"أمــة مـن الـعباقرة".. صعود الهند العلمي

باتت تجربة الهند النهضوية محل اهتمام الكثير من الباحثين والسياسيين الذين يحاولون أن يسبروا أغوار هذه التجربة الفريدة التي نجحت في المزج بين خصوصية المجتمع المؤمن بالدين والأساطير وبين الانفتاح على الحضارات الأخرى والإيمان بالعلوم والتكنولوجيا، وذلك لخلق تجربة تنموية لها طابعها الهندي الخاص.

كتاب "أمة من العباقرة" للكاتبة أنجيلا سايني
كتاب "أمة من العباقرة" للكاتبة أنجيلا سايني

يتألف كتاب "أمة من العباقرة" للكاتبة البريطانية من أصل هندي أنجيلا سايني من تسعة فصول ويتناول في القسم الأولى كيفية صناعة العلماء والنابغين في الهند، سواء من جانب الدولة، أو من خلال النمط التربوي المجتمعي في الهند وفق خصوصيتها الثقافية.

أما القسم الثاني فيقدم مجالات ذات أهمية استطاع العلماء والمهندسون والمخترعون الهنود فيها تقديم الجديد الذي استفاد منه العالم بأسره، مركزاً على الإلكترونيات، والطب والدواء، وتقنيات الصواريخ.

الكتاب يسرد رحلة المؤلفة الى الهند حيث تركز على دور التنمية البشرية في تجربة الهند النهضوية، لتستكشف فيها مستقبل الهند التكنولوجي والعلمي حيث إلتقت في هذه الرحلة بعدد كبير من المخترعين والمهندسين والعلماء الشبان الذين يساعدون على ولادة القوة العظمى العلمية التالية في العالم، وهي أمة لم تُبنَ على فتح البلاد الأخرى ولا على النفط أو المعادن، بل هي أمة نشأت وترعرعت على عبقرية شعبها العلمية.

الكاتبة أنجيلا سايني هي محررة علمية بريطانية الجنسية، ولدت لأبوين هنديين عام 1980، وحاصلة على درجة الماجستير في العلوم الهندسية من جامعة أوكسفورد البريطانية، كما أنها حائزة على جائزة الكاتب الأوروبي الصغير في مجال العلوم عام 2009.

توضح المؤلفة أنجيلا سايني في كتابها كيف تفسح العلوم القديمة المجال للعلوم الجديدة، وكيف بدأت تكنولوجيا الأثرياء تنتقل الى الفقراء. كما تغوص في أعماق أنفس مواطني الهند المتعطشين للعلم، مستكشفةً الأسباب التي حدت حكومة البلد الأكثر تديّناً على وجه الأرض على الإيمان بالعلوم والتكنولوجيا.

تقول الكاتبة: "يُشتهر الهنود والأفراد ذوو الأصل الهندي -أينما كنا نعيش في هذا العالم- بأنهم محترفون ومجتهدون ومهرة ومجدّون ومهووسون بالحاسوب"، وترد الفضل في ذلك إلى الزعيم التاريخي الهندي جوهر لال نهرو".

والهند التي يقترب عدد سكانها من 1.25 مليار نسمة، وهي ثاني أكبر دول العالم سكانياً بعد الصين، تملك صورة شديدة التناقض، فبينما يوجد فيها أكبر عدد من الأميين في العالم بنسبة 60%، أي أكثر من 700 مليون نسمة، فإنها تعتبر أكبر مصدر للعلماء والمهندسين في العالم. ففي الهند نحو 400 جامعة تقدم لسوق العمل سنويا قرابة مليوني خريج، بينهم 600 ألف مهندس. وهناك نحو 16 معهداً للتقنية تقدم هذا العدد الكبير من المهندسين والعلماء.

من خلال التحقيقات الصحافية التي أجرتها المؤلفة في الهند، يشرح لنا كتاب "أمة من العباقرة" كيف تتمكن أمة روحانية من المواءمة بين روحها والعقلانية. كما يصف الكتاب الشخصيات التي التقت بها المؤلفة وصفاً خارجياً وداخلياً يقوم على التحليل بالإضافة الى وصف الأماكن التي زارتها.

في العام 1881، تم اكتشاف أوراق ممزقة من لحاء شجرة البيتولا عليها مخطوطات تحتوي على رموز غريبة وكان هذا الاكتشاف كتاباً في الرياضيات يسمى "باخشالي" نسبة الى قرية فقيرة في الهند. ونقلت هذه المخطوطة من الهند الى انجلترا وتحديداً وضعت في مكتبة بودليان Bodleian الشهيرة، وتذكر هذه المخطوطة بأن الهند كانت يوماً من الأيام من أهم الأمم العلمية.

