عن محاولات التقريب بين المذاهب الإسلامية في القرن العشرين

بيّن شيخ الأزهر محمود شلتوت ضرورة إدراج تدريس الفقه الشيعي في كليّة الشريعة وأفتى بجواز الانتقال إلى أيّ مذهب من المذاهب الإسلامية الأخرى.

كتاب "التقريب بين المذاهب الإسلامية في القرن العشرين: الأزهر والتشيّع محاولات وتحفظات"
قراءة: حسن صعب*  
تبرز أهمية هذا الكتاب في الوقت الراهن، بسبب صعود خطاب التحريض المذهبي وتصوير الصراع السياسي الإقليمي والدولي في المنطقة بحسب بعض الإعلام العربي والغربي بأنه "صراع سنّي ـ شيعي” على مستوى المنطقة عموماً.

يحدّد المؤلّف وهو الباحث الألماني راينر برانر هدف كتابه في المقدّمة الموسّعة التي وضعها (المجادلة حول التاريخ الصحيح) باختطاط جذور الجدال الإسلامي ـ الإسلامي ومساره في القرن العشرين، وفي قلبه تقلّبات العلاقة بين جامعة الأزهر في القاهرة، حيث زخم العلم عند أهل السنّة إلى يومنا هذا، وبين علماء الشيعة. وهو يشير في هذا السياق إلى جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية؛ وهي المؤسسة التي رسمت معالم النقاش المعنيّ بالتقريب على مرّ عقدين اثنين من الزمن، وكانت ولا تزال المؤسسة الوحيدة التي استطاعت القيام بهذا الأمر.

لذا، تشرح الدراسة بإسهاب نشاطات هذه المؤسسة (أنشِئت عام 1947) وتاريخها وعالمها الافتراضي الأصغر الذي استطاعت رسمه بصورة مؤقتة.

وقد عرض الكاتب سيرة شخصيتين محوريتين في حركة التقريب، وهما: العلامة اللبناني الشيخ محمد جواد مغنيّة وشيخ الأزهر المصري محمود شلتوت.

بعد ذلك يعرض المؤلّف لمحطّات من التشظّي الإسلامي، أو الاختلاف السنّي - الشيعي، معتمداً على كتابات وآراء لمفكرين ومؤرخين غربيين ومسلمين، والتي تناولت هذا الشقاق من زاويتين: تاريخية - سياسية وفكرية - فقهية، انطلاقاً مما حصل بعد وفاة النبي محمد(ص) والخلاف على خلافته، ليتحدث بعدها عن مسائل وقضايا عقيدية وجوهرية بالنسبة لأتباع المذهبين السنّي والشيعي، والتي باعدت ولا تزال بينهما حتى اليوم، مثل مسألة الإمامة (عند الشيعة) ومكانة الصحابة وزيارة المقامات المقدّسة والتقيّة وزواج المتعة..

- في الفصل الأول، وعنوانه (المحاولات الأولى الرامية إلى فضّ النزاع)، يوصّف المؤلّف الخلاف القائم بين السنّة والشيعة بأنه أعمق من مجرّد نقاش أكاديمي، فهو في بعض الأحيان مثّل معضلة حقيقية وجودية لدى الأشخاص المتأثرين بها.

لكن، برأيه، من غير الحكمة أن نحصر علاقة السنّة والشيعة بالمناظرات الكلامية والصراعات الدامية. فعلى مرّ قرنين من الزمن عقب الغزو المغولي في القرن الثالث عشر، اتّسمت تلك الحقبة في إيران بالنزعة التوفيقية القريبة مما يمكن أن يُعتبر تسامحاً دينياً.

ويتوقف الباحث عند مرحلة تولّي الصفويين السلطة تحت لواء الشاه إسماعيل، عقب غزو تبريز عام 1501، والذي عنى اعتماد التشيّع تلقائياً، مذهباً رسمياً، ولكن لا على مستوى العامة؛ فإيران في غرّة القرن السادس عشر كانت بلداً ذا أغلبية سنيّة.

وفي ظلّ الحكومة الجديدة نجح علماء الشيعة الإمامية في إعادة رصّ صفوفهم للمرّة الأولى في تاريخهم، من دون خشية من الحكّام السنّة. هذا التماسك الشيعي وازته محاولات من قِبل السلطة للتقريب بين المذاهب الإسلامية، كان أبرزها المؤتمر الذي عقِد زمن نادر شاه، وبطلب منه (في كانون الأول 1743)، بحصور عدد لا بأس به من علماء السنّة وعلماء الشيعة، للبحث في القضايا الخلافية بين الطائفتين.

