"حارس التبغ".. الموسيقار مقتولاً في ثلاث شخصيات!

تحكي رواية "حارس التبغ" حياة كمال مدحت، الموسيقار العراقي الذي وُجِدت جثّته مرمية على مقربة من جسر على نهر دجلة في العام 2006، وتكشف بتقنية تشويقية عن شخصياته الثلاث.

  • رواية "حارس التبغ" للروائي العراقي علي بدر.
يروي علي بدر، في الرواية الصادرة بطبعة جديدة عن دار الرافدين في بيروت، كيف عثر على جثة كمال مدحت الذي خُطِف وقُتِل في العام 2006، مرمية على مقربة من جسر الجمهورية على نهر دجلة، من جهة الرصافة، إذ "كان قد عثر على الجثة بعد أقل من شهر تقريباً على اختطافه، على يد جماعة مسلحة من محل قريب من منزله في مدينة المنصور".

يكشف علي بدر في 357 صفحة عن الشخصيات الثلاث؛ يبدأ التعريف من خلال خبر نشرته صحيفة "التوداي نيوز" الأميركية بعد العثور على جثته في بغداد بخمسة أيام. جاء في الخبر أن الموسيقار العراقي كمال مدحت هو يوسف سامي صالح، من عائلة قوجمان، هرب إلى إيران عن طريق موسكو في العام 1953، بجواز سفر مزوّر باسم حيدر سلمان، وفي طهران تزوج من طاهرة ابنة التاجر الثري إسماعيل الطباطبائي التي ولدت له ابنه حسين، ودخل بغداد مع عائلته في العام 1958، وبقي في بغداد حتى العام 1980 حيث تم تهجيره إلى طهران.

"عاش حيدر سلمان في طهران أكثر من عام لاجئاً، ثم استطاع الهرب إلى دمشق نهاية عام 1981 بجواز عراقي مزور باسم كمال مدحت، وقد بقي في دمشق أقل من عام، تزوج هناك من سيدة عراقية ثرية اسمها نادية العمري، ودخل بغداد أول العام 1982 بجوازه المزور، ولدت له نادية العمري ابنه عمر في بغداد، وفي الثمانينات أصبح أشهر موسيقار في الشرق الأوسط". "حارس التبغ" عنوان مأخوذ من ديوان "دكان التبغ" للشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا. في الديوان ثلاث شخصيات مخترعة مختلفة، كل واحدة منها هي وجه من وجوه بيسوا، مقدماً لكل واحدة منها اسماً خاصاً بها، وعمراً محدداً، وحياة مختلفة، وأفكاراً وقناعات، وملامح مختلفة عن الشخصية الأخرى. وكل مرة يطور شكلاّ للهوية أعمق وأكثر اتساعاً، الشخصية الأولى لحارس القطيع واسمه البرتو كايرو، والثانية للمحروس وهو ريكاردوريس، والثالثة للتبغجي وهو الفارو دي كامبوس.

"في الواقع حين زرت منزل كمال مدحت في المنصور، أثناء التحقيق في مقتله وجدت كتابين، الأول هو مذكرات عازف الفيولون الفرنسي ستيفان غرابيلي، وكتاباً آخر باللغة الإنكليزية، أحمر الغلاف، مرمياً على طاولة صغيرة من خشب الساج في حجرته، وهو ديوان "دكان التبغ" للشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا، وقد علق على القصائد بقلم الرصاص تعليقات وشروحاً كثيرة، وحينما خرجت من المنزل كنت أخذت هذا الكتاب معي، ولم أقلبه أول الأمر، بل وضعته في درج مكتبي إلى اليوم التالي،... لقد أدركت أن في هذا الكتاب الكثير من أسرار حياته، حينها تحولت إلى دراسته وفهمه، لأن فيه إلى حد كبير بعض المفاتيح الأساسية لحل أسرار حياته وألغازه".

تبدأ أحداث الرواية من بغداد، حيث تكلّف الصحيفة الأميركيّة نفسها التي نشرت الخبر، كاتب الرواية، بكتابة تقرير عن الموضوع من بغداد. لكن ينشر التقرير باسم جان بارو أحد مراسلي الصحيفة المهمين، ويكون الأول بمثابة "بلاك رايتر" يأخذ مقابلاً مادياً فقط، وهذه طريقة تلجأ إليها الوكالات الأجنبية عادةً عندما يتعذر دخول مراسليها إلى المناطق الساخنة.

