استراتيجية الصراع الأميركي - السوفياتي حول إيران

يضيء الكتاب على مرحلة مهمة من تاريخ إيران وعلاقاتها الخارجية، مرحلة ارتبطت ببدء الحرب الباردة بين القطبين الدوليين.
كتاب "استراتيجية الصراع الأمريكي السوفياتي حول إيران"
كتاب "استراتيجية الصراع الأمريكي السوفياتي حول إيران"
 

يعود التنافس الدولي على إيران إلى عقود طويلة على انتصار ثورتها الإسلامية، إذ حاولت دول عدة، بدءاً من روسيا بمرحلتيها القيصرية والسوفياتية، فبريطانيا، ثم ألمانيا، وصولاً إلى الولايات المتحدة الأميركية، إيجاد موطئ قدم لها في هذا البلد، صاحب الموقع الجغرافي المتميز والثروات النفطية الهائلة، سواء كان ذلك بالسياسة تارة، أو بالقوة تارة أخرى.

في كتابه "استراتيجية الصراع الأميركي-السوفياتي حول إيران" يضيء المؤلف جاسم محمد هايس على مرحلة مهمة من تاريخ إيران وعلاقاتها الخارجية، مرحلة ارتبطت ببدء الحرب الباردة بين القطبين الدوليين المنتصرين في الحرب العالمية الثانية. ويبرر المؤلف اختياره لهذا الموضوع بالإشارة إلى أن "المكتبة العربية تكاد تخلو من دراسة تفصيلية شاملة حول التنافس الأميركي- السوفياتي في إيران خلال هذه الفترة، ولأجل سد النقص الحاصل في مكتبتنا العربية، اخترت هذا الموضوع، وقد حاولت تحليل صراع القوتين، وأثر ذلك على علاقتهما الدولية وعلى التطورات الداخلية في إيران".

يتكون الكتاب من مقدمة وأربعة فصول وخاتمة. في فصله الأول يبحث المؤلف في السياسة الروسية زمن العهد القيصري تجاه إيران، وذلك حتى قيام الثورة البلشفية في العام1917، إذ أثرت عوامل عدة في تلك السياسة جاء في مقدمتها العامل الجغرافي، فالموقع الجغرافي السلبي لروسيا القيصرية بسبب وقوعها على بحار إما متجمدة أو تقع تحت سيطرة دول أخرى، جعلها تسعى للوصول إلى الخليج والمحيط الهندي أو ما اصطلح على تسميته بالمياه الدافئة. العامل الثاني كان أمنياً بامتياز، فوقوع المستعمرات البريطانية إلى جنوب إيران وحرص بريطانيا على تأمين هذه المستعمرات وحماية الطرق المؤدية إليها، عبر محاولتها الحصول على موطئ قدم لها في إيران، جعل الامبراطوريتان تدخلان في تنافس مستمر من أجل السيطرة على إيران. وقد لعب الاقتصاد دوراً بارزاً في توجيه السياسة القيصرية، مشكلاً بذلك العامل الثالث، حيث وجدت الحكومة القيصرية في إيران سوقاً طبيعية لتصريف إنتاجها الصناعي، وفي الوقت نفسه الحصول على المواد الأولية لصناعتها.

 

نفوذ قيصري واسع

تحت ضغط هذه العوامل، دخلت روسيا القيصرية في النصف الأول من القرن التاسع عشر حربين متتاليتين مع إيران، خلصت نتائجهما إلى توقيع معاهدتي كلستان عام 1813 وتركمانجاي عام 1828، خسرت بموجبهما إيران الكثير من أراضيها واستقلالها السياسي. كما حصل الروس على امتيازات كثيرة، وهو ما أثار حقن بريطانيا، التي تحركت لإيقاف التهديد المباشر لمصالحها في إيران، فلعبت دوراً فاعلاً في إيقاف الحرب الروسية - الإيرانية. لكن التغلغل الروسي استمر بنشاطه وتوسعه، مستخدما الاقتصاد والسياسة والدعم العسكري غطاء له، فكان أن حصل الروس خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر على امتيازات جديدة، ولينتهي بذلك القرن التاسع عشر بمديونية روسية على إيران قاربت قيمتها الأربعة ملايين جنيه استرليني.

