معالم السياسة الخارجية الأوروبية تجاه الشرق الأوسط

شهد الدور الأوروبي تجاه الشرق الأوسط تراجعاً خلال ثمانينيات القرن العشرين نتيجة لإنقسام الوطن العربي سياسياً واستراتيجياً وتقلب موازين القوى داخل دول أوروبا نفسها.
يضم الاتحاد الأوروبي 28 دولة
يضم الاتحاد الأوروبي 28 دولة

يحاول عبدالعزيز أحمد سعيد في كتابه توضيح السياسة الخارجية الأوروبية تجاه الشرق الأوسط في الفترة المعاصرة وبخاصة قضية الدعم الأوروبي للديمقراطية وحقوق الإنسان في الشرق الأوسط  وقضية الهجرة الشرعية وغير الشرعية إلى دول الإتحاد الأوروبي وموقف الاتحاد الأوروبي من  القضية الفلسطينية وعملية التسوية مع إسرائيل.

وقد خصص الباحث فصلاً عن وثيقة إعلان المسلمين الأوروبيين بعد حوادث الإرهاب التى شهدها الغرب، وذلك رداً على إتهام المسلمين بالإرهاب بعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001 ومذبحة مدريد في مارس آذار 2004 م وتفجيرات لندن يوليو / تموز 2005 م  .

    ويؤكد المؤلف تراجع الدعم الأوروبي للديمقراطية وحقوق الإنسان في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تراجعت الموازنة المخصصة لذلك. ويحلل أسباب ذلك تراجع الدعم السياسي الأوروبي لهذه القضية. وعلى الرغم من زيادة موازنة الجهاز الأوروبي لدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان حيث زاد الدعم من 130 مليون يورو في عام 2007 إلى 145 مليون يورو في عام 2010.

ولكن بالتوازي مع ذلك زاد أيضاً عدد الدول من 29 دولة في عام 2002 إلى 68 دولة عام 2006. وبذلك فقد انخفضت المبالغ المتاحة لكل دولة. وقد خصص لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ما يقرب من تسعة ملايين يورو عام 2009 وهو مبلغ لا يتناسب مع حجم وأهمية هذه المنطقة.

وبرغم استمرارية الدعم لعملية الإصلاح السياسي، فإن البرامج الثنائية ما بين الدول أعضاء الاتحاد الأوروبي ودول المنطقة تبقى محدودة من حيث الحجم والأهداف.

     إن التغير الحالي في طبيعة سياسيات الاتحاد الأوروبي وتراجعه عن دعم الديمقراطية لا يمكن فهمه من خلال دراسة مستويات التمويل وحدها، لأن تراجع الالتزام الأوروبي بالإصلاح يرتبط أساساً بتراجع دعمه السياسي لهذه القضية. فعلى أرض الواقع يؤدى تضارب المصالح بين المسارات المختلفة للسياسة الخارجية الأوروبية عملياً إلى تراجع دعم الاتحاد الأوروبي للديمقراطية وحقوق الإنسان. وبذلك يظهر على الأرض التناقض بين الأهداف المعلنة للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي وسلوكه الفعلي مما يؤدي إلى تراكم الشعور بخيبة الأمل لدى العاملين على دعم الإصلاح السياسي في المنطقة.

وتبرز في هذا الإطار تساؤلات عدة حول أسباب ما يبدو وكأنه عودة إلى السلوك الواقعي في العمل الأوروبي الخارجي ودلالات ذلك فيما يتعلق بالتفاعلات التي تؤثر حالياً في رسم السياسة الخارجية الأوروبية. وأخيراً هل من المتوقع أن يغيّر تطبيق بنود اتفاقية لشبونة عام 2005 التي حددت حجم التعاون الاقتصادي والمالي والإنساني والثقافي والاجتماعي والثقافي في منطقة البحر المتوسط بشكل واضح من الممارسات الأوروبية الحالية في هذا الصدد أم لا؟.

   ويعرض المؤلف السياسة الأوروبية تجاه الهجرة حيث تم تطبيق معاهدة شينغن في 14 حزيران يونيو 1985 وكان هدفها الإلغاء التدريجي للضبط على الحدود المشتركة الأوروبية وتأسيس حرية الحركة لجميع مواطني الدول التي وقعت الإتفاقية بالإضافة إلى تعاون الشرطة والقضاء بين هذه الدول ضمن إطار نظام شينغن للمعلومات (SIS). وفي أكتوبر تشرين الأول 1999، قرر رؤساء دول الاتحاد الأوروبي تبنى سياسة مشتركة للتعامل مع الهجرة من أجل التحكم في تدفق الهجرة القائم على الحاجات الإقتصادية والقدرة على استيعاب المهاجرين الجدد والتكامل معهم مع حماية كاملة للحقوق الأساسية للمواطنيين، وذلك لإدراكهم أن ظاهرة الهجرة تؤثر في التعايش المشترك الآمن للدول الأعضاء.

