حكايات الموت في الرواية العراقية

إختطت الرواية العراقية بعد عام 2003، واقعها الخاص المبني من مجموع المعطيات والمسارات التي ميزت البيئة والمناخات العراقية، فتشكّلت في مفاصلها السردية ملامح هذا الواقع المغاير، تعالجه بشتى الأساليب، والتقانات الفنية، تصوره، وتعيد إنتاجه، وتشرح أسباب ما جرى ويجري فيه بوسائل متنوعة.

 كتاب "تمثلات الموت في الرواية العراقية 2003-2013" للباحث فارس نايف الفايز
كتاب "تمثلات الموت في الرواية العراقية 2003-2013" للباحث فارس نايف الفايز

قراءة: عزيزة السبيني

يستدعي ذكر الموت في ذهن الإنسان أمواجاً متلاطمة من الأفكار والهواجس والتأملات في عوالم محاطة بالأسرار والألغاز، وإذا ما قرر أي كاتب أن يأتي على ذكر الموت في أي باب إبداعي، عليه أن يضع في حساباته الانزلاق بين فكيه، ومعاناة (فوبياه)، ومصارعة أوهامه التي تحط به على تخوم الرعب من المصائر المجهولة، ومكابدة ما ستقوده إليه عنوة مشاعره وأحاسيسه من أخاديد الكآبة وأنفاق الحزن والآلام، ولا أخفيكم بأن هذا ما طغى على مشاعري أثناء قراءتي الكتاب.

يرصد الكاتب فارس نايف الفايز في كتابه هذا ظاهرة الموت في الرواية العراقية، وكيف عبّر عنها الكتاب الرواة، محدداً عشر سنوات زمانية تبدأ من الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003 الذي أباح القتل والدمار معيداً مشاهد ملحمة كربلاء، التي لما تنتهِ بعد، وتنتهي في عام 2013، حيث شهد الوضع الأمني في هذا العام، تدهوراً أودى بحياة المئات من الأشخاص في العديد من المحافظات والمدن العراقية.

وبما أن الموت من القضايا التي تحتم على كل إنسان مواجهتها، والاعتراف بحقيقة وجودها، فإن الموت في العراق - ذلك المكان المثقل بالجراح - اتخذ فيه مسارات مرعبة، بل أصبح مشاعياً وفوضوياً، تفاقمت آثاره على الفرد والمجتمع، ولأن الرواية ابنة الواقع والبيئة، فقد اختطت الرواية العراقية بعد عام 2003، واقعها الخاص المبني من مجموع المعطيات والمسارات التي ميزت البيئة والمناخات العراقية، فتشكّلت في مفاصلها السردية ملامح هذا الواقع المغاير، تعالجه بشتى الأساليب، والتقانات الفنية، (تصوره، وتعيد انتاجه)، وتشرح أسباب ما جرى ويجري فيه بوسائل متنوعة.

 

تمثيلات الموت في المتن الروائي

انتظم الكتاب في ثلاثة فصول كان مداره في الفصل الأول، تمثيلات الموت في المتن الروائي، تناول فيه المؤلف أشكال الموت في الرواية، والمؤديات التي أنتجت تلك الأشكال، وهو في دراسته لم يقتصر على الروايات التي تناولت الموت المادي الفيزيقي، وإنما تناول أيضاً، الروايات التي شملت مظاهر الموت الرمزي والمعنوي. 

 

الموت اضطراراً:

يشير في مقدمة هذا الفصل إلى أن السرديات العراقية، حفلت بأشكال متنوعة لهذا النمط من الموت، الذي يأتي بعوامل متعددة منها:

أولاً: السلطة

يبدأ المؤلف هذا المحور بمقدمة تاريخية عن السلطة، هذه المنظومة الفكرية السياسية، التي استغلت الشعوب على مر التاريخ، ولم يكن العراق بمنأى عن ذلك، وكان نصيبه أعتى سلطة ديكتاتورية في العصر الحديث، وجمهورية جعلت من الخوف جزءاً تكوينياً من مكوّنات الأمة العراقية. وفي رصده للروايات التي تتناول الفعل السلطوي، يبدأ برواية (الطعنة) للكاتب محمود سعيد، التي تتحدث عن معاناة النخبة المثقفة الأكاديمية، التي شكّلت مجتمع الرواية، وهي الفئة التي عانت من بطش السلطة وقهرها وملاحقتها، والتجسس عليها، وانتهاك خصوصيتها، لا لشيء سوى أنها فئة مستقلة، أو لديها بعض الرؤى المختلفة مع السلطة. تقوم أحداث الرواية على خطف الأستاذ الجامعي ودود واغتصاب زوجته، وتنتهي بالتخلي عن الثورة والرفض والاحتجاج.

