"عياش".. مغامرة القيم الصّعبة

عياش في الرّواية رهينة لأنه بطل باحث عن القيم بطريقة منحطة، بطل يشبه زمانه، الباحث عن الزيف فيما يظنّ أنه عين الحقيقة.
رواية "عياش" للكاتب المصري أحمد همام
رواية "عياش" للكاتب المصري أحمد همام
 قراءة: وداد طه* 
كيف تتلاءم الرّوح مع هذا العالم؟ سؤال الذّات الذائبة في الكلّي، والغائبة عنه في الوقت عينه، حيث يخلق عالم متفجر هو عالم الرّوائي أوّلاً، والذي يتخفى بشكل أو آخر خلف شخصياته، ليعبّر عن روح الجماعة وعن روحه الرافضة لقيمها أو المتوافقة معها في الوقت عينه. "فالرواية لا تنشأ إلا في عالم متفجّر، شكلها انعكاس لعالم مفكّك، وتطوّرها يرتبط عضويّاً بتاريخ المجتمعات التي نشأت فيها، على حد تعبير أيوب نبيل، في كتابه "نص القارئ المختلف وسيميائية الخطاب النقدي" (مكتبة لبنان ناشرون، ط1، ص 83(. هذا ما نلمحه في رواية أحمد همام، "عياش" الصادرة عن دار الساقي(2917) التي نشعر عند قراءتها بذلك التقهقر التصاعدي للبطل، في سعي للروح إلى القيم والمطلق، ولكنّها قيم مجتمعها المعاصر، المرهون بالوصوليّة والخديعة وانهزام الذات أمام المادة بكل أشكالها.

فعياش في الرّواية رهينة لأنه بطل باحث عن القيم بطريقة منحطة، بطل يشبه زمانه، الباحث عن الزيف فيما يظنّ أنه عين الحقيقة، المتآكل فيما يظنّ أنّه ينتصر ويحيا. عمر عياش بطل الوهم الحاضر، وبذلك يكون الروائي أحمد همام قد نجح في نقل هموم المجتمع المصري المعاصر في البعد العمقي لروايته.

هذا المجتمع هو بدوره رهينة، لأنه قبِل الترهل الأخلاقي، وادعى أنه أرفع مستوى منه فيما كان يتواطأ مع المنحلين إما بالسكوت أو التصفيق. لنوضح ما نذهب إليه، فإنّ أحمد همام الذي يستخدم صيغة ضمير المتكلم حتى ليظن القارئ توحده في الشخصية الرّئيسة، يبدأ روايته التي يُعنون فصولها بحسب الحدث الأكثر أهمية شعورياً بالنسبة إلى البطل، ببيع روحه مقابل المال، "هبوني أموالكم أهبكم روحي". وهو بذلك يشير إلى عمليات بيع وشراء تحصل في الرواية لاحقاً، حيث يبيع البطل روحه لأكثر من طرف من أجل المادة.

  عمر عياش صحافي شاب، متواضع الحال، تتركه أمّه الخمسينية لتحيا مع ابنتها في أميركا، يعمل في شركة للمواد الكيمائية، يملكها مثليّ يسميه عمر عياش "عجميستا"، ينتهك بطلباته المهينة من إعداد القهوة إلى تنظيف المرحاض إلى الرد على البريد، عمر انتهاكاً يسحقه وجودياً لأنه يلغي بتصرفاته حقيقة أنّ عمر جامعي ومثقف وذكي، ويذكره بانسحاقه الرّجولي، لأنّ عمر لم يمارس الجنس في حياته فيما يأتي عجميستا كل يوم برجاله المحبوبين إلى المكتب. هذا الانسحاق يعمل الحقد في قلب عمر فينتقم منه على طريقته، ويجعله يتكبّد فاتورة هاتف عالية، فيما يقدم استقالته ويقرر العودة إلى العمل الصحافي الحر، مراسلاً لبعض المجلات الأدبية، معتمداً على ذكائه للكسب الفوري والسريع. فهو مثلاً قد لا يكتب قصة جديدة، إنما يكتفي باجتزاء مقطع من قديم له ويرسله إلى صحف، يبدو أنّه يلمح إلى سطحيتها في إشارته إلى قدم النصوص واجتزائها. يكاد لا يخلو سطر لا نلمح فيه نقداً للاجتماعي المرتهنة له روح البطل.