      


مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية فيديريكا موغريني خلال لقاء مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس
مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية فيديريكا موغريني خلال لقاء مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس
 وتحدث المؤلف عن الهجرة غير الموثقة في المنطقة الأورومتوسطية وحدد ثلاث أصناف للهجرة غير الموثقة، وهم العمال المهاجرون، واللاجئون وهم يأتون بشكل رئيسي من العراق والسودان والصومال وأريتريا، والمهاجرون العابرون وهؤلاء الناس متجهون إلى مناطق أكثر بعداَ كأوروبا أو أميركا الشمالية أو الخليج، إلا أنهم يبقون عند المدخل لأنهم لا يملكون متطلبات ووثائق السفر (الفيزا). وأوضح الباحث أن ما يعرف بثورات "الربيع العربي" أدت إلى ضغط كبير على تدفق الهجرة في المنطقة من تونس وليبيا وسوريا ومصر.

وتبنى مجلس الاتحاد فى 4 و5 نوقمبر تشرين الثاني 2004 برنامج هاغ متعدد السنوات والذي يضع أهدافاً لتقوية الحرية والأمن والعدالة ضمن الأتحاد الأوروبي خلال الفترة ما بين عامي 2005 و2010. وكانت أهداف البرنامج تقوية الحقوق الأساسية للمواطنة وتحديد نهج متوازن للتعامل مع الهجرة وتطوير إدارة متكاملة للحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي وفرض إجراءات لجوء مشتركة وضمان إجراءات وقائية للحصول على العدالة.

    ثم تحدث المؤلف عن محددات السياسة الأوروبية تجاه التسوية الإسرائيلية -  الفلسطينية بعد معاهدة ماستريخت عام 1993. وأوضح أن الاتحاد الأوروبي هو الاسم الجديد الذي أصبح يطلق على السوق الأوروبية المشتركة ابتداء من تشرين الثاني نوفمبر 1993، وذلك بعد دخول معاهدة ماستريخت حيز التنفيذ وذلك للتدليل على دخول حركة الوحدة الأوروبية مرحلة جديدة  لا تقتصر على الاندماج الاقتصادي فحسب. بل تستهدف كذلك المضي قدماً في طريق الوحدة السياسية، ويتطلب ذلك اتخاذ توجهات ومواقف سياسية مشتركة إزاء القضايا الخارجية والداخلية للاتحاد.

ولكن هذا التوحد في المواقف السياسية لا يزال بعيد التحقق مما يفقد الاتحاد ركناً وحدوياً مهماً يتمثل في وجود سياسة خارجية موحدة وقائمة على استقلالية التحرك الدفاعي عن أووربا الموحدة على الرغم من حصول الاتحاد وإلى درجة كبيرة على مقومات الوحدة الاقتصادية والمالية.

وكان الوضع الأوروبي ماثلاً للعيان بالنسبة لقضايا الشرق الأوسط على الرغم من أنه شهد تطوراً متصاعداً بخصوص القضية الفلسطينية منذ بديات التعاون السياسي الأوروبي عام 1969 وصولاً إلى إعلان البندقية في 13 حزيران يونيو 1980 والذي تمت فيه إدانة الأوروبيين للإحتلال الإسرائيلي للأراضى العربية عام 1967، والاعتراف بضرورة إشراك الشعب الفلسطينى وخاصة منظمة التحرير الفلسطينية في مفاوضات السلام في الشرق الأوسط، واستعدادها لضمان أية مفاوضات إقليمية شاملة وبما يضمن حق إسرائيل في البقاء.

ولكن الدور الأوروبي قد شهد تراجعاً خلال الثمانينيات نتيجة لإنقسام الوطن العربي سياسياً واستراتيجياً وتقلب موازين القوى داخل دول أوروبا نفسها، وبسبب عوامل دولية وإقليمية متعددة، كان على رأسها حرب الخليج الثانية، ثم عقد مؤتمر مدريد للسلام 1991، والذي شجّع بروز دور أوروبا أكثر فاعلية تجاه القضية الفلسطينية وبخاصة بعد عقد إتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993.

أخذت ملامح الدور الأوروبي بالتبلور من خلال الحركة الدبلوماسية النشطة التي بدأت في صيف عام 1996 م بين ضفتي المتوسط إذ شهد العديد من العواصم الأوروبية الرئيسية زيارات لعدد من المسؤولين العرب والإسرائيليين. وكذلك شهدت عواصم أطراف عملية التسوسة زيارات لمسؤولين أوروبيين على المستويات كافة، وعلى رأسها زيارة الرئيس الفرنسي جاك شيراك للقدس في أواخر تشرين الأول أوكتوبر 1996، والتي زار فيها الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية في القدس ودعا في خطبته إلى إقامة دولة فلسطينية وفق مبدأ الأرض مقابل السلام، واحترام المؤسسات الديمقراطية في فلسطين وتطوير علاقات ودية مع السلطة الفلسطينية، والتنديد بإقامة المستوطنات الإسرائيلية وأن تكون القدس جزءاً من أية تسوية سلام، وبدء الدعوة العربية المتأخرة لأوروبا بعد خمس سنوات من مؤتمر مدريد 1991 للمشاركة في عملية التسوية ومعارضة إسرائيلية لأي تدخل أوروبي.

