاية مفتوحة، لذا يسهل لي العودة إليها وكتابة جزء تالٍ يجري بالأحداث مرة أخرى في حال عودة بطلها إلى عمله مرة أخرى في الخليج، لأن الرواية انتهت من دون حسم الموقف. هل سيعود بطلها إلى عمله في المجلة الخليجية مرة أخرى، أم لن يعود بسبب تأزم الموقف مع رئيس تحرير المجلة الذي كان له رأي مخالف من أحداث ثورة 25 يناير، إذ أن هناك من رشح البطل لأن يكون رئيساً للتحرير، بدلاً من الرئيس الخليجي الحالي. هذه أشياء لم يتم حسمها، وقد تحسم في جزء ثانٍ للعمل.

*السيد الزرقاني كاتب مصري