"فاتنة باريس" تبحث عن الحب بعيداً عن نهايات الألم!

"كان ذكاؤها وقلبها الطيب يجعلانها رقيقة ورحيمة مع أصدقائها السابقين، ومن الذين أثّروا على تكوينها الفكري كان أكثرهم: إيفيتو، وألبين ومارا وخصوصاً سان أفريمون وكان نصيبها من المشاركة كنصيب أي من الناس الأذكياء الذين يتحمّسون عند التلويح لهم بالأفكار الجديدة".

  • رواية "فاتنة باريس" للروائي جرمين راموس
الكتاب: فاتنة باريس
المؤلف: جرمين راموس
الناشر: دار الرافدين - بيروت - 2016
مراجعة: روز سليمان


يتعيّن الحدث الرئيسي في رواية "فاتنة باريس" للروائي جرمين راموس الصادرة حديثاً عن دار الرافدين من تطورات تطرأ على شخصية البطلة بتسلسل منطقي يمكن اعتباره مدخلاً للقراءة حيناً وللتأويل حيناً آخر. فما يأتي يبرهن على دلالة ما سبق زمنياً. بطلة الرواية هي جان دي لانكلو، يناديها الجميع، عدا أمها، للتحبّب بـ"نينون"، إمرأة بفكرها وقلبها وجدّ متيّقظة للحياة. كان والدها ضابطاً شجاعاً متهوّراً في شجاعته وكثير الذكاء. وقد أنشأها على بغض الرياء والتصنّع، وعلّمها قراءة الفيلسوف "مونتيني". وقد وجد فيها والدها خير تلميذة له "كان متحمّساً لأن يثقّفها حسب ذوقه الخاص، بينما كانت زوجته مدام دي لانكلو تحاول عبثاً أن تحميها منه بأخذها إلى الكنيسة كلما استطاعت. لكن الصبية كانت تمسك بدل كتاب قدّاس قصة حب، أو ديوان شعر". ولاحقاً تعلّمت نينون مع الفلسفة والعلوم، اللغتين الإيطالية والإسبانية، ولكنها تعلّمت خصوصاً أن تفكر بحكمة حتى لا تصبح أبداً متغطرسة "وكان والدها السيد دي لانكلو يشجّعها أبداً على التدلّل والتغنّج. وكان يردّد على مسمعيها هذه الأقوال – قوة المرأة وحجة وجودها، هما في أن تعجب الجميع. عليها أن تملك اللطف والعذوبة، والجاذبية التي هي أهم بكثير من الجمال!".

كما أجبرها على تعلّم الموسيقى والشعر وأعطاها دروساً خاصة في الرقص. ولكنه هرب من باريس بعد قتله أحد الجنود إثر عراك كبير.

تزخر الرواية بالوصف الدقيق والجميل ضمن معطيات تدلّ على فهم كاتبها للأنوثة بمعناها الأصيل في انسجام الفكري مع الجسدي، العاطفة مع العقل: "راحت نينون تتقدم في ذلك النهار على كرسيها المبطّنة بالحرير المطرّز بالخيطان الصفراء التي تتوهج كالضياء. وكان الحمّالون يسيرون بها في خطوات منتظمة والكل فخور بحمله هذه المرأة المشهورة التي يعرفها الجميع والتي كان الرجال يحيونها باحترام. وكانت بثوبها الأبيض المزيّن بالزهور يانعة كباقة زهر ربيعية، وبين وقت وآخر كانت تلقي نظرة على وجهها في مرآة حملتها بيدها، لتتأكد من أن نظام جدائلها لم يتغير، ثم تبتسم في عاطفة المنتصر. لقد كانت سكرى بإحساسها بالشباب والفتوة، وبنهمها الشديد للحياة، وبأن ترى نفسها ترضي حتى أصعب الأهواء انقياداً!".

أما سطوة اللغة فتكمن في السرد المباشر الذي ينبع من واقع ما يتمّ سرده من مواقف وأحداث تتبلور في تقنيات تستخدمها الواقعية النفسية والهواجس الذاتية للبطلة بوصفها مؤشرات لما تريد الرواية التعبير عنه وإيصاله. وإن كانت أحياناً في بعض المطارح تبدو وكأنها تميل إلى السيرة الذاتية باستحضار بعض الذكريات والاعترافات والأسرار والعلاقة مع الذات نفسها.