كانت أول رحلة هندية الى القمر عام 2008 حيث استطاع المسبار اكتشاف خيوط تدل على احتمال وجود ماء على سطح القمر وتحديداً عن وجود جليد في قاع فوهات على القطب الشمالي للقمر.

كما واصل الهنود نجاحاتهم العلمية في المجال الكيميائي حيث أنتجوا العقاقير التي تنقذ حياة البشر وتُباع في أوروبا. كما أنهم برعوا في مجال علوم الحاسوب وتفوقوا على الأميركيين في إصلاح برمجيات الحاسوب وتصميم الشيفرات البرمجية للشركات الأجنبية في الخارج.

وتعبّر الكاتبة عن إعجابها الكبير بالتطور المفاجئ والسريع الذي أحرزته الهند في المجالات العلمية، وخاصة في مجال العلوم الفضائية، حيث كانت الهند تعاني من الفقر وكانت العلوم الفضائية والسفر الى الفضاء بالنسبة للساسة الهنود هي ترف لا داعي له. ولكن على الرغم من ذلك، تمكنت الهند من إحراز تقدم هام في المجالات العلمية.

يشار إلى أن الدستور الهندي يحتوي على نص قانوني يحث على "أنه يجب على كل مواطن هندي أن يشارك في تنمية الفكر العلمي".

 

الألعاب الذهنية

وجدت الكاتبة أن الهنود يعشقون الألعاب الرياضية الذهنية ويميلون إليها أكثر من ميلهم الى الألعاب الرياضية البدنية. فتذكر أن الهنود يحتلون المرتبة الرابعة على مستوى العالم في الشطرنج، لافتةً إلى أن الهند على الرغم من تعداد سكانها الضخم لم تحرز في تاريخ الألعاب الأولمبية بأكمله سوى عشرين ميدالية. لذلك فإن بعضهم يرى بأن الهند يناسبها الرياضات الذهنية. فبالإضافة الى الشطرنج تنظم الهند مباريات فكرية على مستوى البلاد وهي مسابقات بين المدارس وعبارة عن اختبارات نظرية وتجارب عملية في مجالات الفيزياء والكيمياء والأحياء والرياضيات والفلك. وتحظى هذه المسابقات باهتمام كبير وإقبال شديد. وغالباً ما تحرز الفرق الهندية تفوقاً ونجاحاً في هذا النوع من الرياضات الذهنية.

 

مدينة الالكترونيات

زارت المؤلفة مدينة بنغالورو في جنوب الهند، التي كانت في الماضي مدينة هادئة بمنزلة موطن جذب للمتقاعدين الراغبين في الاستجمام بعيداً عن الضوضاء. ولكن في العشرين سنة الأخيرة، تحوّلت المدينة الى مركز تكنولوجي مهم. ويعيش فيها ثلث العاملين في مجال تكنولوجيا المعلومات في الهند، فضلاً عن رواد علم الفضاء والباحثين في مجال الدفاع والكيميائيين وخبراء التكنولوجية الحيوية، مما جعل المدينة مركزاً تكنولوجياً عالمياً في حد ذاته. ولاحظت المؤلفة أن المدينة تمتلئ بالعباقرة والمليونيرات الجدد، حيث التقت فيها بالملياردير المشهور نارايانا مورثي، وهو مؤسس شركة البرمجيات "إنفوسيس" Infosys ويحظى بشهرة تعادل شهرة بيل غيتس في الولايات المتحدة الأميركية.

وقد تحدث مورثي للمؤلفة عن بداياته وكفاحه حتى وصل الى ما هو عليه من ثراء. وسرد لها قصته مع الاشتراكية التي كان يؤمن بها في شبابه ثم هجرها بعد حادثة سجنه لخمسة أيام في بلغاريا. فهو برغم شخصيته البارزة لم يهجر حياته القديمة تماماً واتخذ طريقاً وسطاً يقع في المنطقة الرمادية بين الزهد والثروة، بين الاشتراكية والرأسمالية، بين المهاتما غاندي وبيل غيتس.

وسألته أنجيلا عن سر نجاح شركته فقال: إنه التواضع الى جانب صفات أخرى تتعلق بالانفتاح على الأفكار الجديدة واحترام الكفاءات والإبداع والسرعة والتميّز في التنفيذ.