ثمّ تتوالى الأحداث اليومية العاديّة المنقولة بلغة الشارع، الشارع العاديّ هو الآخر والبغيض والساذج والإنساني. فيتقدم عمر بطلب عمل إلى إحدى الصّحف ويُقبل كمحرر ديسك مغمور، يقضي أيامه في تصحيح نصوص ساذجة لأشخاص موهومين عن ذواتهم وعن حقيقة الكتابة وغاياتها. لكنّه كان قد أخذ قراره بالإنصات الجيد لصوت حياته، فينتهز كل فرصة لرفع مستوى معيشته، ولا يتوقف عن تلقي الدّعم المادّي من أخته المتزوجة من رجل يعمل في الأمم المتحدة. وهو حين يستدعيه اللواء، وهو شخصية محورية في الرّواية لا نعرف عنها غير أنها تغوص في المكالمات ونحو الأرض لشدة قصرها، وتدير العالم من حولها عبر الهاتف، ودورها جعل الأمن في المؤسسة الصحفيّة مستتبّاً، وطبعاً من خلال تقارير سريّة عن العاملين فيها، أي من خلال الإيقاع بهم، لحساب من؟

بالطبع لا يُصرّح أحمد همام هنا بأن "دود الخل منه وفيه"، وأنّ أصحاب العمل، الذين هم في بعد ما حكام الشعب، يوقعون بمن أتوا بهم لتقديم خدمات كي تنهض الصحيفة، وهو بذلك مجددًا يلمّح إلى ترهل العقلية وكونها سبب موتها واندثارها اللاحق الذي ستأتي به أحداث الرواية.

لا يتورّع عمر عياش عن تقديم تلك التقارير في زملائه، بل على العكس يشعر بلذة الانتصار وينتشي بعدم خوفه من نفاد الجنيهات من محفظته، والأمر سهل للغاية، والجميع يساعد بطريقة أو بأخرى، وعياش بسرعة خاطفة يترقى ليصبح رئيس الصفحة الثقافية، بل وحتى منتدباً لإحدى ورش التطوير في الوزارة، غير مكترث لمصائر أولئك الذين يُفصلون من أعمالهم، ولا حتّى متوقّفاً أو ملمحاً إلى تلك المصائر إلى أن يحين مصيره هو.

ولأنّ لكلّ منّا في صعوده نحو ذاته وإن تقهقراً، خفايا أو نقاط ضعفٍ، فإنّ الحبّ المشوب بشهوة رجل بتول، يكون محورًا آخر من محاور انتقال عياش والرواية نحو بداية النهاية. فنورا، المطلّقة السمراء، والتي حلم بها مراراً بعد أن التقاها في الميدان مرة، تعود لتظهر من جديد بعد انقطاع دام ثلاث سنوات، تتزوج هي خلالها وتنجب، وينزوي هو مع خيالاته في مكتب عجميستا وبيته الشبيه بجحر.

وفيما هو يكتب التقارير ويصعد نجمه، يواصل لقاءاته بنورا والتقرّب منها، إلى أن ترافقه إلى بيته، ويكون بينهما لقاء حميم هو الأوّل له، يخفق فيه بشكل مخزٍ، ما يجعله يخجل من نفسه أمام اكتمال تجربتها وأنوثتها. وفي محاولة لتصحيح صورته وإن بشكل غير واعٍ، يساعدها على العمل معه محررة ديسك في الصحيفة، رغم أنّها سرقته وسلبته كلّ ما يملك بدم بارد مسبقاً، حتى اضطر إلى بيع ما ترسله أخته من محافظ وساعات كي يعيش.

على مقلب آخر من حياة عياش، مقلب قريب من قلبه لأنه مرتبط بالأم، تظهر أمه بصورة امرأة "تكون في جرة وتطلع لبرا" فجأة تتفتح عيناها على أميركا فتُغيّر من سلوكها ولغتها وأفكارها، وتقع في الحب، وتقرر العمل والزّواج، في مفارقة بين ما تفتحه أميركا لامرأة مسنة من فرص للحياة، فرص جديّة قائمة على السعي الجاد القائم على معرفة القدرات، إذ إنها تنوي افتتاح مطعم للأكل العربي هناك، فيما يقبع شابّ ضخم البنية في غرفة تعفّنت بروائح الجثث التي أماتت تقاريره قلوب ومصائر أصحابها.