وعلى المسار نفسه، يرى الكاتب رواية (تل الرؤوس) للروائي سالم حميد، الذي يدخل في عوالم متخمة بالموت، ويسرد فيها من أشكال الاستبداد، ومتواليات الحروب العبثية، ما لا يمكن تصديقه، وتفضي أحداث الرواية إلى موت زوجة المعارض ورضيعها بعد تعرضهما لضرب عشوائي، فتسفر السلطة عن وجهها البشع، وتجعل من الموت مشاعاً، وفرجة تجمع الناس للتجمهر حولها.

كما يشير الكاتب إلى العديد من الروايات التي رصدت مشاهد الموت ذات الجنائز المعلقة إما بالمشانق، أو تلك المثقوبة بالرصاص، لتغدو أرقاماً بائسة يتلفقها الفناء والعدم، ومن هذه الروايات، رواية (دروب الفقدان) لمؤلفها عبد الله صخي، التي انبثق معمارها السردي من إعدام الخوشي (نايف الساعدي)، بحضور الحشود الكبيرة من أبناء مدينته. وكذلك رواية (بوهيميا الخراب)، للرواي صلاح صلاح، إذ يأتي السرد فيها متوتراً بالهزائم، وترفع الستارة عن أحداثها بحمل جنازة السارد نفسه، وهو يتحدث بلغة الكوميديا السوداء عن مشيعيه الذي يشبهون الهياكل المهترئة، لكثرة ما تلقت أنواتهم الموتورة مطارق الفتك والخسران.

 

ثانياً: الحروب

في سياق الحروب، يشير المؤلف إلى تغطية الرواية العراقية ما دار من حروب عربية في هذا العصر، فأنتجت نصوصاً تحاكي حياة الإنسان تحت ظلالها السوداوية، وما يُحسب للرواية العراقية التي تناولت الحرب منذ عام 2003، أنها تجاوزت الكتابة التعبوية، المغلفة بشعارات السلطة، وأكاذيبها وتخلّيها عن طغيان الأيديولوجي، على حساب الفن المعجون بالمأساة الفردية والجماعية والجسدية والروحية. وفي هذا الصدد يشير الكاتب إلى ثلاث روايات هي: الأولى، رواية (المحرقة) للكاتب قاسم محمد عباس، والثانية، رواية (أرصفة الجحيم) للروائي صالح مطروح السعيدي، والرواية الثالثة (خضرقد والعصر الزيتوني) للروائي شاكر نوري. وفي مجمل هذه الأعمال، يشير إلى ما أحدثته الحروب من موت معنوي طال الشخصيات الروائية جميعها بما فيها الشخصيات الثانوية، الأمر الذي ساهم في زعزعة القيم والأفكار وانحطاط المجتمع، وتشتت العائلة، وانتشار حواضن الرذيلة والانحدار والفجور.

 

ثالثاً: الإرهاب

أول ما بدأ فيه المؤلف هو محاولة خجولة ومختصرة لتعريف الإرهاب، لكنه بدون شك لم يستطع الإحاطة بآثار الإرهاب وفظاعته، ومع أن العنف ليس ظاهرة جديدة في العراق، فقد كان موجوداً قبل الاحتلال الأميركي، لكنه في ظل هذا الاحتلال أخذ أبعاداً وسلوكاً آخر مارسته الجماعات التي دعمها بمختلف الوسائل والآليات، هذا الشكل من أشكال العنف لم تتوان الرواية العراقية عن ملاحقته، فتابعته بالوصف والتحليل، وسعت إلى تفسير أسبابه، ومعرفة الجهات التي تديره. ومن الروايات التي قاربت هذه الموضوعة- الإرهاب- تأتي رواية (قيامة بغداد) للكاتبة عالية طالب، ورواية (عجائب بغداد) للروائي وارد بدر سالم، لتأخذا دور الشاهد الحي في بؤرة تكشف كامل المشهد الحقيقي لما جرى في العراق، وما خبأته من أسرار، عبر تقديم الحكاية منذ سقوط النظام العراقي، ودخول قوات الاحتلال الأميركي، وما تبعها من سنوات اكتظت بأحداث لم تلاحقها عدسة الباحث عن الخبايا المتناثرة هنا أو هناك.