ولكن أنجيلا ترى بأن شركته "إنفوسيس" لم تحقق إنجازاً في المجتمع العلمي الدولي، مقارنة بشركة مايكروسوفت فهي تنفق جزءاً بسيطاً من دخلها على البحث والتطوير.

ثم التقت المؤلفة بشخصية أخرى تدعى مانيش جوبتا وهو يشغل منصب مدير معامل IBM وشرح لها بأنه بعد أن كانت الهند دولة شبه اشتراكية، قررت منذ العام 1991 الانفتاح على العالم وجرت خصخصة الشركات الحكومية، بما في ذلك شركات الاتصالات الضخمة والشركات الصناعية العاملة في صناعات الصُلب، مما سمح بالتخلص من كثير من الأمور البيروقراطية الحكومية. وأدى هذا الأمر الى تطور لييرالية الاقتصاد وبالتالي تغيير طريقة التفكير بالنسبة للأجيال الجديدة، التي لديها الرغبة في التفكير والتجريب بصورة مختلفة. كما أن المدرسين أيضاً أصبح لديهم رغبة في دمج التجريب في التفكير.

واعتبرت الباحثة أن كل الشخصيات الذين التقت بهم يتمتعون بالحماسة الشديدة والتفاؤل فيما يتعلق بمستقبل الهند التكنولوجي.

 

الموز طويل الأمد

في هذا الفصل تعرض الكاتبة أنجيلا لزيارتها إلى معهد البحوث النباتية الذي تموّله الحكومة وتبحث مسألة المحاصيل المعدلة وراثياً، وتحديداً البحث حول تطوير نبات الموز لكي لا يتعفن بشكل سريع. وهو النبات الذي يتم استهلاكه بكثرة في الهند نظراً لنوعية الأكل الحار الذي يتناوله الهنود حيث يلعب الموز دوراً في تهدئة المعدة بعد الأكل الحار.

وعن كيفية سير العمل في تطوير الموز طويل الأمد، يجيب أحد الباحثين الذي التقت به أنجيلا سايني بأنه على مدى السنوات السبع الماضية، فإن فريقه البحثي الذي يتكون من 19 باحثاً يرجعون ببحثهم الى الأبحاث العلمية القديمة، لمعرفة أي من جينات نبات الموز مسؤولة عن السمات المختلفة لهذا النبات، ويقومون بمقارنتها مع غيرها من الفواكه، ثم يدرسون كلاً منها على حدة. وقال بأن فريقه البحثي اختبر في هذه الفترة الآلاف من الجينات المحفوظة في مصفوفات المختبر.

 

عربات الآلهة

تسرد أنجيلا سايني في كتابها قصة رجل دين مجهول الشخصية عاش في القرن العشرين حياة زهد وانعزال ونجح في فك شيفرات نصوص الــ"فيدا"Vedas  الدينية، وهي من أقدم الكتب الهندوسية المقدسة، وقد أسمى كتابه فايمنيكا شاسترا. وفي العام 1973 قام أكاديمي هندوسي يدعى جي آر يوسير بترجمة هذه المخطوطة الى اللغة الإنجليزية وقد تحدث في كتابه عن المحاربين القدامى الذين سافروا في مركبات عائمة تعرف بـ"عربات الآلهة". وقد اقترح أن هذه القصة عن المركبات العائمة ليست نسجاً من الخيال بل هي حقيقة لأنه يقول بأن كتاب فايمنيكا شاسترا يحتوي على أوصاف دقيقة لمركبة فضائية كانت موجودة بالفعل منذ آلاف السنين. فهو احتوى على رسومات لطائرات تشبه الغواصة أو السمكة الآلية بالإضافة الى شروح مطولة للمهارات الشخصية التي يحتاج إليها الطيّارون، كما احتوى الكتاب على وصف مفصل لكيفية توليد الكهرباء لتشغيل المولدات الكهربائية التي تدفع الطائرة.

وقد حظيت ترجمة يوسير باهتمام السويد وإيطاليا وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية. كما أنها حظيت باهتمام الحكومة الهندية التي خصصت قطعة أرض لجي آر يوسير حتى يؤسس أكاديمية الأبحاث السنسكريتية، وذلك لكي يتمكن مع فريق من الباحثين بالتعمق في بحث علوم وتكنولوجيا نصوص الـفيدا Vedas. وهذا ما تم بالفعل.