قلّما تعاطت بطلة الرواية، التي أصبحت من أشهر غانيات التاريخ، الكتابة- عدا الرسائل - وعدا أقصوصة صغيرة بعنوان "المرأة المنتقمة" حيث جعلت من نفسها البطلة باسم آخر. وكانت هذه الأقصوصة مثار هجوم ونقد لاذع. بعد هذه الأقصوصة رزقها الله برجل غيور على الأدب هو لويس لاكلاش الذي جاء إلى صالونها وراح يحدّثها عن الأدب ويهاجم الأدباء "السخفاء البسطاء" مثل بلزاك وراسين.. وغيرهما ويعتبر انشغالهم بهذه المواضيع "السخيفة" عجزاً عن التفكير بالمستوى الفكري الكبير، كقصص الفلسفات الأفلاطونية والسقراطية وسير الأبطال والتواريخ العظيمة. وعرض عليها أن يعطيها دروساً باستطاعتها معها أن تفهم من الأدب ما لا يمكن أن تفهمه وحدها ولو قرأت مئة مجلّد، فقبلت.

لكن عندما علمت نينون أنه رجل سخيف لا يحتمل، حاولت بكل الطرق الممكنة والمهذّبة أن تطرده فلم تفلح. وفي إحدى السهرات الكبيرة في صالونها ناقشها البعض حول مفهوم الحب الذي استخلصته من حياتها فقالت: "الحب هو الشهية التي يحسّها الإنسان نحو ما يعجبه ويرضيه".

لاكلاش الذي كتب لاحقاً مقالة هاجم فيها، انتقاماً، كل من نينون ومدرستها وأصحابها وفلسفتهم في الحياة وطريقة معيشهم من دون أن يذكر الأسماء أو يعينها.

كانت نينون تمثّل الناحية المتحرّرة في الحب وطريقة الحياة؛ والهجوم كان موجهاً إلى شخصها وإلى مجمل حياتها التي أرادت أن تجعل لها نتيجة وموضوعاً. وقتها أخذت على عاتقها الردّ على ذلك المدعي لاكلاش، وكتبت مقالة طويلة شرحت فيها كذبه وادّعاءه واضطرت من أجل أهمية المقال أن تعلن عن حقيقة هذا الشخص ولماذا تمت إهانته وطرده في إحدى الأمسيات من قبلها ومن قبل صديقاتها.

في تلك الأثناء وضع الشاعر موليير مسرحيته عن "النساء المتحذلقات" ولعبها على مسرح بتي بوربون وسخر من أولئك النسوة بطريقته اللاذعة الشهيرة. وقد مُنعت المسرحية في البدء على أثر تظاهرة كبيرة قامت ضدّها، ثم أُجيز عرضها.

وكانت المعركة حامية الوطيس وقد هاجم "سوميز" في معجمه الذي تناول فيه "النساء المتأدبات" الشاعر موليير بعنف، كما شنّع على سيدات الحزب المتحرّر الذي تنتمي إليه نينون وحاول السخرية منهن. ولكنه لم يستطع أمام نينون إلا أن يعترف بنبوغها وجمالها وتأثيرها على من حولها.

تذكر الرواية أيضاً أن نينون تقرّبت من موليير ورجَته أن يزورها أكثر من مرة، حتى إذ قبل زيارتها أصبحا صديقين حميمين، وكان يشرح لها قبل البدء بالمسرحية تصميمه الخاص. وقد حاولت جهدها أن تساعده في تقديم النماذج، وتحمّست جداً لمسرحية "مدرسة النساء" ومسرحية "مدرسة الأزواج"، فهناك كانت مسألة التثقيف الاجتماعي تعرض بكل سهولة وبساطة ووضوح.

طلب موليير مرة من نينون أن تحدّثه عن نموذج مرّت به عندما كان يفكر بكتابة مسرحية حول الرجل المتملّق الكاذب والمدّعي الفضيلة. فحدّثته بقصّة واحد من الكهنة هو الأب دي بون، وكيف صارحها بغرامه وحاول بكل الطرق أن ينال مأربه منها "وهكذا اختمرت في ذهن موليير عقدة المسرحية فكتب تمثيليته الخالدة "تارتوف" متخذاً لها بطلاً قريباً من عشيق نينون ذاك. وقرأها قبل العرض على الملك. كما قرأها على نينون التي أعجبت بها إعجاباً أسال الدموع من عينيها وألهب نفسها بالنار. وتتبعت الخصام الناشب بين أفراد المسرحية باهتمام زائد وكأن الأمر حقيقة واقعة".