مع نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914، ونتيجة الضغط السياسي والعسكري على إيران وفقدان الحكومة المركزية القوية فيها، أصبحت إيران مسرحاً مكشوفاً للنزاعات الدولية، لاسيما مع بروز ألمانيا، التي بدأت تفرض نفوذها في الأقسام الجنوبية للبلاد. إلا أن السياسة الروسية تجاه إيران انقلبت رأساً على عقب مع قيام الثورة البلشفية عام 1917، إذ حاولت السلطة السوفياتية الجديدة مد جسور التعاون والصداقة مع الحكومة الإيرانية، فألغت موسكو جميع الاتفاقيات السرية والعلنية التي عقدتها روسيا القيصرية مع الدول الأخرى بخصوص إيران وتقاسم النفوذ والمصالح فيها، مطالبة إيران في المقابل بإلغاء جميع الاتفاقيات التي عقدتها الحكومة الإيرانية من جانبها. لكن هذه المواقف السوفياتية الايجابية قُوبلت من قبل إيران بموقف سلبي، وذلك تحت ضغط عاملين هما: الأول داخلي وتمثل بمخاوف إيران من تزايد تأثير المبادئ الاشتراكية على مواطنيها، والثاني دولي وتلخص باستغلال بريطانيا سحب السوفيات لقواتهم من إيران للحلول مكانها عبر قوات مشتركة مع الهند، فضلاً عن إبرام بريطانيا معاهدة مع إيران، تحولت الأخيرة بموجبها إلى شبه مستعمرة بريطانية. هذا الأمر دفع الاتحاد السوفياتي إلى اتخاذ سياسات مختلفة وصلت حد التدخل العسكري، وتالياً يمكن القول إن علاقات الدولتين في فترة ما بين الحربين العالميتين بقيت متوترة، تشهد حالة من المد والجزر، لكن مع إعلان قيام الحرب العالمية الثانية لم يتردد الاتحاد السوفياتي في إدخال قواته إلى الشمال الإيراني، وتوسيع نفوذه السياسي في هذه البلاد.

يركز المبحث الثاني من الفصل الأول على السياسة الأميركية تجاه إيران حتى نهاية العام 1944، ويشير المؤلف إلى أنه منذ أن نالت الولايات المتحدة الأميركية استقلالها وأخذ اقتصادها بالنمو والتوسع، بدأت تولي مسألة الحصول على المستعمرات اهتماماً خاصاً. وكانت إيران إحدى تلك الدول التي اهتمت الولايات المتحدة بإيجاد موطئ قدم فيها، مستخدمة لتحقيق ذلك أساليب متعددة كإرسال البعثات التبشيرية، التي كان أولها في العام 1829 والثانية في العام 1834. ومع رغبة الحكومة الإيرانية، ولاسيما بعد الثورة الدستورية عام 1905، البحث عن قوة ثالثة لمواجهة النفوذين الروسي البريطاني، بدأت العلاقات مع الولايات المتحدة تأخذ منحىً مختلفاً. وهذا تبلور أكثر مع الخبراء الأميركيين الذين عهدت إليهم مهمة الإشراف على الخزينة الإيرانية وتنظيمها، ليتبع هذه الخطوة خطوات أخرى في مختلف المجالات الاقتصادية، وهو ما أثار حفيظة الروس والبريطانيين الذين بقوا حجرة عثرة في طريق توسيع النفوذ الأميركي في إيران.

بعد نشوب الحرب العالمية الثانية وجدت واشنطن عذراً جديداً للتدخل في إيران، وذلك عبر التوسع في بعثاتها التبشيرية بمختلف المجالات، توسيع التجارة، وتنشيط العلاقات السياسية، ليصل النفوذ الأميركي في هذا البلد إلى درجة لا بأس بها قبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية.

 

  


مشكلة القوات السوفياتية

دبابة سوفياتية في أحد شوارع مدينة تبريز في إيران
دبابة سوفياتية في أحد شوارع مدينة تبريز في إيران

 يخصص المؤلف الفصل الثاني من كتابه لمشكلة انسحاب القوات السوفياتية من الأراضي الإيرانية بين عامي 1945-1946 وأثر التنافس السوفياتي الأميركي على ذلك. فما أن اقتربت الحرب العالمية من نهايتها حتى لاحت علامات الخلافات بين الحلفاء، وبدأت التناقضات بالظهور بين الاتحاد السوفياتي من جهة، وبين بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى.

