رواية "1984": عن العيش في حكم التوليتارية

يحاول الكاتب في الرواية أن يصوّر حياة الشعوب التي تحكمها الحكومة التوليتارية، حيث يعيش الناس كالأموات، يتنفسون ويأكلون ويشربون ويخدمون الحزب فقط.
رواية "1984" للكاتب البريطاني جورج أورويل
رواية "1984" للكاتب البريطاني جورج أورويل

كتب جورج أورويل هذه الرواية في عام 1948 وجاءت تسميتها معكوسة، 1984، كرسالة على أنها نبوءة لحال العالم في القادم من الأعوام إذا ما حكمته وسادت فيه الحكومات الطاغية ذات الأنظمة الشمولية.

يحاول الكاتب في الرواية أن يصوّر حياة الشعوب التي تحكمها الحكومة التوليتارية. والتوليتارية هي نظام سياسي تتبعه الحكومات التي تخشى وعي الشعوب والتي تريد السيطرة والتحكم بأبسط تفاصيل حياة الأفراد من خلال مراقبة طعامهم وشرابهم وعلاقاتهم الاجتماعية وحتى عواطفهم وصولاً إلى أفكارهم. وقد اختار الكاتب لندن كمدينة ليطبق فيها هذا التصور، فصوّرها على أنها مدينة أشباح كئيبة يعيش فيها أفراد مسلوبو الإرادة والكرامة ومجردون من كل المشاعر أو النزعات تحكمهم نزعة الولاء للنظام الحاكم باللاوعي، غير آبهين بظروفهم المعيشية التي وصلت من درجات الانحطاط إلى التعايش مع الروائح الكريهة التي تملأ الجو.

وقد اختار الكاتب رائحة الملفوف المسلوق العفن كمثال عليها. ويكتفي أورويل بتصوير مظاهر الرفاهية الوحيدة في لندن بالمباني الحكومية هرمية الشكل، فكل ما في المدينة ذليل سوى المباني الحكومية الشامخة.

وصف أورويل الحكومة التوليتارية التي تحكم لندن في روايته والتي تتمثل بالحزب الحاكم صاحب الشعارات الثلاث التي عبأها في رؤوس الشعب وهي: "الحرب سلام"، و"الحرية عبودية"، و" الجهل قوة"، وبشخص رمزه أو قائده الذي يسمى "الأخ الأكبر". إلا أنها حكومة زرعت الرعب في نفوس الشعب، من خلال تجريدهم من أي حرية يمكن أن يتمتعوا بها، حيث أنها كانت تزرع شاشات المراقبة في الشوارع والحدائق والأبنية وحتى على السلالم وداخل المنازل وغرف النوم بحيث لا يتمكن الفرد من الإتيان بأية حركة من دون أن تكون تحت مراقبة الحزب الحاكم.

ولأي سبب من الأسباب، كان أي جرم يودي بمرتكبه إلى الاعتقال، فكل شاشة وفي أي مكان كانت دوماً تردد عبارة "الأخ الأكبر يراقبك"، وصورة رئيس الحزب الحاكم "الأخ الأكبر" على كل الشاشات. أما في مجال عمل تلك الحكومة فهو يقتصر على مراقبة الأفراد واعتقالهم وتعذيبهم حتى دون أدنى معرفة للفرد بسبب اعتقاله، فالجرم الوحيد الذي يساق بسببه أي شخص كان جرم الخيانة، وكانت شرطة الفكر هي التي تمارس هذا العمل، كما كانت شرطة الفكر مسؤولة عن مراقبة العلاقات الشخصية للأفراد، حيث كانت أية علاقة اجتماعية أو عاطفية أو جنسية هي جرم قد يودي بصاحبه إلى الاعتقال، وذلك من أجل توفير طاقة الفرد للعمل فقط على خدمة الحزب وأفكاره ومبادئه.

كانت حكومة الحزب القائد مؤلفة من أربع وزارات تتقاسم فيما بينها الجهاز الحكومي، وهي وزارة الحقيقة التي ظاهرياً تختص بالأخبار والثقافة والتسلية والفنون الجميلة، لكن في الحقيقة هي تزوّر الحقائق وتبتدع الأكاذيب، فتقوم بتزوير الماضي أو تخفيه، أو تقوم بتحريف ما جاء في الصحف الأجنبية، أو ما جاء في كتب التاريخ، فتغيّر وتعدل به، وتمزق ما لا تريده أن يصل إلى الناس.

والوزارة الثانية هي وزارة الحب التي تسوم النّاس العذاب، وتناهض العلاقة الجنسيّة بالمطلق وتدعي أنها هي التي تصون القانون والنظام.

والثالثة هي وزارة السلام المختصّة بشؤون الحرب والأسلحة.

أما الوزارة الرابعة فهي وزارة الوفرة التي تُعنى بتجويع النّاس .

كانت سياسة الحزب تفرض على الشعب دوماً الاحتفال بما يسمى "دقيقتان من البغض" أو دقيقتا الكراهية حيث كان يتم عرض شخصية على الشاشات تمثل شخصية "ايمانويل كولدشتاين" عدو الشعب الذي يكرهه الشعب، بحيث أنه خائن للوطن من دون أن يعرفه الشعب، وبالرغم من ذلك يشتمونه ويكرهونه، وهذا أحد الأعراف المفروضة على العامة من ضمن قرابين الطاعة.

