كيف يمكن للروائي مارسيل بروست أن يغيّر حياتك؟

كان عزاء بروست في كل معاناته أنّنا "لا نتعلم شيئاً على نحو أمثل فعلياً إلى أن نواجه مشكلة، إلى أن نتألم، إلى أن يمضي أمر بعكس ما نتمناه".فثمة منهجان يمكن للمرء اكتساب الحكمة عبرهما: من دون ألم عبر معلّم أو مع الألم عبر الحياة، والخيار الألميّ أرقى بما لا يقاس.

كتاب "كيف يمكن لبروست أن يغيّر حياتك"
كتاب "كيف يمكن لبروست أن يغيّر حياتك"

قراءة: نور بكري

في العام 1922، واجهت صحيفة "لانترانسيغان" الفرنسية قراءها المشاهير بفرضية انتهاء العالم أو انهيار جزء كبير من القارة سيودي بحياة الملايين، وطلبت منهم الإجابة عن تساؤل بشأن تأثيرها في الناس عند تلقيهم الخبر، والإفصاح عن مخطَّطاتهم للساعة الأخيرة من حياتهم، لتأتي ردود متفاوتة على السيناريو المطروح.

كان أحد الأشخاص الذين شاركوا الصحيفة المتخصصة بالأخبار الاستقصائية بنظرتهم إلى الكارثة المرتقبة، روائياً فرنسياً اختبر تجربة مرهقة على الصعيد الصحي والنفسي، دفعته إلى أن لا يفوّت فرصة يعبّر فيها أنّه على وشك الموت، ويعلنها بقناعة راسخة بين أصدقائه.

أرسل مارسيل بروست إلى الصحيفة يقول:

"أعتقد أنَّ الحياة ستبدو رائعة لنا فجأة.. فكّروا فحسب بكمّ المشاريع والرحلات.. الَّتي تخفيها [الحياة] عنا، وكانت لا مرئية بفعل كسلنا الذي يمعن في تأجيلها باستمرار بسبب ثقته الراسخة بأنه سيفعل ذلك في المستقبل. لكن لو أصبح هذا التهديد مستحيل الوقوع أبداً، لكم ستصبح الحياة جميلة مجدداً! لا تحدث الكارثة، فلا نفعل أياً من تلك المخططات، لأننا سنجد أنفسنا في قلب الحياة الطبيعية مرة أخرى، حيث يقضي التكاسل على الرغبة. ومع هذا، كان يكفي التفكير في أننا بشر، وأن الموت قد يأتي هذا المساء".

ينقل الكاتب السّويسريّ آلان دو بوتون ردّ بروست، إلى جانب بعض الأجوبة "المتناقضة" في مضمونها، وينطلق بعدها في استنطاقه في أسئلة أكثر خصوصية، من خلال إبراز جوانب من علاقاته وظروف حياته ومعاناته، ليستلهم تجربته الشَّخصيّة في كتاب: "كيف يمكن لبروست أن يغير حياتك؟" (دار التنوير، ترجمة يزن الحاج، 2016).

يستهلّ دو بوتون كتابه بالإشارة إلى "تأملات بروست بشأن كيفية العيش"، معتبراً أنّ "الدليل البروستي يومئ إلى أمل في أن يتمكن هذا الموضوع من لفت أنظارنا قليلاً قبل حدوث الدمار الشخصي أو العالمي، وإلى أن بإمكاننا، بالتالي، تعلّم ضبط أولوياتنا". ثم يعقب عليه بالقول: "لو كان الاعتراف بقابليتنا للموت سيشجعنا على إعادة تقييم أولوياتنا، فإنه حري بنا أن نسأل عن ماهية هذه الأولويات".

هل كانت تجارب بروست الشخصية صالحة لتغيير حياة أيّ إنسان؟ نظرة سريعة إلى بعض جوانبها، تشي للوهلة الأولى بخلاف ذلك. كان والده طبيباً ذائع الصيت، وأستاذاً في علم الصّحّة في كلية الطب في باريس، كُرِّم بشأن جهوده وقُلِّد وسام جوقة الشرف برتبة فارس، وكان أخوه جراحاً "عصياً على التدمير". في المقابل، اهتمّ بروست بالأدب، وكانت التجارب المهنية التي خاضها، لا تنبئ بإمكانية حصوله على عمل، إلى أن تشكّلت قناعة بأنه "سيبقى إلى الأبد معتمداً على أموال العائلة لمتابعة شغفه الصبياني وغير المجزي بالأدب".