وكانت إيران إحدى مناطق النفوذ التي شهدت بروزاً لتك التناقضات، من خلال تشكيك كل طرف بسياسة الطرف الآخر ونواياه، وكانت أولى المشاكل التي واجهت الحلفاء هي مسألة التواجد العسكري للسوفيات في إيران، والذي شكل عاملاً مهماً في تثبت السوفيات لنفوذهم وفي إيران، وهو ما أقلق بريطانيا والولايات المتحدة الخائفتين على مصالحهما، خاصة بعد أزمة الامتيازات النفطية عام 1944 واشتراك القوات السوفياتية فيها. لذلك، كان لا بد من إيجاد حل للتواجد العسكري السوفياتي، والحل من وجهة نظر حليفي الحرب العالمية والحكومة الإيرانية هو في خروج هذه القوات من الأراضي الإيرانية، وجرت لتحقيق ذلك محاولات ومبادرات ومؤتمرات عديدة قوبلت جميعها برفض وتجاهل سوفياتي، وبمزيد من المحاولات الرامية لتعزيز النفوذ السوفياتي ودعم المتمردين في بعض المناطق الإيرانية، ليحط الخلاف أخيراً في مجلس الأمن مع تقديم إيران شكوى رسمية.

وقد تزامن ذلك مع تردي العلاقات الأميركية السوفياتية على خلفية  رفض واشنطن منح موسكو قروضاً كانت قد وعدت بها، وهو ما اعتبرته موسكو بمنزلة إعلان حرب اقتصادية عليها، لتتالى بعد ذلك التصريحات والمواقف التي زادت في تأزم العلاقات الثنائية بين البلدين، وعلى المستوى الدولي، خاصة مع رفض موسكو الالتزام بمضمون المعاهدة الثلاثية الخاصة بسحب بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لقواتهم من إيران بحلول الثاني من آذار مارس من العام 1946، حيث التزمت لندن وواشنطن، في حين أعلنت موسكو أنها ستسحب قواتها من بعض المناطق وتبقيها في باقي المناطق حتى تتأكد من الموقف. لكن، وبعد معركة دبلوماسية حادة في أروقة الأمم المتحدة، واستغلال رئيس الوزراء الإيراني للرغبة السوفياتية في الحصول على امتيازات نفطية في إيران ومقايضتها بوعد موسكو بالانسحاب من المقاطعات الشمالية، تم الإعلان رسمياً عن انسحاب القوات العسكرية السوفياتية بشكل كامل من إيران منذ التاسع من أيار مايو من العام 1946.

 

 

الجمهوريتان الانفصاليتان

شاه إيران محمد رضا بهلوي مع الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور
شاه إيران محمد رضا بهلوي مع الرئيس الأميركي دوايت أيزنهاور

يبحث الفصل الثالث في أحد أهم ملفات التنافس الأميركي السوفياتي على الأرض الإيرانية، والمتمثل في الجمهوريتين الانفصاليتين اللتين تم الإعلان عنهما في إيران (أذربيجان، مهاباد) بدعم وتدبير سوفياتي. فيستعرض المؤلف بشيء من التفاصيل الجهود السوفياتية التي بذلت لفصل المقاطعتين المذكورتين عن الوطن الأم إيران، واللتين تسكنهما القوميتان الأذرية والكردية، حيث تأتي القومية الأذرية في المرتبة الثانية في التركيبة السكانية لإيران، مشكلة نسبة وقدرها 20%، فيما تشكل القومية الكردية نحو 7%. وما شجع السوفيات على اختيار هاتين القومتين، لتكونا رأس حربة في الضغط على الحكومة الإيرانية، هو أن مناطق توزع هاتين القومتين تمتد بمحاذاة الحدود السوفياتية، وقد عملت موسكو، لتحقيق هدفها هذا، على استغلال جميع الوسائل بدءاً من تواجد قواتها العسكرية وصولاً إلى وسائل الإعلام المسخرة لخدمة أهدافها السياسية.