 

الموت اختياراً:

تحت هذا العنوان يعرض المؤلف ثلاث ثيمات للموت اختياراً، هي (الانتحار، والشهادة، وأشكال أخرى). في الانتحار يشير إلى تعريف الانتحار، وموقعه في الثقافة الغربية، والثقافة العربية، وموقف الدين، وعلم الاجتماع منه. وفي هذا يعرض أربع روايات هي (سيدات زحل) للروائية لطيفة الديلمي، ورواية (فراسخ لآهات تنتظر)، ورواية (اسم العربة) للكاتب زيد الشهيد، ورواية (أنا والعيون الزجاجية) للكاتبة ملك محمد جودة. تؤشر هذه الروايات على مدى استلاب الحريات، ومسخ الشخصية وإحالتها إلى ميت في الحياة، يكابد موتاً ينسجم ومقاسات السلطة المتفرعنة حتى تنصّب نفسها ليس بديلاً عن الإنسان في تقرير مصيره، وإنما بديلاً عن الإله فتجعل الموت والحياة بأمرها وملك إرادتها!!.

وفي موضوعة الشهادة، يقدم المؤلف أربعة أعمال روائية تختلف في حكايات أبطالها، والأسباب التي دفعتهم إلى الشهادة، هي رواية (مقامات إسماعيل الذبيح) للروائي عبد الخالق الركابي، ورواية (المسالك والمهالك) للكاتب حميد المختار، ورواية (في باطن الجحيم) لسلام إبراهيم، ورواية (راشد يحصد) للكاتب حسن عبد الرزاق.

ومن الأشكال الأخرى للموت، يعرض أعمالاً روائية تناولت موت القيم كرواية (منزل الغياب) للكاتب حميد المختار، ورواية (الحياة لحظة) للروائي شكري كريدي، ورواية (قشور الباذنجان) لعبد الستار ناصر. وهناك أشكال أخرى للموت في الحياة كالسجن والمنفى، وعبّر عن ذلك في روايات (مجانين بوكا)، و(القنافذ في يوم ساخن)، و(تحت سماء كوبنهاغن)، ورواية ( طشاري).

 

دلالة الموت في البنى الروائية

في الفصل الثاني يستعرض الفايز الدلالات والإيحاءات التي ينسجها الموت في تعالقه مع البنى الروائية، وكيف أن الرواي يبث الموت وسط تلك البنى مستثمراً الإمكانات المعبأة في المفهوم ليصل إلى غايات معينة، ولكن بطرائق فنية تتسم بالتجديد والجرعات التجريبية المنفلتة عن التقليدي والنمطي، لشد المتلقي والاستحواذ على ذهنه وإمتاعه بطرق مغايرة.

أولاً: البنية العجائبية

في حديثه عن البنية العجائبية في الرواية العراقية اختار رواية هدية حسين (في الطريق إليهم)، لاستخدامها نمطاً فنياً مغايراً، وظّفت فيه الموت بعوالمه المجهولة التي يتداخل فيها الميثولوجي بالديني بالاجتماعي لتخليق بناء عجائبي يكون رديفاً للواقعي والمعقول في الإدلاء بالمقولات التي تتمثلها الرواية.

وفي رواية (فرانكشتاين في بغداد) للكاتب أحمد سعداوي، يشير المؤلف إلى أجواء السرد العجائبية التي يلجأ إليها الراوي في استثمار الموت، وما يستنبطه من الغموض والاستيهامات الميتافيزيقية لينتج حكاية أخرى تقوم على المراوحة بين السير المألوف والمعتاد لحركة الواقع والأشياء فيه، وبين تجاوز هذا المألوف وخرقه وحقنه بالجرعات العجائبية، توخياً لفهم أعمق لهذا الواقع، وطرح ما يمكن الاتكاء عليه في حركة لإصلاحه وتغييره.

