"بنت مولانا" التي ماتت وفي قلبها بقي السرّ!

في روايتها "بنت مولانا" الصادرة عن دار نينوى تولي الكاتبة البريطانية مورل مفروي المولودة في فرنسا أولوية الجوّ الصوفي، في تناولها لأحداث وتفاصيل تتعلّق بفلسفة جلال الدين الرومي وعلاقته مع شمس الدين التبريزي.

 رواية "بنت مولانا"
رواية "بنت مولانا"

قراءة: روز سليمان 

 فرح وألم وحب وعشق وحزن، هذه هي أجواء الرواية التي ترجمها إلى العربية محمد عيد إبراهيم، إضافة إلى ملحق يتضمّن مقتطفات من رباعيات الرومي.

يأتي الكتاب في 238 صفحة من القطع المتوسط؛ بسرد مشحون بالعاطفة ومصحوب بالجدل كثيراً : "مال صدر الدين إلى الحائط، شدّ سترته أكثر حول صدره. قال: العالم، يا بُنيّ، ليس أبيض وأسود. ألم تكتشف أنه درجات من الرمادي، ثم ضحك وأشرق وجهه: ومن ألوان أخرى كثيرة؟... أنت تفكّر في تعابير عن الخير والشرّ، الصواب والخطأ، الثواب والعقاب، ثم واصل: لكنه عالَم الطفولة!".

تلاحق الرواية اليوميات والتفاصيل للبشر، يحكي فاروق لإبنته كيميا: "كنت صغيراً مثلك حين وصلت هذه المنطقة من العالم، مع ثلّة عوائل وقطعانهم. لم نكن نعيش في بيوت حجرية، بل في خيام من الجوخ. نرعى ماعزنا وأغنامنا عبر الجبال بحثاً عن كلأ جديد، ولا نستقرّ بأي مكان. كنا نضرب خيامنا غالباً على السفوح قرب قرية، حيث نقايض حليبنا وصوفنا وجبننا بالخضار والفاكهة". بنت مولانا هي كيميا سلطان، شخصية رئيسية ومحورية في الرواية(علماً أن كيميا شخصية واقعية، فرد من أسرة جلال الدين الرومي. قد زوِّجت شمس الدين بعد رجوعه من دمشق. يذكر بعض المؤرخين أن زيجتها كانت تعسة).

الرواية شخصية "كيميا" بكامل تفاصيلها والأحداث المرتبطة بها منذ أن كانت حاملاً بها أمها، حيث زار المنزل شخص غريب عن القرية اسمه "محسود" لا يذكر من أين جاء ولا إلى أين يمضي. وقال، وهو يومئ إلى بطن آفدكيا، "سيكون الوليد بنتاً، سمّها كيميا". وأضاف "ينتظرها مستقبل كبير". ومن ثمّ ولادتها والغرابة التي اتّسمت بها مقارنة مع أقرانها من الصغار وأخوتها، حالات الذهول واللحظات التي كانت تغيب فيها عن مسار الزمان والمكان.

لاحقاً، تتعرف كيميا على محمد الناسك الذي أتى إلى القرية من قونية، وعلّمها الكتابة محدّثاً إياها عن "مولانا". ولكن المفاجأة بالنسبة إليه أنها كانت تعرف ما يرتديه الرومي عندما يلقي دروسه. تقول: "رأيت البارحة رجلاً، يلبس عباءة زرقاء وعمامة رماديّة عيناه زرقاوان في رماديّ، ابتسم لي وأخذني من يدي".

يمشي القدر بالتوازي مع الواقع في رسم ملامح الشخصية، بل يذهب ليكون محرّكاً رئيساً في بعض مفاصل الأحداث والتطورات التي تطرأ على حياة كيميا وصولاً إلى مرضها وموتها. "حين فتحت عينيها، كانت وحدها. وفي مكان بالمنزل كان عليم يصرخ بأعلى صوته، خلف الحائط، بقربها، سمعت صلصلة أوانٍ وأوعية. في هذه الأصوات ما يريح. الحياة هناك غير معكّرة، تدور بمجراها. مع ذلك، تحسّ بلا مبالاة غريبة. تشعر بالعطش، عندما رأت القدح بجانبها على الطاولة حاولت الوصول إليه، لكنه ظلّ جدّ بعيد؛ لم تستطع رفع يدها فتركتها تسقط على البطانية".