وبرغم فشل المؤتمر، إلاّ أنّه شكَّل نموذجاً بنّاءً لعلاقة موسومة بالتعقيد ما بين السياسة والدين، لا سيّما وأن التقريب بين المذاهب يتخلّلها؛ وهو المفهوم الذي لم يكن موجوداً حينها بعد..

وبعدما يعرض المؤلّف لمحاولات العديد من كبار علماء الشيعة والسنّة خلال القرن التاسع عشر لتوحيد الطوائف أو المذاهب الإسلامية، والاعتراضات القوية التي واجهت تلك المحاولات، ويلفت إلى القيود التي كبّلت المبادرات التقريبية، وأبرزها العلاقة البيّنة بين التصريحات الفقهية والمشهد السياسي الآني في تلك المرحلة.

- في الفصل الثاني، وعنوانه (إصلاحات الأزهر والتشيّع في غرّة القرن العشرين)، يتحدث المؤلّف باقتضاب عن التغيّرات الجذرية التي طالت علماء الأزهر ومؤسساتهم في القرن التاسع عشر، كنتيجة للمقام الرفيع الذي بلغه هؤلاء العلماء في القرن الثامن عشر، بعد ارتكاسة محدودة لهم زمن محمد علي. فمنذ العام 1870، بدأ العلماء يرون أهمية الإصلاحات في مجالات بحوثهم التقليدية، ونظامهم التعليمي، وتحصيلهم الفقهي، عقب عقود من معارضة هذه الإصلاحات والإحجام عنها.

وقد اتخذ الأزهر في القرن التاسع عشر خطوات عدّة، تمثّلت في مؤتمر الخلافة الذي عقِد عام 1926، وفي إرسال وفود رسمية إلى مختلف الأقطار الإسلامية، وفي إرسال البعثات الدراسية إلى الجامعات الأوروبية، وفي بناء علاقات مع بلدان غير إسلامية..

وقد أرخى الدور الجديد الذي اضطلع به الأزهر بظلاله على علاقة الجامعة بالشيعة أنفسهم، لجهة تلقّف بعض صغار السن من علماء الشيعة ذوي النزعة الإصلاحية لهذه التعديلات، التي طالت رأس الهيكل السنّي الهرمي [كمثال الشيخ محسن شرارة الذي تأثّر بالشيخ محمد عبده منتقداً الفوضى في حوزة النجف، وكذلك حال الشيخ علي الزين في مجلّته المشهورة «العرفان»].

في الفصل الثالث (مراسلة مثيرة للجدل 1911/1946)، يُسهب المؤلّف في تحليل دور العالم (الشيعي) عبد الحسين شرف الدين في إطار الحوارات التي انطلقت بين علماء الشيعة والسنّة؛ وتحديداً من خلال كتابه (المراجعات)؛ وكان عبارة عن مراسلات بينه وبين سليم البشري، شيخ الأهر السابق.

وبعدما عرض لجزء من حياة السيد شرف الدين وتنقّله بين النجف الأشرف واستقراره في منطقة صور في جنوب لبنان، توقف المؤلّف عند زيارة شرف الدين لمصر وإقامته «المريبة» في القاهرة، حيث كانت المراسلات الشهيرة بينه وبين الشيخ البشري، والتي نقّحها السيد بعد طبعها في كتاب «المراجعات» الغامض!

ويحتوي (المراجعات) على 12 مراجعة تتناول تاريخ المذهب الشيعي وقضية شرعية الخلافة السنّية وذلك تحقيقاً لأغراض مذهبية مبطّنة، برأي المؤلّف.

ولأن الطابع العام للمراسلات كان «ذخيرة» في فنّ الجدال والمناظرة مع أهل السنّة، فقد بات شرف الدين سبّاقاً (في حينه) في نحت مفهوم التقريب، علماً بأن «المراجعات» لم يُسهم في انخراطه في دائرة التقريب في القاهرة، مع أن السيد لطالما كان يسعى إلى إنشاء حوار مع علماء سنّة.

في العام 1979، حين انتصرت الثورة الإسلامية الإيرانية، سعت الجمهورية الناشئة إلى إحياء فكرة أو لواء الوحدة الإسلامية، منفّذة عدّة نشاطات تراوحت ما بين أسبوع الوحدة، وصولاً إلى إنشاء مجمع التقريب في العام 1990. ومن ثمّ جرت المناداة بإعادة نموذج عبد الحسين شرف الدين إلى الواجهة..