نقرأ في الرواية عن المافيات السياسية والأحزاب، عن حياة الصحافيين والمراسلين وطبيعة عملهم الواضح والسرّي أحياناً، عوالمهم الشخصية والعمليّة منها.

يستخدم علي بدر تقنية الكتابة الصحافية حيناً ونمط الرواية التسجيلية وأدب الرحلات حيناً آخر. تجري الأحداث في فترة احتلال العراق حيث الفوضى والاختطافات والاغتيالات.

نقرأ في الرواية: "كان الصحافيون الأجانب يأتون إلى بيروت لأنها بركان كل تناقضات الشرق الأوسط، هي المكان الذي تتصارع فيه جميع القوى الموجودة في المنطقة، إنها ساحة حرب دائمة تنفذ فيها الخطط والاستراتيجيات العالمية والإقليمية، وفوق هذا النسيج المعقد من التناقضات هنالك مدينة بحرية على الدوام مفتوحة، حياتها على الحافة أن تكون شرقية وعلى الحافة أن تكون غربية، وهذا هو ما يميّزها، كما أنها نقطة تردد دائم للمراسلين الأجانب المهتمين بالشرق الأوسط".

يربط علي بدر روايته بالفنون والمهن الإبداعية، الصحافة والرسم والموسيقى والشعر. وتتجسّد حياة بطلها عبر علاقات إنسانية متشعبة تنتمي إلى ثقافات متنوعة تثير طريقة حياكتها وتقديمها فضول القارئ للتعمّق أكثر في حيثيات الحدث الرئيسي وتفاصيله. "توقفنا نحن الثلاثة، الصحافي الذي أجهل اسمه، ونرمين مخرجة الأفلام الوثائقية وأنا في الدور، فقد ذهب الجنود والضباط المارينز والعمال الآسيويون من جانب آخر، إلا المجندة ذات الوشم فقد تأخرت بسبب حقيبتها الكبيرة التي حملتها على ظهرها، إلا أنها لحقت بهم أخيراً، وقد رافقها الضابط الأسود وخرجا من المكان الذي نحن فيه".

تتميز الرواية بتقنية كتابتها التي منحت الشكل الفني العام ضبطاً متقناً بالابتعاد عن التعقيد؛ وتكثيف الأحداث باللجوء إلى التفاصيل بطريقة مشوّقة. فهي تقول التاريخ عبر السرد عبر الوثائق والشهادات والدقّة في المعلومة. "كما كان يعرف أشياء سرية كثيرة لم يكن سهلاً عليّ التعامل معها هناك، وكان على علاقة مع الجنرال روزي وهو من أمراء الحرب البارزين، وكان على علاقة أيضاً مع الجنرال عطا أسود، وهو الذي حمل رسالة من عطا أسود إلى الأوزبكي عبد الرشيد دوستم؛ ثم تحدث عن الحرب الأهلية، وأمراء الحرب، وعسكرة البلاد، وكان على الدوام حاضراً أو شاهداً، وكان أحياناً يقوم بأعمال ومهمات خارج واجبه الصحافي".

في "حارس التبغ" يأتي النصّ الروائي وظيفة بحدّ ذاته، يسير الاجتماعي والسياسي على مسافة واحدة من الحدث، تقف مع الإنسان بواقعية عصرية ومتوازنة مع تقديم الحالة المركبة لشخصية البطل من دون مواربات. فالشخصية التي تغيّر أسماءها هي شخصية حارس التبغ "نهض كمال مدحت صباحاً، كان يلهث من الخوف، وقلبه يخفق مثل طبل، صوت المذياع يصيح بأن الجيش العراقي دخل الكويت وضمها، نظر إلى نادية وهي في سريرها، وجهها الأصفر الذابل المريض، ضربات قلبها التي تخبو، الطاولة القريبة تحمل علب الأدوية والأشرطة والمسكّنات وكأس الماء، خادمتها فوزية بشبابها العارم المكتوم إلى جوارها، كانت القوات الدولية تسدّ المنافذ جميعها على العراق، وبظرف ساعات خلت المحلات من البضائع وأقفلت، الشوارع لم تعد فيها بقايا أطعمة، والقطط التي لا تجد شيئاً تأكله في المزابل أو البيوت أخذت تلتهم الحشائش، الحيوانات النافقة من الجوع مرمية على الطرقات... ما الذي يحدث في البلاد؟".