من الناحية المادية تابعت نينون حياتها بتعقّل وحكمة. ثم اشترت منزلها الذي كانت تستأجره في شارع "توريل" شراكة مع صديق لها هو جيرار دي بورغ، وكان الاتفاق على الأثاث أن يكون في حال موت أحدهما ملكاً للآخر. "هكذا اطمأنت من هذه الناحية التي كانت تشغلها لأنها أولا لا تحب التنقل، وثانياً لأن ذلك المنزل بالذات أعجبها لدرجة أحبّت معها ألا تبدّله مدى العمر. وكان لها ما أرادت".

يتحقّق النشاط السردي في صلب الرواية بمعظمه من خلال الوصف، سواء أكان هذا الوصف ينحصر في المكان أو كان الوصف مرتبطاً بشخصية البطلة وحالاتها ونوازعها وصفاتها الروحية والجسدية وأفكارها أيضاً.

كتبت نينون في دفتر مذكراتها تقول: "الأيام تمضي، مثلما يقول الساذج إيفيتو، في الحماقة والكسل. والأيام تحطّمنا وتجعلنا نضيّع الأشياء التي ارتبطت بنا. كنت أحبّ ألا أفكّر بذلك وأن أنسى في الغد ما حصل في اليوم الحاضر. وكل الناس يقولون لي: إن حظّك من الشكاة أقلّ من حظ غيرك. وعلى كل حال، فإن حياة كهذه تؤلمني أشدّ الألم".

وفي هدوء ووقار ماتت نينون، فاتنة باريس، في 17 كانون الأول ديسمبر من عام 1705، ليسدل الستار على حياة امرأة "من أروع النساء العاشقات" كما وصفتها الرواية. وقد كان سان أفريمون هو الشخص الوحيد الذي عبّر عن شخصيتها الحقيقية في رسالة قبل موته، إذ قال لها: "أنا أعتبرك أسعد مخلوقة ولدت على الإطلاق لقد أُغرم بك أنبل وأكبر السادة في المجتمع الباريسي، ومع ذلك فقد وجدت الوقت الضروري لإعطاء هذا الحب أهميته الحقيقية بدون ربطه بالمآسي والنهايات المؤلمة. إن امرأة قبلك لم تحمل من روعة جنس النساء ما حملت أنت!".

تُقسم الرواية التي تأتي في 211 صفحة من القطع المتوسط إلى عناوين فرعية وفقاً للتسلسل الزمني للأحداث هي: "أوائل الألم"، "انتظار"، "العشق الأول"، "نينون وأمها"، "سهرة الاستعداد"، "بالمزاد"، "عند ماريون ديلورم"، "أحزان الحب"، "الأهواء"، "أحزان وأفراح"، "في باريس: أهواء جديدة"، "نينون والزنادقة"، "ضربة صاعقة"، "الحب الكبير"، "نينون في الدير"، "في مدرسة نينون"، "نينون المرأة المتميزة"، "نهاية يوم جميل".

"راح كل واحد يجسّد الشخص المختار من بين العشرات ويتمنى ألا يدوم ذلك طويلا. وكان بين هؤلاء من يعرفها حق المعرفة ويدرك ما تنطوي عليه غريزتها الباحثة دائما عن كل جديد، ويعلم أن بعد كل نزوة تمرّ فترة استراحة تعود نينون خلالها إلى ما كانت عليه من مرح ولطف ورحمة".

وبتقدم سنوات عمرها، أرادت نينون أن تجمع أكبر قدر من ذكريات الحب والمتع والفرح المتواصل. ومن أجل أن تشغل أيامها، أرادت أن تستفيد من خبرتها الطويلة في الحب. "ها هي الآن تنفّذ فكرة جريئة طالما راودتها في لياليها الهاربة، ألا وهي فتح الطريق وتعبيدها للحب أمام الفتيان الأغرار لتمكينهم من إمتاع النساء".

تقول نينون عندما كانت تُسأل عن الحب: "الحب ذوق، وهو مبني على الحواس. وشعور أعمى لا يفترض أبداً تجاوباً أو استحقاقاً من المحبوب. وبكلمة مختصرة، هو نزوة لا ترتبط بقاعدة ولا بمنطق". وهكذا كانت نينون تصرف وقتها وجهدها نحو الحب "هذه العاطفة التي وقفت عليها حياتها. وكانت لا تألو جهداً في سبيل تمكين تلامذتها من الفهم والتعمّق في هذا الفن، مما كان يجعل الشبان يفتخرون بكونهم تلامذة نينون".