وكذلك الحال بالنسبة لرواية (عجائب بغداد)، إذ تتوالى دراماتيكية المتن الحكائي، وتغوص في لجّة اليوميات المغرقة بالسوداوية لتعلن عنها بمشاهد لا تقف عند حدود العجائب الغاطسة بسريالية الواقع الملطخ بالبشاعة، وإنما تتجاوزها إلى عجائب خيالية تنكص عنها أقصى التصورات والاستيهامات المحلقة في اللامنطق، واللامعقول. كما تطرح رواية (ليلة الهدهد)، للروائي إبراهيم أحمد سؤالها المستفز: لماذا حلَّ في العراق كل هذا الخراب؟ ولماذا وصل الوطن الذي يحمل كل مقومات الخير والجمال إلى هذا التمزق والتردي والشقاء؟

 

ثانياً: البنية التاريخية

في حديثه عن البنية التاريخية يشير الباحث إلى ما قاله الناقد عبد الله إبراهيم، حول تحديث العلاقة بين الرواية والتاريخ، وكذلك الناقد فيصل دراج، في تأكيده على وحدة الغاية بين الرواية التاريخية والرواية. ويشير إلى براعة الروائي في كتابة التاريخ الذي لا يكتبه المؤرخ. وفي هذا السياق يتناول رواية (سيدات زحل)، حيث تنقل الراوية حياة البابلي عن مخطوطة يستودعها عندها عمها العارف المتصوف (قيدار)، أحداثاً تاريخية تصف فيها البدايات الأولى لتأسيس بغداد. وفي هذا استعارة تاريخية، لكن الرواية العراقية لم تكتفِ بالاستعارة التاريخية، أو التضمين لما جرى في الماضي، ونظمه مع نسيجها السردي، ورؤية الحاضر بمرآته، بل اتسمت روايات أخرى بما يمكن أن يطلق عليه التمثيل التاريخي، إذ جعلت من المناخ التاريخي خادماً للدور التمثيلي، واستثمرته كأداة فنية تغطي بها حقبة زمنية محددة، كرواية (الوليمة العارية) لعلي بدر، ورواية (أفراس الأعوام) لزيد الشهيد، ورواية (وأد) لطه حامد الشبيب.

 

ثالثاً: بنية السرد العنكبوتي

يستند المؤلف في هذا المبحث على رؤية لإحدى الدراسات تتحدث عن جماليات السرد النسوي، وأطلقت فيها مصطلح (السرد العنكبوتي)، كتسمية مجازية تتناسب، وما تستهدفه الكاتبة من إنشاء وعي راديكالي مضاد للهيمنة الذكورية. وفي هذا الصدد يتناول رواية (صخرة هيلدا) للروائية هدية حسين، ورواية (زينب وماري وياسمين) لميسلون هادي، ورواية (المحبوبات) لعالية ممدوح، ورواية (عندما تستيقظ الرائحة)، للكاتبة دنى غالي. وجميع هذه الأعمال شكّلت شكلاً من أشكال الانتفاضة والتمرد بوجه ذكورة سائدة ومهيمنة، وتجلى جانب من تلك الانتفاضة والتمرد في لون من السرد تقود فيه حركة الأحداث إلى تهشيم الصورة النمطية للمرأة الضعيفة السلبية، وتمزيق أقنعة الذكورة المزيفة، وقلب الصورة، والوصول إلى مجريات السرد عن طريق قتل الذكر مادياً ومعنوياً، أو فنياً للخروج من قمقم الخنوع.

 

التوظيف الفني للموت في الرواية

في الفصل الثالث يتتبع المؤلف التوظيف الفني للموت وما خلقه من معطيات فنية وجمالية في الرواية، والدماء الجديدة التي يمكن أن يضخها في شرايين العناصر السردية، والجاذبية المترتبة عنها في النص والمناص في الآن ذاته.

 

أولاً: الموت والعتبات (المناص)

يبدأ، كما في فصول الكتاب، بتعريف المفهوم موضوع الدراسة، وهو هنا العتبات، وهي كما في النصوص والدراسات النقدية، مجموع النصوص التي تحيط بمتن الكتاب من جميع جوانبه، مثل العناوين المركزية، والفرعية، والداخلية، واسم المؤلف، واللوحات، والمقدمة والتمهيد، وكل ما يحيط بالنص (المتن).

وفي إشارته إلى العنوان، يرى أن العنوان لا يأتي من فراغ لحظة إطلاقه على النص من قبل المبدع، وإنما هو لحظة مخاض واحدة للنص وله. وفي هذا يستشهد بقول للناقد عبد الرحمن مجيد الربيعي في كتابه (الشاطئ الجديد)، "إن العنوانات (العناوين) الأدبية والروائية منها على وجه الخصوص كي تأخذ مسلكاً تجريبياً في صورها وطبيعة تركيبها، وتنأى عن الأشكال الكلاسيكية في بنائها، وتشكيل بناها السيمائية والشعرية، عليها ألا تدبر عن أنساق مرحلتها الحضارية والثقافية والاجتماعية، وشروطها التاريخية، لأن الأدب يعي دائماً مرحلته".