وتؤكد الدراسة أن الهدف الرئيس للسوفيات لم يكن إعطاء هذه القوميات حقوقها، وإنما كان هدفها استخدام الأنظمة التي نصبتها في بعض المقاطعات أداة للضغط على الحكومة الإيرانية المركزية لتحقيق أهداف أخرى لهم في هذا البلد، وبما أن اتفاقية 4 نيسان أبريل 1946 حققت للسوفيات أحد أهدافهم الرئيسية وهو الحصول على امتيازات نفطية في إيران. لذلك سرعان ما تخلى السوفيات عن مسألة الأقليات في الشمال، تاركين حلفاءهما في المقاطعتين في مواجهة مباشرة مع الجيش الإيراني انتهت بسيطرة الأخير على المقاطعتين وإعادتهما إلى سلطة الحكومة الإيرانية. لكن ذلك لا يقلل من حجم الدور الذي لعبته واشنطن في إسقاط هاتين الجمهوريتين الانفصاليتين في الشمال، وقبلها في عملية إعادة تحويل السياسة الإيرانية نحو القوى الغربية بعد أن اتجهت لفترة نحو السوفيات.

 

النفط

برهنت الحرب العالمية الثانية، وبصورة واضحة، على الأهمية الاستراتيجية التي يحظى بها النفط مدنياً وعسكرياً، ولذلك كان من الطبيعي أن يبدي كل من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية وحتى بريطانيا، عناية خاصة بالنفط الإيراني، الذي كان يحتل المرتبة الأولى في منطقة الشرق الأوسط لجهة الإنتاج، والذي قارب آنذاك نحو ثمانية ملايين طن سنوياً، وقد دلت أزمة الامتيازات النفطية في العام 1944 على حجم اهتمام تلك الدول بالنفط الإيراني.

في الفصل الرابع من الكتاب، حاول المؤلف أن يحيط بجميع التطورات المرتبطة بتنافس أو لنقل نزاع القطبين الدوليين للظفر بمكاسب استثمار الثروة النفطية الإيرانية وإبعاد الآخر عنها، إذ بعد نجاح الضغوط السوفياتية في التوقيع مع الحكومة الإيرانية على اتفاقية نفطية في 4 نيسان أبريل 1946 تتضمن تسعة بنود رئيسية، ومحورها الأساسي إنشاء شركة نفطية مشتركة بين البلدين مهمتها استكشاف واستغلال النفط في مقاطعات إيران الشمالية، عملت الولايات المتحدة الأميركية ومعها بريطانيا على إسقاط هذه الاتفاقية، التي تعطي السوفيات فرصة كبيرة للتغلغل الاقتصادي والسياسي، ليس في إيران فقط وإنما في المنطقة، لاسيما وأن ما تضمنته الاتفاقية من مزايا ومكاسب يهدد مصالح الشركات الأميركية والبريطانية، التي كانت لا تعطي الشركات الوطنية في إيران، وفي منطقة الخليج أيضاً، أرباحاً لا تزيد في أفضل الأحوال عن 20%، في حين أن الشركة الإيرانية السوفياتية حددت أرباحاً كبيرة للجانب الإيراني وصلت إلى 40%.

ومرة أخرى نجحت الضغوط والتغلغل الأميركي بمختلف أشكاله، خاصة بعد إسقاط مشروع الجمهوريتين الانفصاليتين، في تحجيم النفوذ السوفياتي وإلغاء الاتفاقية النفطية الموقعة بين موسكو وطهران في العام 1946، وذلك عندما تبنى البرلمان الإيراني المنتخب حديثاً في جلسة له بتاريخ 22 تشرين الأول أكتوبر 1947 مشروعاً جرى إعداده بمساعدة المستشارين الأميركيين، ونص في مادته الأولى على  اعتبار المفاوضات السابقة مع الاتحاد السوفياتي فيما يخص مسألة الامتيازات النفطية باطلة وملغاة، وهو ما تسبب لاحقاً في حدوث تدهور كبير في علاقات البلدين، وظهر ذلك جلياً في التراجع الكبير لحجم التبادل التجاري من 24% في العامين 1945 و1946 إلى 1% لعامي 1947 و1948. 

زياد غصن صحافي سوري.