ولكن معضلة إيجاد عمل لم تكن أقسى التجارب التي عاشها. عانى الروائي الفرنسي طوال حياته نوبات شديدة من الربو تصل إلى عشر مرات يومياً، فضلًا عن السعال الصاخب. مشاكل عسر الهضم التي رافقته في حياته، كانت تحول دون تناوله أكثر من وجبة يومياً، وبشرته شديدة الحساسية منعته من استخدامه الصابون أو الكولونيا أو الكريم، ووُصِفَ بسببها بأنه "رجل ولد بلا جلد".

شعوره بالبرد باستمرار كان يرافقه حتى في فصل الصيف، فكان يرتدي معطفاً وأربع كنزات صوفية لو اضطر إلى الخروج من المنزل! وكان يخشى الفئران أكثر من المدافع. وضعه النفسي أيضًا لم يكن أفضل، لعلّ أبرز مشاكله في هذا المجال، الاضطرابات التي واجهها في علاقاته ورغباته، ولكن رغم كلّ ما ألمّ به من أمراض، كان قادراً على النظر إلى مشاكله على نحو إيجابي: "السعادة جيدة للجسد، ولكن الأسى هو ما ينمّي الذهن".

كان عزاؤه في كل معاناته أنّنا "لا نتعلم شيئاً على نحو أمثل فعلياً إلى أن نواجه مشكلة، إلى أن نتألم، إلى أن يمضي أمر بعكس ما نتمناه". وفي رأيه، ثمة منهجان يمكن للمرء اكتساب الحكمة عبرهما: من دون ألم عبر معلّم أو مع الألم عبر الحياة، وكان يؤكّد دوماً أنَّ الخيار الألميّ أرقى بما لا يقاس، وأنّ "أفضل فرصنا في الرضا تكمن في تلقّف الحكمة التي تقدم لنا بصيغة مرمّزة عبر سعالنا وحساسياتنا وزلاتنا الاجتماعية".

لطالما حاجج بقوة بأن الكتب لا الحيوات هي ما تهمّ. لم يكن مستغرباً بعد الاطلاع على معاناته سبب حرصه على هذه الفكرة. نشر بروست بين العام 1913 والعام 1927، روايته "البحث عن الزمن المفقود" التي تجيب "ولو على نحو استطرادي وسرد شديد التعقيد، على سؤال لا يختلف عن السؤال الذي أثارته تنبؤات العالم الأميركي"، وتحيلنا، بحسب دوبوتون، "مباشرة، وبقدر كبير، إلى ثيمة مركزية في الرواية: البحث في الأسباب وراء تبديد وضياع الوقت... وكيفية كبح إضاعة الوقت والبدء في تقدير الحياة".

كانت روايته، بأجزائها السبعة، تتسم بطول جملها. لم يكن يتوانى عن فرد صفحات يصف فيها تقلّبه في السرير مثلًا. كلّ الناشرين الذين عرض عليهم كتابه، كان ردهم الامتعاض من الإسهاب في الشرح والاستطراد الموجود في صفحاتها. وحده بروست تمسك بروايته، فواجه تلك الادعاءات، ودفع المال مقابل نشرها، وكان وحيداً أيضاً "يستمتع بالندم والاعتذارات المتأسفة التي تدفقت بعد سنوات عدة"، بعد أن أصبح عمله محتفًى به على نحو واسع، يقول دوبوتون.

بروست الَّذي لطالما فضّل قراءة جدول مواعيد رحلات القطار عندما يعجز عن النّوم، كان يرى أنَّ "كلّ قارئ، حين يقرأ، يقرأ ذاته. وتقتصر مهمة الكاتب على كونها نوعاً من الأداة البصرية التي يقدمها إلى القارئ، ليمكّنه من تبيُّن ما لم يكن ليعايشه بنفسه ربما لولا هذا الكتاب، وأن إدراك القارئ لما هو موجود في ذاته من مقولات الكتاب هو البرهان على صلاحيته".

ولكن لمَ يسعى القراء أن يكونوا قراء ذواتهم؟ يردّ دو بوتون: "إحدى الإجابات هي أنَّ هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن للفن فيها أن يؤثر على نحو أمثل، بدلاً من الاقتصار على إلهائنا عن الحياة...  وحالما ننهي الكتاب ونتابع حياتنا، قد ننجذب إلى الأشياء ذاتها تماماً التي كان المؤلّف سيستجيب لها لو أنّه كان برفقتنا".