وزارت أنجيلا الأكاديمية بهدف استيضاح كيف يمكن أن يتواءم الدين مع مستقبل الهند العبقري في بلد شديد التديّن حيث يستشير الزعماء السياسيون رجال الدين والحكماء ويحيا المواطنون في تقاليد دينية ومعتقدات خرافية. لكن المؤلفة تعتبر أن العلوم تتعارض مع الخرافة والأساطير.

وقد كشف لها أحد العاملين أن لدى الأكاديمية دليلاً على أن المركبة الجوية جرى إنشاؤها باستخدام مزيج من المعادن المبهمة وغيرها من المكوّنات التي لا تكتشفها أجهزة الرادار، ومن ثم لم يستطع أعداؤهم العثور عليهم. وتأكدت أنجيلا سايني من خلال هذه الزيارة بأن المعتقد الديني له سطوته في الهند حيث اكتشفت بأن الآلاف من الهنود يعتقدون بأن من سبقوهم من الهنود استطاعوا إنشاء الآلات الطائرة منذ خمسة آلاف عام ثم سافروا بها ليلتقوا مخلوقات غريبة على كواكب أخرى.

وأثارت هذه الزيارة مزيداً من التساؤلات لدى المؤلفة، فأرادت أن تتبيّن ما إذا كان هذا الأمر مجرد عقيدة دينية أم هناك شيء متأصل في المجتمع الهندي جعلهم يؤمنون بأن الكتب الدينية شبه العلمية مثل مخطوطة فايمنيكا شاسترا صحيحة فعلاً؟

ولهذا الهدف توجهت الى معهد الأبحاث الشرقية حيث النصوص القديمة التي يرجع تاريخها الى القرن الخامس. والتقت هناك بالدكتور ساتيانارايانا وهو باحث في المعهد وصرّحت له بأنها تبحث عن بعض الأعمال المتعلقة بالعلوم وتتمنى أن تجد بين آلاف المخطوطات المحفوظة في معهد الأبحاث الشرقية ما يفسّر لها أسباب إيمان الباحثين الذين يعودون الى أكاديمية الأبحاث السنسكريتية بأن نصوصهم الدينية مصدراً للعلوم. واكتشفت من خلال هذه الزيارة أن في هذه المخطوطات والمراجع القديمة في الفلك والرياضيات والكيمياء مزجاً بين العلم والدين والعلم الزائف، وأن ما استدعى استغرابها أن حتى الكتب الحديثة التي يعود تاريخها الى فترة حديثة جداً في خمسينيات وستينيات القرن العشرين تتحدث عن علم التنجيم بنفس العبارات التفصيلية التي وردت في المخطوطات القديمة جداً.

بالإضافة الى ذلك، التقت الكاتبة بشخصيات أخرىـ ومنهم المؤرخة والباحثة في معهد الدراسات العليا في جامعة جواهر لال نهرو للبحث في قضية العلاقة المعقدة بين الدين والعلوم في الهند. وقد كشفت لها الباحثة بأن السبب قد يعود الى النظام التعليمي غير المرن حيث تدرس العلوم الهندية بطريقة تشددية قديمة تعتمد على الحفظ وليس على الفهم، وليس فيها أي مكان للفكر الناقد. كما يعود السبب الى سعي الهنود الى إظهار عقيدتهم بأنها متفوقة على الكثيرين.

وكانت آخر مقابلة للكاتبة في هذا السياق مع الدكتور ماثور رامابهادارا شاستري، رئيس وحدة الفيزياء الحيوية الجزيئية في المعهد الهندي للعلوم وهو معروف بمجابهته الخرافات بعلم حقيقي.

وخلصت من لقائها به الى حقيقة أن الهند لا تزال تعيش في أثر الاستعمار والوعي المتردي بالعنصرية والشعور بالدونية الذي نتج عنه، وأن هذا الأمر قد يفسّر الصراع المستمر بين ما هو معاصر وما هو قديم وبين العلم والدين وبين المنطق والخرافة. بالإضافة الى ذلك، أدركت الباحثة أن ذلك هو سبب من الأسباب الكامنة وراء الأفكار الغريبة التي واجهتها في أكاديمية الأبحاث السنسكريتية والتشدد في الالتزام بالشعائر الدينية في المناطق الحضرية.