يوصي الأب كريستوم قبل وفاته بأن على العائلة إرسال كيميا الصغيرة وقتها إلى قونية حتى تتعلم. فعندما يزور القرية، كان الأب كريستوم يقضي وقتاً في تعليم الصغار القراءة والكتابة. وعلى نحو مطّرد، يستخدمون كلمات مقتبسة من البدو التركمان، وكان يحسّ أن ذلك واجبه عموماً في حماية اللغة اليونانية، التي يتكلم بها أهل هذه البلاد منذ قرون. يتساءل أحياناً: "على أي حال. هل هذه معركة أخرى خاسرة؟ فلم يعد أحد يهتمّ كثيراً باللغات؛ فاللغات ببساطة أدوات يستعملها الناس. تختلط في المدن اللغتان العربية والفارسية باليونانية، على التساوي. وهكذا يختلف الأمر. الإسلام واللغة التركمانية يحلّان ببطء محلّ المسيحية واللغة اليونانية. كم كان أمراً مقلقاً أن يسكن المرء أحياناً بلاد الأناضول وجبال طوروس، مشدوداً بين إمبراطوريتين: بيزنطية وفارسية!".

لم تُرح الفكرة والدها فاروق في البداية، إلا أنه لاحقاً أخذها إلى قونية وقام بتسليمها إلى راهبة في دير هناك. من بين هذه الرحلة تذكر كيميا صوت الأحجار المتدحرجة تحت حوافر الحمار. "جفول طائر فجأة أزعجه مرورهم، المشهد البادي متحوّلاً على نفسه، سلسلة جبلية إثر سلسلة جبلية، النور المتلاعب بين الأشجار، يتغيّر كلما يتلبّسه النهار". قضت مع والدها أولى لياليهما مع عائلات في قرى مختلفة على الطريق. ذات مكان تضع امرأة طفلاً صغيراً بين ذراعيها. نظرت كيميا إلى الوجه الصغير وهلة وتساءلت "هل يحلم الصغار بالنجوم أو الملائكة. أم ببساطة بأثداء أمهاتهم؟".

وفي الطريق يلتقي والد كيميا بـ"مولانا" جلال الدين الرومي الذي يطلب منه أن يستضيفها مع زوجته "كيرة" وتبقى عندهم وتساعد الزوجة في المنزل، فتصبح لاحقاً هي "بنت مولانا" إلى أن تلتقي بشمس الدين التبريزي ويتزوجان.

شمس الدين الذي أتى إلى جلال الدين الرومي قادماً من تبريز، إلا أن علاقتهما أثارت سخط مريديه لانشغاله عنهم. ذات يوم لم يستطع علاء الدين ابن جلال الدين كبح نفسه من القول "مريدو أبي غاضبون.. يقولون، هذا الرجل، شمس الدين، مجرد واحد آخر من أولئك المشعوذين القادمين من الشرق لإثارة القلاقل. يقولون أبي هجرهم".

في هذه الاثناء، كان الرومي والتبريزي في عزلتهما. "في البدء كان غياب مولانا محسوساً كأنه راح في سفر. ضحكته، قصّه الحكايات، غدو ورواح أصحابه ومريديه، أين؟ أرم لا يحتمل تقريباً؛ لكنه سيعود يوماً. لكن مع مرور الأيام والأسابيع، على بعد مولانا، أصبحوا يحسّون وجوده أقرب". ورحل التبريزي لهذا السبب(غضب مريدو الرومي)، لكنه عاد لاحقاً وكانت كيميا قد أصبحت في عمر الثانية عشرة، وعرض عليه "مولانا" الزواج منها. "تلك الليلة جاءها ملاك من النار بأحلامها. قال الملاك: شمس الدين هنا من أجلكِ أنتِ أيضاً. رُفِع اليوم حجاب، ورحلة العَوْد قد بدأت.. فاستيقظت مرتاعة، تتساءل: ماذا يعني؟ لكنها كتمت الحلم".

إلى أن تنتهي الحكاية بمرض كيميا وموتها من شدّة الحزن، وربما شدّة العشق واختفاء شمس حزناً عليها بعد وفاتها بأسبوع "منذ ما دعته "ليلة عرسها"، اكتست الحياة مذاقاً جديداً.