 

الخلافة والتقريب

 (الخلافة والتقريب: 1924 - 1939/ إبطال الخلافة) هو عنوان الفصل الرابع من الكتاب، ويعرض فيه المؤلّف جزءاً من تداعيات سقوط السلطنة العثمانية، على مستوى نظرية الخلافة التقليدية، وتحديداً لجهة إحياء طرح الوحدة بين السنّة والشيعة..

من ذلك مؤتمر القدس الذي عقِد عام 1931، حيث اجتمع ما يقارب 150 موفداً من ما يربو عن 20 دولة إسلامية، لمناقشة إمكانات التقريب الإسلامي - الإسلامي للمرّة الأولى. لكن هذا المبحث لم يكن مركز اهتمام المؤتمر، الذي كان ردّة فعل على المؤتمر الصهيوني لعام 1929.

بيد أن منظّم المؤتمر، الذي كان مفتي القدس منذ العام 1921، عمد إلى إنشاء أوّل المنتديات التي شكّلت أهمية فعلية لمناقشة التقريب بين المذاهب الإسلامية.

وفي هذا المؤتمر تحدّث محمد رشيد رضا، العالم والناشر اللبناني، باسم السنّة في المناظرة التقريبية، فيما تحدّث العالم العراقي محمد حسين آل كاشف الغطاء، باسم الشيعة. لكن دخول الحركة الوهّابية على خط النزاع السنّي - الشيعي، أثّر سلباً على هذه المحاولة الحوارية، والتي تلتها عدّة محاولات اتخذت مساراً تصعيدياً بين الطائفتين...

وهنا يتوقف المؤلّف عند دور مهم للإمام عبد الكريم الزنجاني، من خلال علاقته الطيّبة بالأزهر في مصر، لا سيّما بشيخها محمد مصطفى المراغي. وهما تمكّنا من تعريف الأصول المشتركة بين الطائفتين، وهي: التوحيد والرسالة (النبوّة) والمعاد. ومن أنكر واحداً منها يكون خارجاً عن الإسلام؛ من دون أن يحلاّ الاختلافات الكبيرة في الفروع.. لكن العلاقة بين العالمين ساءت على خلفية اتهام الزنجاني للمراغي بمحاولة إعادة إحياء الخلافة، تحت غطاء المؤتمرات الحوارية والتقريب بين الطوائف والمذاهب الإسلامية.

 

الفصل الخامس بعنوان (مأسسة الفكر التقريبي - الطلائع الأولى)، يتحدث المؤلّف عن محاولات سنّية وشيعية لمأسسة التقارب بين الطائفتين، والسعي لتحقيق الوحدة الإسلامية؛ بدءاً من جماعة الإخوان المسلمين وجماعات «السلفية الجديدة»، فكان أن أنشِئت «جماعة الأخوّة الإسلامية» في القاهرة في ربيع 1938، بدفعٍ من الدبلوماسي والأستاذ الجامعي عبد الوهّاب عزّام، الذي عُرف عنه دفاعه العلني عن الشيعة في وجه الاتهامات التي كالها كاتب الرحلات الشهير محمد ثابت.

ووازى هذه الجماعة تأسيس "جمعية التقريب بين المذاهب الإسلامية"، بجهود من الشيخ الشيعي الإيراني الشاب محمد تقي قمّي (المقرّب من الشاه محمد رضا بهلوي)، والشيخ السنّي مصطفى عبد الرازق، في العام 1947. وكان شيخا الأزهر اللذان عُيِّنا لاحقاً، عبد المجيد سليم ومحمود شلتوت، من أوائل الذين التحقوا بركب هذه الجماعة منذ بذاياتها.

وبفضل التزام القمّي اللامتناهي، وتعاون عدد مشهور من العلماء من صفوف الأزهر كما لفيف من علماء الشيعة، باتت الجمعية المذكورة أوّل منظمة فعّالة بجدّ في معترك الحوار التقريبي بين المذاهب الإسلامية. وقد شهد كانون الثاني/يناير من العام 1949، أي عقب مرور عامين على تأسيس الجماعة، صدور العدد الأول من مجلّة «رسالة الإسلام»: والتي اعتُبرت الدورية الأولى التي وضعت نصب عينيها هدف الوحدة بين المسلمين، منذ مجلة «العروة الوثقى» التي أصدرها جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده في باريس عام 1884م.