وحقيقةً، كان كمال مدحت عازف فيولون(كمان) ماهر جداً، حصل على العديد من الجوائز العالمية في الموسيقى، وهو يجيد القراءة والتكلم بست لغات "العبرية والعربية اكتسبهما من خلال العائلة، الإنكليزية والفرنسية درسهما في مدارس بغداد، الروسية درسها أثناء دراسته للموسيقى في كونسرفتوار جايكوفسكي في موسكو، والفارسية تعلّمها أثناء وجوده في طهران".  

وهكذا فعل كمال مدحت، فكانت له ثلاث شخصيات، كل شخصية لها اسم، وعمر، وملامح، وقناعات، ومذهب مختلف عن الشخصيات الأخرى. سامي صالح هو الموسيقار اليهودي، الليبرالي والمتنور، ولد في العام 1926 في بغداد، وحين بحثت في موسوعة الموسيقى العراقية وجدت تاريخ وفاته في العام 1955 في إسرائيل(الغريب أن كمال مدحت هو الذي كتب عن حياة سامي صالح وحيدر سلمان في موسوعة الموسيقى العراقية). وحين دخل طهران اتخذ لنفسه شخصية حيدر سلمان "بيّنت حياته بشكل لا لبس فيه زيف ما كانوا يطلقون عليه الهوية الجوهرية، ذلك لأن حياته تبيّن إمكانية التحول من هوية إلى هوية عبر مجموعة من اللعبات السردية، فتتحول الهوية إلى قصة يمكن الحياة فيها وتقمصها، وهنا يطلق هذا الفنان ضحكة ساخرة من صراع الهويات القاتلة عبر لعبة من الأسماء المستعارة والشخصيات الملتبسة والأقنعة الزائفة.

"كان المغلّف ثقيلاً وتنبعث منه رائحة القِدَم. أشبه بالرزمة مربوطة برباط مطاطي أصفر ضربت عليه براحة يدي غير أنه لا غبار عليه. قال لي إن هذا المغلّف مهم جداً في عملي، إنه كل الرسائل التي بعثها كمال مدحت إلى زوجته فريدة روبين وعلى مدار عقود طويلة، وقد حصل عليه بوريس من زوجته وعليّ أن أفضه وأستخدمه في كتابة تقريري عنه".

ما أراده بطل الرواية "كاتبها" أن يتبين الكيفية التي قُتل بها الموسيقار العراقي، ومن هو وراء مقتله، ولماذا قُتل أصلاً؟

"كما عرفت أنه موجود إلى اليوم في ثلاجة المستشفى ولم يدفنه أحد. وقد فصّلت في وثائق أخرى الكثير من المعلومات لعلها تمكنكم من كتابة هذا التقرير عنه، وأنا لا أظن أن هذا التقرير سيكون نافعاً لي وحدي، لو كان ذلك لما تجشمت العناء في الكتابة والبحث، ولكني أظن أنه مهم للناس الذين أحبوه أو الذين كرهوه حتى وصل بهم الأمر إلى مقتله".

نقرأ : "هكذا وقف أمام مصائر الأبناء، وقف راجفاً أمام بلاد تخبئ شيئاً لا يعرف أحد ما هو، فهنالك هوى آخر في الأفق، ورومانطيقية جديدة ستعصف بالعقول والأفكار، هنالك انكسار وغل بلا نهاية، ومواجهات سياسية لا يحكمها إلا التأليه الحر لتركة العدمية والتمرد واللاعقلانية، كانت السلطة السياسية تفرض تمجيداً رهيباً لقوى الغريزة والدم الغامضة....شيء لا يصدق.. لا يمكن للعقل احتماله، كان يعيش نوعاً من اليأس القاتل، واللامبالاة الكبيرة، لم يكن قادراً على فعل أي شيء سوى قراءة الصحف، والاستماع إلى الإذاعة التي تبث البيانات السياسية".