ظهور أمه يترافق مع طلبها منه أن يتزوج، وبالطبع قلبه مرهون بنورا، أوّل العشق، وتفتح رجولته. كما يترافق مع آلام مميتة في ظهره يتبين أنها ناسور، ويتزامن مع موت زميل له كان قد كتب فيه تقريره الأول.

تُسعفه وتُمرّضه نورا، وتقتله أمّه بمصارحتها له بعزمها على الزّواج من طبيب فلسطيني مقيم في أميركا يكبرها ببضعة أعوام، لكنّه لا يملك أن يرفض، يُعينه على ذلك والد زميله محمد الذي كانت وفاته سبباً في زيارته المتكررة للصّعيد. وهناك فقط نشعر بانسكاب نفسه وارتخائها في الغيط(البستان في اللهجة المصرية)، هناك نشعر أنّ عمر عياش بقلب لا بكرش فقط، يساعده والد محمد على الكثير، بصمته ودموعه وقبوله المبلغ الذي راح عياش يعطيه إياه عند كلّ زيارة.

وفي يوم يطلب منه اللواء تقريراً عن ماركو، زميله في الغرفة نفسها، مسؤول الصفحة القبطية، الذي يكتشف عياش شدّة تكتمه وسرية حركاته، فلا يجد عنه ما يرضي اللواء، فيغضبه ويظهر حجم عياش الضئيل أمام خوفه منه. حتّى أنّ الفرصة التي عاد اللواء ومنحه إياها كي يحصل على معلومات عن ماركو لم تجده نفعاً، ماركو شرنقة، صندوق أسود مغلق على أسرار تحطّمه المدوّي.

فيما عياش منهمك في التخلّص من آلام زواج أمّه ومنشغل بانتظار رد نورا على الزواج منه، ومهموك في آلام الناسور الذي عاد ينخر لحمه ويحزّه، يدوي انفجار في الصحيفة بل في مصر وحتى العالم أجمع، إذ تنشر تقاريره التي كتبها عبر الفيسبوك، وهو مكان افتراضي يستخدمه أحمد همام كثيراً كواقع معيش وينقل لنا أخبار ومحادثات رواده، ما يجعلنا أحياناً نتساءل عن ارتباط ذلك باليومي العياشي والحياة المعاصرة التي يواكبها بأدق تفاصيلها مهما بدت غير متعارف عليها في الأعمال الروائية مسبقاً.

هذا الحدث يقلب حياة عياش البطل المتقهقر نحو ذاته، فنراه ينهزم من جديد ويتقوقع خزياً ورفضاً من الجميع، وهو جميع ليس بريئاً ولكنه رافض للمصارحة ببذاءته وتهتك قيمه، فيكيل الشتائم على أي ضحية لخيانة الذات التي يتعثّر حظها ويفتضح أمرها. فينكره الجميع، فيما آلام ناسوره تتفاقهم وتجعله مجبراً على الإقامة على قفاه، وحين يلجأ إلى الغيط، إلى والد زميله محمد الذي مات في حادثة تدافع لجمهور الزّمالك، يقف والده بهامته ويهوي بيده على وجهه ويرمي في وجهه بحقيقة أنّه كان يعلم منذ البداية. 

عندها يبدأ عالمه الذي كان آخذاً في التصاعد ظاهرياً، بالتقهقر، يهوي على قفاه أمام حقيقة أنّ نورا وللمرة الثانية تستغله، وأنّها على علاقة بماركو، ولعلّها السبب في تسرّب تقاريره السرية إلى العلن.

هكذا ينهار عالم بناه من وهمه عن السعادة، ويجلس في بيته، يعض قماش الشرشف فيما الألم ينخره حتى عظامه، وللمرة الأولى يتوجه خطابه صعوداً نحو الرّب، شاكراً له على لسان شخصية في رواية يلتقطها ليقرأ..."الحضيض الذي يحيا فيه".

هل هو ساذج أبله أم ماكر خبيث أم فطن متحضر يحيا قيم مجتمه من دون أن يرفضها أو يحاول تغييرها، لا يبدو أنّ عيّاش بطل رواية أحمد مجدي همام بطل أسطوري بقدر ما هو إنسان، فهو - إذا أمكننا القول - لا أحد على وجه الخصوص، فكل منا فيه وهو في كلّ منا بطريقة أو بأخرى، فكلنا مرهون بالواقعي حدّ نسيان الروح.



*روائية فلسطينية.