 

حركة التقريب العلمائية

(شبكة حركة التقريب العلمائية - 1947 / 1960)، هو عنوان الفصل السادس من الكتاب، ويعرض فيه المؤلّف لردود فعل البلدان السنيّة (خاصة تركيا والسعودية) وأبرز علماء الشيعة على تأسيس جماعة التقريب، مركّزاً على دور مجمع اللغة العربية في دمشق، ومديره العام محمد كرد علي، وتطور علاقة الجماعة بالأزهر، خلال عهود متتالية وصولاً إلى الشيخ محمود شلتوت.

ويتوقف المؤلّف باهتمام عند الشيخ محمد أبو زهرة، القاضي والأستاذ في القانون الإسلامي في جامعة القاهرة، والذي كتب في قضايا إسلامية عديدة، ومنها التقريب بين المذاهب، حيث عدّ التشيّع مذهباً كباقي المذاهب الإسلامية، مع دعوته إلى بناء جامعة إسلامية (وليس دولة إسلامية متجانسة) تتعاون فيها الدول ذات السيادة، ومؤكداً رفضه توحيد المذاهب الفقهية التي ليست ملازمة للطوائف..

أما لدى علماء الشيعة، فكانت ردود فعلهم أو مواقفهم أقلّ حماسة أو تأثيراً من أقرانهم السنّة داخل جماعة التقريب. ويذكر المؤلّف من هؤلاء آية الله البروجردي (من إيران) ومحمد حسين آل كاشف الغطاء (من العراق)، والذي كتب في ثنايا «رسالة الإسلام» التابعة لجماعة التقريب، والشيخ محمد جواد مغنيّة، الذي كان يواظب على الكتابة في «رسالة الإسلام» منذ بداية عام 1950، وهو العام الثاني من عمر المجلّة.

وقد أبدى مغنيّة اهتماماً بالغاً في بناء علاقات بين الشيعة والأزهر، مع متابعته عن كثب تطوّر الجامعة، فكان يبدي آراءه النقدية، أحياناً، بعيداً عن التجريح والإهانة؛ وهو كان على تواصل مع الشيخ محمود شلتوت3، حيث أثنى مغنيّة على التزامه غير المنقطع بمسألة التقريب بين المسلمين.

في الفصل السابع، وعنوانه (نطاق النقاش التقريبي وحدوده)، يتعرض المؤلّف لمساعي جماعة التقريب لتفادي الخلافات الأساسية بين السنّة والشيعة، وكيفية معالجة التاريخ الإسلامي «بالطريقة المناسبة»، وذلك عبر مجلة «رسالة الإسلام» على وجه الخصوص، والتي رفضت إعطاء حيّز للمجادلات أو الأسئلة ذات الطابع الفقهي الخلافي..

وقد أبرزت «رسالة الإسلام» في بعض الفترات أفكاراً وكتابات لعلماء شيعة دافعوا من خلالها «بموضوعية» عن المذهب الشيعي، مبّينين قوّة أدلّتهم وتهافت مزاعم خصومهم في عدّة قضايا مهمة، والأهم موقعية الإمامة في المذهب الشيعي، مع توضيح فكرة الشيعة التي ترفض تكفير أيّ مسلم لا يعتقد بهذه النظرية.

لذا، لجأ كتّاب مجلة «رسالة الإسلام»، الملتزمون بمفهوم التقريب، إلى جملة من الاستدلالات المتكرّرة وشبه الموحّدة في مطاوي المجلة، وأهمها: التشديد على سماحة الإسلام مع أهل الأديان الأخرى؛ والتأكيد على أن القضية هي التقريب بين المذاهب الإسلامية حصراً، لا توحيدها؛ والتشديد على ضرورة نشر علوم المذاهب الإسلامية كلّها وعقائدها، كي يتمكن المسلمون من التعرّف إلى المذاهب الأخرى وفقاً لتجربتهم الخاصة بعيداً من لوثة التحامل؛ والمطالبة بالإجماع التام على أصول الدين، وحصر الجدال في فروع الدين وفي الأحكام الفقهية التي يرجع أمرها إلى اجتهاد علماء المذاهب؛ ومساواة الخلاف السنّي - الشيعي مع الاختلاف بين المذاهب السنيّة؛ والفصل التام بين الدين، الذي عليه توافق كامل، وبين السياسة، التي تحمل - وحدها - وزر الشرخ الحاصل بين المسلمين؛ وإلقاء تبعات هذا الشرخ بشكل أساس على المستعمرين وغيرهم من أعداء الإسلام.