 

اجتماع للاتحاد الأوروبي
اجتماع للاتحاد الأوروبي
وقد تزامن ذلك مع طموحات أوروبا الوحدوية، ففي عقد واحد من الزمان انتقلت أوروبا الغربية من مجرد سوق مشتركة تضم عدداً محدودا ًمن الدول  إلى اتحاد فيدرالي يطمح في أن يضم جميع الدول الأوروبية ويحوّل القارة الأوروبية، وفي مدة زمنية قصيرة، إلى ولايات متحدة أوروبية. أي حاولت أوروبا في التسعينيات من القرن العشرين أن تخلق سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة تجاه منطقة الشرق الأوسط، نتيجة أسباب عدة على رأسها أفول نجم الإتحاد السوفياتي وانهيار الكتلة الشرقية وظهور مخاطر جديدة على الأمن والاستقرار الأوروبيين، ومنها الحرب الصغيرة التي وجدت طريقها إلى أوروبا وخاصة في منطقة البلقان، وأيضاً التوترات الأميركية مع العراق وإيران في منطقة الخليج.

وقد سعت أوروبا إلى إحياء عملية السلام بعد تراجع الدور الأميركي وبعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، وشارك الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة وروسيا والأمين العام للأمم المتحدة وضع "خارطة الطريق" للتسوية. ولكن تعنت الجانب الإسرائيلي منع تنفذيها.

ودعم الاتحاد الأوروبي وثيقة جنيف في كانون الأول ديسمبر 2003 وتبّنتها وزارة الخارجية السويسرية، والتي نصت على تسوية شاملة للصراع العربي - الإسرائيلي وإحلال السلام بين الطرفين وقيام علاقات دبلوماسية وطبيعية بين فلسطين وإسرائيل. وتبع ذلك في مواقف عديدة دعم الاتحاد الأوروبي لمطالب السلطة والشعب الفلسطينيين.

وكان الاتحاد الأوروبي أحد المجتمعين في نيويورك في 4/5/2004 لبحث السبل الكفيلة بوضع الآليات الكفيلة بوضع "خارطة الطريق" التي تبنتها الولايات المتحدة الأميركية وعارض الاتحاد الأوروبي بناء الجدار العازل العنصري في الضفة الغربية، وصوتت فرنسا وإسبانيا لصالح قرار يدين اسرائيل لبنائها الجدار العازل. وأيدت مفوضة الاتحاد لشؤون السياسة الخارجية كاثرين أشتون مشروع الرئيس الأميركي باراك أوباما عام 2011 لحل الدولتين إستناداً إلى حدود 1967.

    في نهاية الكتاب عرض المؤلف نص إعلان المسلمين الأوروبيين رداً على إتهام المسلمين بالإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ومذبحة مدريد في مارس آذار 2004 وتفجيرات لندن يوليو/ تموز 2005. وأوضح هذ الإعلان أن المسلمين الأوروبيين يعلنون أن إحساس المسلمين الأوروبيين هو أن أوروبا دار السلام والأمن المبنية على مبدأ العقد الإجتماعي والتي يعيش فيها الفرد ملتزماً بدينه وبالقيم الأوروبية المشتركة، وهي سيادة القانون ومبادئ التسامح وقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحماية المسلمين من كراهية والتطهير العرقي والإبادة، وحق كل إنسان في القيم الضرورية الخمسة (النفس – الدين- العقل – المال – العرض).

كما دعا البيان الإتحاد الأوروبي إلى تطوير المدارس الاسلامية لتعليم المسلمين المولودين في أوروبا حيث أن أوروبا قارة مشتركة للعديد من الأديان، والمسلمون الأوروبيون يحبون الحرية للآخرين، كما يحبونها لأنفسهم ويقدرون المواطنة وحقوق الإنسان في المجتمعات متعددة الثقافات.

الكتاب: السياسة الخارجية الأوروبية تجاه الشرق الأوسط

المؤلف : د. عبدالعزيز  أحمد سعيد محمد

الناشر: مكتبة الوفاء القانونية  الأسكندرية - الطبعة الأولى -  2017

مراجعة: صالح محروس محمد
 

 



كتاب "السياسة الخارجية الأوروبية تجاه الشرق الأوسط" للدكتور عبد العزيز أحمد سعيد محمد
كتاب "السياسة الخارجية الأوروبية تجاه الشرق الأوسط" للدكتور عبد العزيز أحمد سعيد محمد