ونستون سميث هو الشخصية الرئيسية في الرواية وهو موظف حكومي في وزارة الحقيقة عمره 39 عاماً، فرضت عليه سياسة الحزب الحاكم أن يعيش الحياة الرتيبة التي يعيشها سكان لندن، لذا هو وحيد من دون أصدقاء أو حتى حبيبة، بل كان يكره النساء.

وشخصية ونستون كانت المثال على القلة القليلة من الأفراد الذين يملكون نزعة خجولة خائفة للتمرد، فقد ظهرت هذه النزعة عند سميث عندما ارتكب أول جريمة تُعاقب عليها قوانين الحزب الحاكم وهي شراء كراس وقلم من أجل الكتابة، وذلك لأن القراءة أو الكتابة أو امتلاك أي كتاب سوى كتب الحزب التي تحمل مبادئه جريمة يعاقب عليها القانون. لكن سميث لم يكمل جريمته ولم يتجرأ على كتابة أي فكرة كانت في ذهنه. إلا أن نزعة التمرد لدى سميث بقيت دفينة في داخله من دون أن يتجرأ على البوح بشيء منها أو فعل أي أمر يكشف حقيقة أفكاره. كان يكره حضور عرض "دقيقتا الكراهية"، لكنه مضطر حتى لا تسوقه شرطة الفكر ويعتقل، وكان ونستون يمقت الأخ الكبير ويتقزز من المسيرات وهتافات الحزب والطاعة له.

كشف أمر سميث أحد أفراد الحزب، والذي كان موظفاً في وزارة الحقيقة ويدعى "أوبرين" والذي كان في الوقت ذاته عضواً في التنظيم الداخلي للحزب، حيث استطاع خداع "سميث" وأقنعه بأنه غير مقتنع بمبادئ الحزب حتى أوقع "سميث" وكشف نزعته التمردية.

في هذه الأثناء كان "سميث" قد بدأ علاقة عاطفية سرية مع "جوليا" التي تعمل معه في نفس المكان والتي كانت تحمل ذات نزعة "سميث" التمردية على عكس ما كان يتوقعه منها. فخلال فترة عملهما معاً كان يشعر بكراهية شديدة تجاهها وسبب هذه الكراهية كان ناتجاً عن إعجابه بجمالها وقناعته بأنه لن يتمكن من التقرب منها، لأن هذا ممنوع حسب الأعراف السائدة وسياسة الحزب، إضافة إلى أنها ترتدي "الوشاح القرمزي" الذي يدل على عصبة مناهضة للجنس، حتى أقدمت جوليا على الاعتراف بحبها له من خلال وضع قصاصة ورقية في يده خلسة كتبت عليها "أحبك". فبدأت العلاقة بينهما وتطورت إلى أن استطاعا اللقاء وممارسة كامل تفاصيل العلاقة العاطفية الجميلة.

كان "أوبرين" يورط "سميث" بشتى الوسائل مقنعاً إياه بأن ثورة سوف تقوم ضد الحزب ويقدم له الكتب المناهضة لسياسة الحزب حتى يجرّه وجوليا أكثر، إلى أن انتهى الأمر بهما في السجن الموجود في "وزارة المحبة" نتيجة وشاية "أوبرين" عنهما، حيث تبدأ أشكال التعذيب والإذلال لكل منهما.

وكان المطلوب من "سميث" حتى ينجو من كل هذا العذاب فقط أن يحب "الأخ الأكبر" لكن المحققين كانوا أقنعوه أنهم قادرين على كشف كذبه، وكان "أوبرين" يساهم في تعذيب "سميث" بنفسه واستغل نقاط ضعف "سميث" التي عرفها خلال صداقتهما المزعومة حتى وصل إلى غايته بتحطيم "سميث" بشكل نهائي عندما أحضر قفصاً تملؤه الفئران وأراد وضع رأس "سميث" داخله وهو على علم بشدة خوف "سميث" من الفئران وكرهه لهم، وراح يحكي له كيف ستأكله الفئران، وأوصلت شدة الخوف والهلع "سميث" إلى أن يطلب من "أوبرين" تعذيب حبيبته بدلاً منه وتقديم جوليا طعاماً للفئران عوضاً عنه، عندها أدرك "أوبرين" أنه نجح في وأد كرامة "سميث"، وبالتالي تحول إلى عبد ذليل لم يعد يشكّل أي خطر على الحزب والحكومة و "الأخ الأكبر" وسيكون كباقي الرعاع في البلاد.

أطلق سراح "سميث" و"جوليا"، فخرجا للحياة كالأموات الذين يتنفسون ويأكلون ويشربون ويخدمون الحزب فقط، وتنتهي قصة حبهما وأي نزعة داخلهما للحب أو الحرية، وأقنع "سميث" نفسه بأنه انتصر على نفسه فقد وقع في حب "الأخ الأكبر".