في الفصل الثامن (المجادلات والتقريب والسياسة الثورية 1952 - 1957)، يتحدث المؤلّف عن تأصيل التحوّلات السياسية في توجهات الأزهر خلال النصف الأول من القرن العشرين، متوقفاً عند دور محب الدين الخطيب في كبح جماح حركة الإصلاح في الأزهر. فهو كان من أبرز الداعين للسلفية الجديدة الداعية للوهّابية.

ولقد تجذّر في فكر الخطيب معتقدان اثنان، وهما، بلا ريب، سبب كراهيته للتشيع: أوّلهما تمجيد صحابة النبي(ص) كلّهم؛ والثاني الذي شكّل فهمه للتاريخ، تمثّل في القومية العربية التي تعتبر أن العرب هم من أظهر الإسلام للمرّة الأولى وساهموا في نشره. وبهذا اللحاظ، نظر الخطيب إلى التشيّع على أنه انحراف عن صراط الإسلام السوي، فعّلته البيئة الفارسية!

وتطرق الخطيب إلى النادي الذي أسّسه «شاب أنيق» يُدعى محمد تقي القمّي في القاهرة، والذي سمّاه الخطيب، «دار التخريب بين المذاهب». وما من شيء يعكس مدى كره الخطيب لحركة التقريب بين المذاهب الإسلامية أكثر من استخدامه لفظ «تخريب» بدل «تقريب»!

وهنا يشير المؤلّف إلى أن ردود الفعل الشيعية كانت معتدلة ومحدودة إزاء كلّ ما كان يصدره الخطيب وغيره من إصرار واحتدام. لكنّ هذا لا يعني أن الحوار التقريبي لم يكن ذا قيمة حينها، حتى لا يستطيع أيّ عالم مرموق أن يرفع صوته للدفاع عن هذا الحوار، أو أن المجادلات (السنيّة - الشيعية) ما كانت تستقطب جمهوراً..

وفي آخر هذا الفصل يتحدث المؤلّف عما سمّاه (دمج جماعة التقريب في السياسة) في النصف الثاني من العام 1955. فقد آل قمع جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت تحظى بدعم كامل من الأزهر، إلى تخفيف الخطر المحدق بالنظام (في مصر). كما ضعف موقف السلفية الجديدة، ولو مؤقّتاً، بما في ذلك مكانتها في الأزهر نفسه.

وإثر تحوّلين أساسيين حصلا لاحقاً؛ أي إعلاء صوت التقريب بين المذاهب الإسلامية مجدّداً والإصلاح المؤسسي في الأزهر، لمع اسم الشيخ محمود شلتوت.

نجاح الفكر التقريبي وفشله

الفصل التاسع وعنوانه "نجاح الفكر التقريبي وفشله (1958 - 1961)" جاء فيه أنه في التاسع من شهر تشرين الثاني/نوفمبر، عام 1957، عيِّن الشيخ محمود شلتوت وكيلاً للأزهر بمرسوم رئاسي (في عهد الرئيس المصري جمال عبد الناصر). وبالنسبة إلى جماعة التقريب، أعيد بذلك الاعتبار إلى فكر التقريب بين المذاهب في الأزهر عقب هوّة دامت سنين عدّة منذ ولاية عبد المجيد سليم.

ومن خلال مجلة الأزهر (وغيرها) بيّن الشيخ شلتوت ضرورة إدراج تدريس الفقه الشيعي في كليّة الشريعة دائماً، باعتبارها ضمن أكثر المهام إلحاحاً في هذا الاتجاه.. حيث كان الصوت الذي أطلقه شلتوت مدوّياً. وعندما نشرت مجلة «العرفان» (الشيعية) سيرة وجيزة لحياة شلتوت في صفحاتها، كان شيخ الأزهر قد ذهب صيته آنذاك إلى ما بعد حدود مصر بكثير، لا سيّما بين الشيعة. وقد بدا أن مسألة التقريب بين المذاهب أصبحت قضية مركزية بالنسبة إلى الأزهر..

