الإرهاب كما يشرحه الطاهر بن جلّون لإبنته

أمام قلق إبنته التي تطالبه ببريق أمل بسيط، يؤكد بن جلون أن الرهان هو على التربية، وذلك على أمل المساهمة في نشأة جيل من الشباب متحرر من الأوهام التي تجعله يصدّق اي شيء.
كتاب "الإرهاب كما نشرحه لأولادنا" للطاهر بن جلّون
كتاب "الإرهاب كما نشرحه لأولادنا" للطاهر بن جلّون
بعد كتابيه "العنصرية كما شرحتها لإبنتي" في العام 1998 و"الإسلام كما شرحته لإبنتي" في العام 2002، الذي جاء كرد فعل على الخلط بين الدين الإسلامي والإرهاب بعد تفجيرات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، واصل صاحب رواية "ليلة القدر"، الروائي المغربي الفرانكوفوني الطاهر بن جلون المقيم في فرنسا، الكتابة في هذا السياق، وأصدر كتاباً جديداً بعنوان "الإرهاب كما نشرحه لأولادنا"، نقله إلى العربية جان هاشم، ونشرته دار الساقي في بيروت أخيراً.

يقول الكاتب إن هدف كتابه هو "تحرير الشباب من الخوف الذي استقر في أوروبا، وفي فرنسا بشكل خاص، منذ العمليات الجهادية الأخيرة التي تعرضت لها"، وذلك عبر "إعادة رسم تاريخ كلمة إرهاب والحقائق التي يعنيها منذ بعض الحلقات الأكثر دموية في التاريخ وصولاً إلى الأصولية الإسلامية التي طغت على أغلب الحوار".

يحاور بن جلون ابنته حول أحداث إرهابية في فرنسا ويتبادلان الرأي استناداً إلى حرية التساؤل لدى فتاة تعيش في مجتمع مفتوح على المعرفة وإلى مسؤولية أب ولد خارج فرنسا وعاش فيها ليصبح واحداً من أدبائها الكبار الذين تمحورت رواياتهم حول الغربة والهجرة ووصف معاناة المهاجرين في أوروبا، وبالأخص منهم المغاربة. ويتجاوز الأب والبنت الوقائع الفرنسية إلى تلك التي تحدث في العالم، خصوصاً في بلاد العرب والمسلمين، وما يرفع من شعارات هناك تستند إلى التاريخ وتلبس لبوس الشريعة.

ويركّز الكاتب - الأب على مراهقة المنضوين في الجماعات الإرهابية الذين يبحثون عن معنى في أوهام تنظيم «داعش». وكثيرون منهم يأتون من بلاد في أوروبا وأميركا وُلدوا فيها وعاشوا التناقضات بين البيت الأبوي المنعزل والمجتمع المفتوح على أسئلة بلا حدود.

ظلت البنت تسأل وتسأل.. والأب يجتهد في الشرح والتحليل بعقلية المستغرب على وزن مستشرق،  لشابة ترعرعت منذ صغرها في فرنسا، غير متنكرة لجذورها برغم أنها مثقلة بكثير من الحيرة. سألت: أعطِني مفهوما للإرهاب، أي فرق بين العنف والإرهاب؟ من أول من مارسه؟ هل يجيز الإسلام الإرهاب؟ ما علاقة الإرهاب بالسياسة؟ هل هناك إرهاب مقبول وإرهاب مذموم؟ من هم هؤلاء الجهاديون؟ ما الذي أفرز ظاهرة «داعش» ؟ كيف يفكر هؤلاء وما الذي يريدونه بالضبط؟ هل هم مجانين؟ لماذا لا يخافون؟ أي قضية يموتون من أجلها؟ ما الذي يجعل شخصاً متعلماً ومثقفاً يلتحق بتنظيم مرعب كهذا؟ لماذا تخاف أوروبا من الإسلام إلى هذه الدرجة؟ ما هي الإسلاموفوبيا؟ ما علاقة الإرهاب بعودة الإسلام بقوة إلى واجهة الحكم والسياسة بعد ثورة الخميني عام 1979؟ ما علاقته بالفكر الوهابي؟ ما خطورة التحاق شباب من المهاجرين العرب في أوروبا بالجهاديين في سوريا والعراق؟ كيف غذّت بعض السياسات الفرنسية الأعمال الإرهابية ضدها وخاصة مع هؤلاء السياسيين الحاليين وتدخلاتهم في إفريقيا، ووقوفهم إلى جانب إسرائيل، وسياساتهم العقيمة تجاه المهاجرين؟.