"بعيد ذلك لا شيء قد تغيّر؛ فلا تزال تروح السوق مع كيره كل صباح تقريباً، وتشغل نفسها بمهام المنزل، أو تقضي ساعات مع نفسها، تصلي أو تقرأ الشِعر أو تجلس ببساطة من دون شيء تفعله. لكن شعور الوحشة غادرها. كأن تلك اللحظات عبر السنين، حين فكّ العالم قبضته من حولها، وتخضّب كيانها بعميق السعادة، قد انبثقت في فرحة لا تنتهي. كان نور يهديها في مهامها، وهذا النور هو حضرة شمس الدين، كأنه معها دائماً، سواء كان معها أم لم يكن... قلبها يغرّد، مع أنه كان يتوجع، لكنها لم تفصح بالمزيد".

ومنذ الإعلان عن زواجها، بدأت التعليقات إلى أن خفتت لاحقاً. قال البعض إن مثل هذه الزيجة شيء طيب، ستقرّب من شمس الدين، مثله مثل أي إمرئ غيره. لكن النسوة تساءلن، أي نوع من الأزواج سيكون شمس الدين؟ علّقن: "مثله من الرجال لا يروّضون"، يهزهزن رؤوسهنّ عارفات. ثم دارت النساء بعد فترة لشؤون أخرى. ماذا ستلبس كيميا للعرس؟ هل سيُدعى كثيرون؟ من سيجهّز الطعام؟.

تركّز الرواية على الحياة الاجتماعية والعلاقات بين الناس والأعمال الزراعية التي كانوا يعتمدون عليها. "يمتدّ البستان بطول جدول الماء، وأسفل الحدائق حيث تزرع القرية خضرواتها. يحمي البستان والحدائق من الريح، بالصف نفسه، شجر الحور الذي يحدّ القرية، حتى يصل المرء إلى الغابة. يضمّ البستان أشجار تفاح أساساً من ثلّة أشجار مشمش وخوخ.. انتشرت في الصباح مساحات قطنية واسعة تحت الشجر، فأحالت البستان إلى حقل ألوان براقة. تسلّق الصغار الأشجار وبدؤوا بقطاف الفاكهة، يسقطونها في السلال التي تحملها النساء. يثرثر الجميع ويضحكون".

إضافة إلى المرور على أحداث سياسية حدثت في الفترة الزمنية التي تمتدّ عبرها الحكاية؛ مثلاً اجتياح المغول لأراضي الأناضول وغيرها. يقول الكتاب إن هناك نظريات عدة تتعلق باختفاء شمس الدين التبريزي. "تميل إحداها إلى التعميم، لأنه أكثر درامية، فتشير إلى مقتله بإيعاز من علاء الدين. لكن لا يوجد ما يعزّز هذه الرواية. يضرب سلطان ولد، في قصيدته المتعلقة بسيرة والده، صفحاً عن هذه الفكرة. وينادي ثلة من مؤرخي الأحداث بأن شمس الدين قد عاد إلى تبريز، بينما يذكر مصدر أن وفاة شمس الدين قد وقعت في مدينة خوي بدرب عودته إلى تبريز. هناك شيء أكيد: أنه ذات ليلة باردة من ديسمبر عام 1248 في قونية، اختفى شمس الدين فلم يُرَّ ثانية".

أما النظرية الثانية فتقول إن وفاة كيميا هي أحد العوامل التي تسبّب باختفاء شمس الدين "لكن مهما كان تأثّره الكبير بموتها فقد لا يكون مدعاة لاختفائه. ما يمكن القول به، إن وفاة كيميا كانت مَعَلماً بارزاً، يشير إلى نهاية علاقة أخرى، بين شمس الدين ومولانا جلال الدين الرومي". نقرأ في الخاتمة: "تقف الآن وسط حقل شموع منوّرة على امتداد الأفق. الشموع من كلّ حجم؛ نحيل بعضها وطويل، قصير بعضها وسميك، نارها تترجرج كأن النسيم ينفخها. كل شمعة مختلفة، يهمس النسيم بأذنها "لكنها النار هي هي". آه، فكّرت، كانت مجمرة واسعة تتنفّس باتّساق، وهي جزء منها، صدرها يرتفع وينخفض، والنار ترتقي ثم تترامى فترتقي من جديد. تنصت الآن منتبهة، فالنار تستحيل إلى معزوفة كالبلّور. تنبع من فسقية، وتحاول أن تبلّغها شيئاً. ثم تبطئ المعزوفة في تمتمة : "قارب العمل آخره، فتغمرها فرحة...".

 

روز سليمان كاتبة سورية.