كان بروست يستطيع أن يكتب مقالة من خمس صفحات ليضع جريمة قتل وردت ضمن خبر موجز، في سياق أكبر، متناولاً إياها كتجسيد لمظهر تراجيدي من الطبيعية. يشير دو بوتون إلى عدم وجود صلة بين تأكيد بروست عظمة الأشياء والميزة الواضحة لموضوعها الأساسي، ولكنها شديدة الارتباط بالمعالجة اللاحقة لذلك الموضوع. وكذا ادعاؤه المرافق بأن كل شيء يصلح لأن يكون موضوعاً خصباً في الفنّ، وأن بإمكاننا التقاط اكتشافات بالقدر ذاته من الأهمية، سواء كانت في إعلان عن الصابون أو في أفكار العالم باسكال، ذلك أنّ إعلان الصابون، في رأيه، يمكن أن يكون نقطة انطلاق للأفكار التي قد تتشكف بكونها ليست أقل أهمية من تلك الأفكار المدهشة بارعة الصياغة في كتاب باسكال. ولذلك، يرى دو بوتون أنّ بروست "شخص يمكن أن يعول عليه لتحفيز حماس لأشياء تتنافى بوضوح مع الفن العظيم".

يأتي المؤلف على ذكر تجربة الروائي الفرنسي في مساعدة شاب مكتئب ومحبط من ظروف حياته. كتب يومها مقالة يتخيل فيها الشاب في زيارة إلى متحف، يشاهد خلالها أعمال فنان (جان باتيست شاردان) يحبّ تصوير مشاهد عادية، لركوة القهوة والسكاكين وشرائح اللحم، ولكنها ناجحة في أن تكون موحية وساحرة، ذلك أنه كان يريد أن يبيِّن له أن نمط البيئة التي يعيش فيها يمكن أن يمتلك كثيراً من مواطن السحر. المقالة رُفضت، ولكنَّ بروست كان يريد منها الحثّ على إسباغ القيمة الصحيحة على الأشياء، وبالتالي مراجعة أفكار بعينها عن الحياة الجيّدة، كانت تجازف بالتسبب بإهمال مجحف لبعض المشاهد، وحماسة موجهة على نحو خاطئ إلى أخرى.

يوضح دو بوتون أنّ بروست كان يضمر أنَّ إحساسنا بالجمال ليس جامداً، ويمكن تحريضه على يد الرسامين القادرين عبر لوحاتهم على أن يغرسوا فينا تقديراً لمزايا جمالية كانت مهملة. "إن تقدير جمال الأرغفة اليابسة لا يمنع انجذابنا إلى قصر، ولكن الإخفاق في هذا لا بد من أن يستدعي مساءلة قدرتنا على تقدير الجمال بأسرها!"، يضيف.

القصة إذاً تكمن في "أن تفتح عينيك"! وحين يحثّ بروست على تقدير العالم على نحو أمثل، فهو يذكرنا مراراً وتكراراً بقيمة المشاهد المتواضعة. فهذا التواضع، وفقاً له، سمة مميزة للجمال. يخبرنا دو بوتون أنَّ بروست كان منجذباً إلى حياة التباهي، لكن أمله خاب بهذا البريق بعد أن عرفه.. أدرك أنه أفضل من دونها وهو في منزله، وأن بإمكانه أن يحسّ بالسعادة في تبادل الحديث مع خادمته أكثر من تبادله مع إحدى الأميرات.

صفة التواضع أُسبغت على شخصية بروست نفسه، كما يروي أصدقاؤه. تنقل توصيفاتهم أيضاً أنه كان سخياً غير مبذر. لم يكن يجعل من نفسه محور الحديث، وكان يهتم بالآخرين، ولا ينسى الأمور المهمّة، وكان متحدثاً عظيماً. وظهر إجماع تقريباً على أنّه كان مثالاً للرفقة الطيّبة، وتجسيداً لكلّ فضيلة من فضائل الصداقة.

ولكنّ بروست كان يمتلك أفكاراً صريحة تماماً عن الناس، وإن كانت قاسية، فكان يخشى على فرصه في بقاء أصدقائه لو خطر يوماً التعبير عن أفكاره السلبية تجاههم، ولا سيما أنه كان يقدم نقداً لاذعاً أحياناً لبعض الكتب التي ترسل إليه. من هنا، كانت أولويّته في كل مواجهة، ضمان أنه سيحب، يُتذكر، ويُذكر بالخير، ولذلك، كان بارعاً في فن اكتساب الأصدقاء: "لم يكن يكتفي بإذهال مضيفيه ومضيفاته بعبارات المجاملة، بل كان يتكلَّف عناء إغراقهم بالزهور والهدايا الثمينة"، يقول أحد أصدقائه. وكان يبالغ في تهذيبه في بعض الأحيان، كي يضمن المحبة.