ويورد الكاتب أسماء بعض الروايات العراقية التي راجت في فترة الحرب العراقية – الإيرانية، مثل رواية (حب وحرب) للروائي خضير عبد الأمير، ورواية (شواطئ الدم، شواطئ الملح) لإبراهيم ناصر. ومن الروايات التي تصدر الموت بلفظه في عنوانها، رواية (الرقص على أكتاف الموت) لعادل عبد الجبار، ورواية (جدد موته مرتين) لحميد الربيعي، ورواية (أموات بغداد) لجمال حسين علي، وغيرها كثير.

أما لوحة الغلاف، فهي العتبة الأولى- حسب المؤلف - التي تصافح بصر المتلقي، وقد تمَّ الارتقاء به من وسيلة تقنية لحفظ الحاملات الطباعية إلى فضاء من المحفزات الخارجية، والموجهات الفنية المساعدة على تلقي المتون، فلم يعد الغلاف مجرد قشرة، أو واجهة تزينية، بل صار يسهم في إضفاء دلالة ما إلى الكتاب، ويشكّل إضافة إلى ما تريد قوله الرواية.

ويأتي التصدير على شكل جمل نثرية أو شعرية، الهدف منها تحفيز ذهن القارئ، وتوجيهه، ورفده بالكلمات الإيحائية لسبر أغوار النص، واستكناه فحواه. وينهي المؤلف العتبات بالبداية أو الاستهلال، معتبراً أن البداية هي العتبة الأولى بعد العنوان للتخيّل، وبناء الإدراك الأولي الذي تنطلق معه الأحاسيس تجاه النص.

 

ثانياً: الموت والمكان

احتل المكان حيزاً واسعاً في الرواية العربية الحديثة، حتى غدا مكوناً أساسياً في السرد الحكائي، وأماكن الموت التي تناولتها المدونة الروائية العراقية، تختلف عن الأماكن التي تناولتها الروايات العربية، فقد أشارت رواية الموت العراقية إلى أمكنة كانت غائبة عن مجمل الأعمال الروائية العربية، فمكان كـ(المشرحة)، يوجز حكاية الكائن الإنساني القائمة بين طرفي الحياة والموت، وكانت مسرحاً لأحداث رواية (مشرحة بغداد)، للروائي برهان شاوي. ورواية (أموات بغداد)، كما يأتي ذكر المشرحة في روايتي (قيامة بغداد) و(عجائب بغداد) من بين الأمكنة التي ينبني فيها الفضاء في الروايتين. 

أما المغتسل، وهو المكان الذي تجري فيه فعاليات الاحتفاء الأخيرة بالإنسان، وتمارس معه طقوس العبور إلى العالم الآخر، فقد حضر في رواية (وحدها شجرة الرمان) للكاتب سنان أنطوان، ورواية (انزياح الحجاب ما بعد الغياب) للروائي جاسم عاصي، ورواية (أموات بغداد).

والمكان الأخير الذي أفادت منه المدونة الروائية العراقية هو المقبرة، وألمحت من خلاله إلى مضامين مختلفة، ففي رواية (على شفا جسد)، تلجأ بطلة الرواية إلى المقبرة هرباً من الضغط النفسي الذي تتعرض له. وفي رواية (في الطريق إليهم) تتحول المقبرة بحجارتها الصامتة إلى عالم يعج بالحياة والدفء. وتمر رواية (قيامة بغداد)، ورواية (طشاري) بومضة سردية سريعة على هذا المكان.

ولم يغفل الكاتب في دراسته الحديث عن الفوارق المتنوعة بين مقابر المسلمين، ومقابر المسيحيين، التي هي فوارق ثقافية تنطوي على رموز، وأبعاد هندسية طوبوغرافية، وفعاليات طقسية شعائرية تتميز بها كل مقبرة عن غيرها، بحسب المكونات الثقافية لمجتمع الموتى الذين يدفنون فيها.

وتأتي الخلاصة، بأن الكاتب الروائي العراقي سعى في أن تكون روايته أو حكايته، غير خاضعة للنظم المقولبة والتقليدية، واستطاع بقدرة فنية عالية من الإفادة من ثيمة الموت، كونها من القضايا الحساسة والأساسية في حياة الإنسان، وتوظيف ما تنطوي عليه فكرة ما بعد الموت بعوالمها المغيبة في طرح نظم من القص تمد القارئ بجرعات من التجديد وفق آليات مغايرة، وغير مباشرة.

 

*كاتبة سورية