    


آلة قراءة الأفكار

تتنافس الشركات الأميركية على توظيف المهندسين الهنود
تتنافس الشركات الأميركية على توظيف المهندسين الهنود

 

تدرس المؤلفة في أحد الفصول إمكانية أن يتمكن العباقرة الهنود من إيجاد طريقة لتحقيق مزيد من المنطق والنظام في إدارة شؤون البلاد. وأدركت من خلال لقاءاتها مع العديد من الشخصيات أن بعض أجزاء الهند هشة ضعيفة يسودها الاضطراب وعدم سيادة القانون بسبب قلة أعداد أفراد الشرطة والبطء في النظر في القضايا داخل القضاء، وسوء حال الكثير من الطرقات ووضع الكهرباء المتردي والرعاية الصحية، حيث لا تحظى أي من هذه الأمور بالاهتمام الكافي من قبل الحكومة، وذلك بسبب عدم وصول العلماء الهنود الى ايجاد طريقة لتحقيق مزيد من المنطق في إدارة شؤون البلاد. والسبب تأثير العلوم الزائفة على العلوم الحقيقية، وهذا الأمر لا يمكن أن يحل محل المنطق والعقل والاستنتاج السليم. لذلك ترى الكاتبة أن المؤسسات العلمية في الهند تحتاج الى عقود طويلة لكي تصبح منظمة وقوية كما يجب.

 

العباقرة يسودون

رغم أن البيروقراطية تراجعت قليلاً في الهند، إلا أن الجزء الأكبر من الحكومة الهندية لا يزال مرهقاً بشدة حتى يومنا هذا. فكثير من المدن الهندية تفتقر الى التخطيط السليم بالنسبة لإدارة المدن التي تعاني من العشوائيات ومظاهر سوء التخطيط. لذا فإن التحدي الذي يواجهه مخططو مدينة لافاسا التي قامت المؤلفة بزيارتها حيث قابلت أحد المسؤولين هناك يكمن في خلق مدينة لا تعاني المشكلات التي تم ذكرها آنفاً. والطريقة التي يأملون فيها بتحقيق ذلك تكمن في استبدال البشر البيروقراطيين بالآلات، أي من خلال استخدام تكنولوجيا المعلومات لإنجاز تأمين الرعاية الصحية والتعليم وصولاً الى فرض الضرائب.

كما تتناول المؤلفة المشاكل التي تعاني منها المدن الهندية ومظاهر الفقر الناتجة عن البيروقراطية. لذلك هناك اتجاه بالاعتماد على التكنولوجيا المعلوماتية من خلال اعتماد الحكومة الالكترونية. وعندما تنجح هذه التجربة في المدينة من الممكن أن يتم اعتمادها في جميع أنحاء البلاد.

واكتشفت انجيلا سايني من خلال هذه الزيارة بأن الهند في طريقها الى تحقيق رقمنة المنظومة البيروقراطية أسرع مما يحدث في الكثير من الدول الأكثر تقدماً. وتقول بأن السبب يرجع الى أن التكنولوجيا في الهند أرخص تكلفة وأن مهندسي الحاسب الآلي أو العاملين في القطاع الحكومي شغوفون بالتكنولوجيا. بالإضافة الى ذلك، فإن الحكومة الهندية تحرز نجاحاً فيما فشل فيه الآخرون. فهي بالفعل على وشك أن تصدر بطاقة هوية بيومترية لجميع الراشدين في غضون عامين.

 

العقار المستحيل

في إطار أبحاثها على الطب في الهند، التقت المؤلفة بالطبيب فيراندير شوهان، مدير المركز الدولي للهندسة الوراثية والتقنيات الحيوية، حيث صرّح لها بأن الهند لا تزال تعاني من أمراض مثل الملاريا وشلل الأطفال وحمى الضنك والسل، وهي أمراض لم يعد لها أثر في الغرب. لذلك لم يُعمل على إيجاد عقاقير جديدة لعلاجه. ويبذل الأطباء في الهند جهوداً مضنية لإيجاد حل لهذا الداء وغيره. وأخيراً كشف لها شوهان بأن هناك عقاراً يتم العمل عليه لعلاج السلّ.

والتقت الكاتبة بعضو في الفريق البحثي الذي يعمل في معهد علوم الجينوم والدراسات الحيوية المتكاملة الذي تدعمه الحكومة الهندية والذي يسعى الى إماطة اللثام عن أسرار الجينات الحيوانية. ويعد هذا الفرع من فروع البحث العلمي بكشف مزيد من أسرار الجسم البشري وطرق مقاومته للأمراض مثل السل.