ورغم ذلك، ينقل دو بوتون على لسان بروست آراء في الصّداقة تنبئ برؤية سوداوية ومثيرة للاستغراب: الصداقة جهد ضحل.. الصداقة في نهاية المطاف ليست أكثر من كذبة! كان يتحدى جميع الإدعاءات المترسخة تدريجياً باسم الصداقة، "لعلّ أكثرها جوهرية هو الادعاء بأن أصدقاءنا يمنحوننا فرصة للتعبير عن أعمق نقطة من ذاتنا، وأن الأحاديث التي نتبادلها معهم هي بمثابة منبر حصري نعبّر فيه عن أفكارنا بصدق"، يشرح دوبوتون وجهة نظر بروست، ويخبرنا أيضاً أنّ مواجهة تلك الادعاءات لم تكن نابعة من خيبة أمل مرة من جحود أصدقائه، فالمشكلة كانت أكثر شمولاً، بحسب تعبيره. كانت متأصلة في فكرة الصداقة، وستبقى حاضرة، حتى لو سنحت له الفرصة لمشاركة أفكاره مع أفضل عقول عصره.

شبَّه بروست الصداقة بالقراءة، لأن النشاطين يستلزمان الاجتماع مع الآخرين، ولكنَّه أضاف أنَّ للقراءة ميزة جوهرية.. هي أنه يمكننا تجاهل الكتب عندما نشاء، أو أن نبدي الملل، أو أن نختصر حواراً كلما دعت الضرورة، في حين يتعارض مشروع ضمان المحبة مع مشروع التعبير عن أنفسنا بصدق.

كان صادقاً بشدة ومحباً بشدة، ولذلك، والكلام يعود إلى دو بوتون، قاد المشروعين المتلازمين إلى نقطة الانهيار، وعبَّر عن مقاربته الخاصة للصداقة، التي كانت تقول إن السعي إلى المحبة والسعي إلى الحقيقة متعارضان جوهرياً. من هنا، كان من الأفضل تداول الأفكار المحرجة، يقول المؤلف، في مكان آخر، في حيّز شخصيّ مخصّص للتحليلات التي تكون جارحة جداً، بحيث لا يمكن مشاركتها مع من تسبب بها. الرسالة التي لا ترسل هي أحد تلك الأمكنة، والرواية مكان آخر أيضاً، يضيف. ثم يقول: "إحدى طرق تناول البحث عن الزمن المفقود، قد تكون اعتبارها رسالة شديدة الطول لم ترسل، علاجاً كاملاً من البرستة، والجانب الوقح من الهدايا المسرفة!".

كانت هذه الرواية العامل الذي أسهم في إكساب بروست شهرة كبيرة، علماً أنَّه وصفها في بعض المناسبات بأنها بائسة ومضلّلة وقبيحة. ورغم أنه كرَّس حياته للأدب، وأمضى سنوات في محاولات كتابة رواية، إلى أن أصدر عمله الأدبي الضخم، فإنّ ذلك لم يمنعه من التساؤل عن مدى الجدّية التي ينبغي لنا أن نأخذ الكتب بها.

 يقول دوبوتون إنه أظهر إدراكاً فريداً لمخاطر أخذ الكتب بجدية كبيرة، أو بالأحرى اعتناق موقف تبجيلي عبودي حيالها، وكان يدعو إلى الترحيب بالتبصرات التي تمنحنا إياها، ولكن من دون التخلي عن استقلاليتنا أو أن نطمس اختلافات حياتنا العاطفية أثناء القراءة، تفادياً لأعراض ميَّزها لدى القارئ شديد التبجيل، هي الخلط بين الكتب والعرافين، والعجز عن الكتابة بعد قراءة كتاب جيد، والتحول إلى عبيد للفن...

وعندما شرع في كتابة روايته، قال بروست يوماً: "لو كان لي أن أتأكّد من أنني سأفعل بكتبي ما كان يفعله أبي مع المرضى". تساءل دو بوتون في كتابه "ما إذا كان يتوقّع فعلياً من أيّة رواية أن تحتوي مزايا علاجية، وما إذا كان بإمكان هذا الجنس الأدبي بذاته أن يقدم راحة أكبر من التي يمكن الحصول عليها من حبة أسبرين!"، ليأتي عمله أجوبة على أسئلة حاول في كتابه أن يستعرض من خلالها بعض تلك "المزايا": كيف تقرأ ذاتك؟ كيف تأخذ وقتك؟ كيف تعاني بنجاح؟ كيف تعبّر عن عواطفك؟ كيف تكون صديقاً جيداً؟ كيف تفتح عينيك؟ كيف تكون سعيداً في الحب؟ كيف تقلّل من أهمية الكتب؟