أما أبرز مواقف شلتوت في هذا الاتجاه فكانت إفتاؤه بجواز الانتقال إلى أيّ مذهب من المذاهب الإسلامية الأخرى، فيتشيّع السنّي والعكس، وحلّل هذا الأمر صراحة.

والفتوى الأخرى له هي أنه يجوز التعبّد على مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة. ويرى المؤلف أن الرفض العلمائي والعام (السنّي)، مقابل تأييد شيعي لافت لآراء شلتوت، دفع بخطوته هذه، وبتأثير سياسي مباشر (علاقته بعبد الناصر وعلماء النجف وقم) نحو الفشل مثل خطوات سبقتها وتلتها..!

 

من التقريب إلى التقييد (1962 - 1979)

في الفصل العاشر والأخير من كتابه، يتحدث راينر برانر عن تطوّر علاقات الشيعة بالمملكة السعودية ومصر (السنّيتين)، صعوداً وهبوطاً في السنوات التي سبقت انتصار الثورة الإيرانية في العام 1979، والتي كان لها تأثير مهم في مجال التقريب بين الشيعة والسنّة تحديداً. ويورد الكاتب محطّات عديدة حصلت فيها مؤتمرات ولقاءات وحوارات بين علماء وكبار من المذهبين4، وفي مناسبات مختلفة، حول ذات القضايا التي ظلّت مثارة طوال عقود مضت (التقيّة، عصمة الأئمّة، الإمام المهدي)!

ويتوقف الكاتب هنا عند أغرب ما حصل في تاريخ العلاقات الشيعية - المصرية في القرن العشرين؛ إذ زار إيران في صيف عام 1971 محمد محمد الفحّام، وهو شيخ الأزهر منذ عام 1969. وقد أبدى الأخير منذ تولّيه مشيخة الأزهر، اهتماماً بالوحدة الإسلامية. وبعكس شلتوت، لم يركّز الفحّام على الوحدة مع الشيعة حكراً، بل انضمّ إلى الدعوات المنادية بتوحيد الصفوف قبالة أعداء الخارج المشتركين، وهم الصليبيون سابقاً، وخلفهم المغول، وتبعهم المستعمرون، ولا سيّما «إسرائيل»..

وتجدر الإشارة إلى أن العالم الإسلامي، بشقّيه السنّي والشيعي، لم يعر هذه الزيارة أيّ اهتمام يُذكر؛ وبالتالي لم ينجم عن هذه الزيارة أيّة نتائج.

ويدّعي الكاتب في نهاية هذا الفصل أن الثورة الإسلامية في إيران، التي اندلعت ما بين عامي 1978 و1979، وكذا انقطاع العلاقات الدبلوماسية ما بين إيران ومصر، أدّت إلى حلّ جماعة التقريب بين المذاهب، لينتهي بذلك المجمع الوحيد الذي دعا إلى الوحدة الإسلامية بين أهم طائفتين إسلاميتين، في القرن العشرين!

وفي الخاتمة (استمرار التقريب في القرن الواحد والعشرين)، يتحدث المؤلّف عن تأثير الثورة الإيرانية في مسار محاولات التقريب بين السنّة والشيعة، صعوداً وهبوطاً، مع توقفه عند العلاقة - الصدامية (إجمالاً) - بين السعودية وإيران في السياق السياسي والفكري - المذهبي، وكذلك بين إيران والأزهر في مصر، رغم كلّ المحاولات التي بذِلت.

والذريعة بقيت ولا تزال أن الخلاف بين الفئتين أو الطائفتين الإسلاميتين الأكبر: السنّة والشيعة، هو خلاف عقائدي وسياسي، وأن لا مجال للتوحيد بينهما، فيما وقف الشيعة موقف الدفاع عن أفكارهم وتوضيحها ومواجهة المغالين في صفوفهم، مع الاستمرار في محاولات توحيد أو تقريب الأفكار والطروحات بشأن المسائل الخلافية الرئيسة مع السنّة، من أحقيّة الإمام علي بن أبي طالب في الخلافة بعد وفاة الرسول، إلى مبدأ التقيّة وزيارة القبور والتشفّع بالأولياء وانتظار المخلّص للبشرية في آخر الزمان..

 

-الكتاب: التقريب بين المذاهب الإسلامية في القرن العشرين: الأزهر والتشيّع: محاولات وتحفّظات

 -المؤلّف: راينر برانر 

- الناشر: مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي - بيروت - 2015.

- عدد الصفحات: 646 صفحة من القطع الوسط.


*كاتب لبناني.