في هذا الحوار، حرص بن جلون على وضع الإرهاب، بعد أن حدد ملامحه الأساسية، في سياق تاريخي، مستعرضاً أبرز المحطات الإرهابية التي عرفتها الإنسانية، والتي لم يكن للإسلام أو المسلمين علاقة بها. لم يتردد الكاتب في التفريق بين الإرهاب والمقاومة ضد المحتل حيث يسعى كثيرون عن عمد للخلط بينهما. كما لم يغفل الكاتب علاقة بعض هذا الإرهاب بالمظالم الاجتماعية والفقر والبطالة والتهميش في صفوف المهاجرين العرب في أوروبا، وكذلك علاقته بالمظالم القومية والوطنية من خلال قهر الشعوب واحتلال أراضيهم، ولا سيما بالنسبة إلى الفلسطينيين الذين استقرت قضيتهم في وجدان العرب والمسلمين على امتداد عقود.

ويستطرد في نفس الإطار أنه لا يمكن مواجهة الرعب بالرعب، "فرنسا مثلاً دولة قانون"، ولا يمكنها أن تدوس على القانون لمواجهة أناس لا يؤمنون به، معتبراً أن بلوغ الأمر إلى هذا المستوى يحيلنا إلى قانون الغاب.

ويكمل بن جلون إجابته على أسئلة ابنته في محاولة منه لإقناعها برؤيته أن دولة القانون لها طريقتها في مواجهة هذه الإشكالات الكبرى، وإن كان الأمر "صعباً"، فهي تعتمد على "الاستخبارات والمراقبة واليقظة والوقاية"، ولا يمكن بأي من حال من الأحوال أن تساير جماعة أو مجموعة إهاربية في أعمالها الهمجية.

لا يكتفي بن جلون  بتبسيط ماهية الإرهاب وآلياته والطرق المستخدمة من قبل الدول الديمقراطية في مواجهته، وإنما انتقد بطريقة مبطنة دساتير البلدان العربية التي لا تنص على حرية المعتقد والمساواة بين الرجل والمرأة، والدور السلبي الذي لعبه حزب العدالة والتنمية في المغرب بهذا الخصوص عند تحضير الدستور الجديد، فيما أشاد في حديثه لإبنته بنظيره التونسي الذي يضمن الجانبين.

ولا يخفي صاحب كتاب "الإسلام كما شرحته لإبنتي" الحاجة الملحة في قراءة النص القرآني بعين العصر. ويشير في هذا السياق إلى محاولات سابقة لشخصيات معروفة وتحديداً محمد عبده في مصر (1849-1905) وجمال الدين الأفغاني (1838-1897)، وكلاهما حاولا "تحرير النص الديني"، بحسب بن جلون.

ويقدم الكاتب المغربي الفرنسي العديد من النصائح في آخر الكتاب لإبنته، تنسجم مع انتمائها إلى البلدين، وتتناغم مع المبادئ الكونية، فأوصاها بالالتزام بقيم الاحترام والتسامح، وبالاجتهاد في الدراسة، بالمطالعة، والذهاب إلى المسرح، والسفر، والتحلّي بالفضول في اكتشاف الآخرين، مؤكدا أن "الثقافة هي وحدها القادرة على هزم أفكار الإرهاب مهما كان مصدرها".

هذا الكتاب تأكيد على أن بن جلون لم ينسَ الشريحة الاجتماعية التي نذر نفسه من أجل رصد أحوالها منذ أن وطئت أقدامه أرض باريس عام 1971 وهي شريحة الشباب الأفريقي المهاجر إلى أوروبا، رغم أنه لم يتعرض مثلهم للإحباط في بداية حياته الباريسية بسبب وضعه المالي المستقر. فموهبته في الكتابة بالفرنسية قد ساعدته على أن ينشر مقالاته بانتظام في جريدة "لوموند"، وهو ما ضمن له دخلاً ثابتاً ساعده على تأليف روايته الأولى (حرودة) في العام 1973.

ويومذاك استطاع بن جلون من خلال كتاباته اليومية أن يثبت للفرنسيين خلال سنتين فقط من إقامته الباريسية أنه يكتب بلغة فرنسية نقية، الرواية التي حلم الكثير من الكتاب الفرنسيين في كتابتها عن بلاد كانت تقع ضمن جغرافيتهم السياسية، من غير أن يتمكنوا من التسلل إلى روحها المشاغبة. ففي عام 1987 نال جائزة "غونكور" عن روايته (ليلة القدر) التي كان قد كتب قبلها عدداً من الروايات التي أهلته ليكون كاتباً عالمياً. فكانت جائزة غونكور مجرد اعتراف فرنسي بتلك المكانة، وهي مكانة تؤكدها ترجمة رواياته إلى معظم اللغات المرموقة في عالمنا.