ويقوم هذا المعهد بدراسة علمية حول أسماك الحمار الوحشي والذي يعتبر نموذجاً جيداً بالنسبة للباحثين، لإجراء دراسات عليه وخاصة فيما يتعلق بأمراض البشر، ومنها داء السل على وجه الخصوص. ويعتبر الباحثون أن موطن أصول الجينوم البشري هو جينوم تلك الأسماك.

وخلصت سايني الى أن العلم في الهند غير مقيّد ويتمتع بحرية مقارنة بالعديد من المجتمعات العلمية الأكثر تنظيماً وعراقة، وأن هذه الحرية هي التي تتيح للهنود مجالاً للمخاطرة وتجربة أمور مختلفة.

ولكن على الرغم من ذلك فهناك حقيقة تقول إن عقار السل لم يُخترع بعد برغم كل هذه الأبحاث وكل الحماس الذي تبديه معاهد البحوث العلمية في الهند.

 

قوة العقل

خلال رحلتها لفهم مستقبل "أمة العباقرة" كما وصفت الهند، تتحدث المؤلفة عن زيارتها الى مركز بهابها للبحوث الذريّة في ترومباي. وقد صمم هذا المركز بغرض تقوية الهند بعد الاستقلال من خلال تأسيس جيل محطات الطاقة النووية القوية. وكان من الصعب الحصول على اليورانيوم. ولايزال هناك تسعة عشر مفاعلاً نووياً في الدولة تزوّد بنحو ثلاثة في المائة من القوة الكهرمية. لذا، فإن الدولة لا تزال تعتمد على محطاتها القديمة من الفحم والغاز ومحطات الطاقة الكهرومائية. وحتى اليوم لا تزال الهند تكافح من أجل تلبية احتياجاتها من الكهرباء.

والتقت المؤلفة بفيزيائيين يعملون في مركز بهابها للبحوث الذرية والذي يعمل على رأب الفجوة المتزايدة للطاقة من خلال سعي العلماء الى اختراع نوع جديد تماماً من الطاقة التي تعد بأن تكون أكثر نقاءً وأكثر أماناً وكفاءةً.

ويقوم هذا البحث على تشغيل المفاعل النووي بمادة الثوريوم بدلاً من اليورانيوم حيث يصل مخزون الثوريوم في الهند الى ما لا يقل عن ثمانية أضعاف معدل اليورانيوم.

وذكر الفيزيائيون خلال لقائهم بالكاتبة أن مفاعلات الثوريوم المحلية سوف تكون كبيرة ولكن المؤلفة لمست بأن ليس لديهم مخططات للبنية التحتية تمكنهم من تزويد ملايين البيوت والمدارس بالطاقة وبالتالي إخراج السكان من دائرة الفقر.

 

علم الصواريخ

تتحدث أنجيلا سايني عن زيارتها لمؤتمر العلوم الهندي السابع والتسعين حيث حضرت العديد من المحاضرات وحلقات النقاش، ومنها التي تناولت احتياجات الهند من الطاقة. وتخلص هذه النقاشات الى أن الفحم قد لا يستمر لأكثر من أحد عشر أو اثني عشر عاماً. أما اليورانيوم فسيستمر لبضع سنوات فقط. وبالتالي سيكون على الهند أن تعتمد على مصدرين، أحدهما الطاقة الشمسية والآخر هو عنصر الثوريوم.

كما حضرت جلسة تتحدث عن النباتات الطبية التي تستخدمها المجتمعات القبلية الهندية حيث إدعى أحد الباحثين أن نبتة الإرلتا السرخسية العملاقة مفيدة لعلاج "الجذام والقرحة والسرطان". ورأت المؤلفة أن هذه المحاضرة ومثيلاتها بدت أقرب الى الحماقة.

وتعترف سايني أنه في بداية رحلتها الى الهند وجدت أن هذا النوع من المشاركة بين العلماء الحقيقيين والزائفين غير مفهوم، بيد أنها في نهاية رحلتها آمنت بأن المشهد العلمي الفريد في الهند الذي يجمع بين العبقرية والغرابة ليس أمراً سيئاً برّمته، لأن الأفكار الأكثر حماقة المسموح بها في الهند قد أعطت العلماء والمهندسين حريات فريدة لاستكشاف ما يعتقدون أنه ممكن. ومن دون هذه الحرية، ربما كان من المستحيل على علماء الأحياء إجراء تجربة اكتشاف العقاقير الطبيعية مفتوحة المصدر للحصول على علاج السل، وربما لم يكن بمقدور خبراء الحاسوب في بنغالور إنشاء شركات برمجيات الحاسوب العالمية الخاصة بهم.