"حافة الهاوية".. الرواية التاريخية لمباحثات الأسد كيسنجر - الحلقة الرابعة والأخيرة

مع حلول نهاية عام 1975، أدرك حافظ الأسد أنه بحاجة إلى مبادرة جريئة تكسر الجمود الحاصل في لبنان، فقام بدعوة رئيس حزب الكتائب بيار الجميل إلى دمشق لأنه رأى أنه لا يمكن نجاح حل سياسي من دون "الجبهة اللبنانية" وحزب الكتائب اللبنانية.

دبلوماسية الفشل

الرئيس حافظ الأسد متوسطاً القذافي والسادات
الرئيس حافظ الأسد متوسطاً القذافي والسادات


بعد مضي أربعة أشهر على قمة الرباط، عاد كيسنجر إلى الشرق الأوسط في آذار مارس 1975، بهدف التوصل إلى اتفاقٍ ثانٍ لفصل القوات بين مصر وإسرائيل. كما كان استرضاء الأسد الهدف الثاني من حيث الأهمية على لائحة أهداف كيسنجر، لأن التوصل إلى اتفاق ثانٍ لفصل القوات بين مصر وإسرائيل مع الضغط السعودي السوري على مصر لإنجاز خطوة موازية في الجولان، بدا بالأمر المستحيل. وعندما جلس الرجلان لبدء اجتماعهما في التاسع من آذار، بدأ الأسد بالتلويح بالحرب، حيث أثبتت الأحداث التي تلت حرب تشرين الأول 1973 أن العمل العسكري هو السبيل الوحيد لإنهاء الصراع العربي – الإسرائيلي.

تضيف الكاتبة أن كيسنجر فشل فشلاً ذريعاً في محاولة استرضاء الأسد، إذا قال للرئيس السوري بما أن عام 1976 هو عام انتخابات رئاسية في الولايات المتحدة، فلن تستطيع إدارة فورد تحقيق أي شئ على الجبهة السورية، وهذا يعني أنه لن يحصل انسحاب إسرائيلي من مرتفعات الجولان خلال السنتين المقبلتين. عندها توقف الأسد عن التلميح بالحرب وغدا يهدد بها مباشرة: "لهذا قلت لإخواننا العرب إن علينا أن نسخّن الجبهات ونبدأ حرب استنزاف". وينشر هذا الكتاب محضر اجتماع الأسد كيسنجر بتاريخ 29 آذار مارس 1975، الذي قدم فيه كيسنجر عرضاً مفاجأً للأسد وأطلعه على حديث سري جداً دار بينه وبين إسحق رابين، الذي أظهر فيه الأخير تذمره من القرار الإسرائيلي ببناء مستوطنات في مرتفعات الجولان. وأضاف أن فصل القوات لم يحل أياً من المشكلات العالقة بين سوريا وإسرائيل، حيث اقترح رابين القيام بخطوة نحو السلام مع سوريا من خلال اعتراف إسرائيل بحدود عام 1967، ثم الانسحاب إلى خط دفاعي جديد لعموم الإسرائيليين الذين يخشون دوماً من بقاء سهل الحولة معرضاً للهجمات.

كان الرئيس الأسد في هذه المرحلة يبحث عن شريك جديد بديل لمصر المرتقب خروجها من معادلة الصراع مع إسرائيل. لم يستطع التحالف مع العراق، جاره البعثي الغني بالنفط، لأنه لم يستجب لدعوته، فقد عمّق الخلاف حول مضي سوريا في فصل القوات الانقسام القديم بين دمشق وبغداد، وبدلاً من أن يتحدا في مواجهة السادات، نشبت حرب إعلامية وسياسية بين الطرفين سواء في الإذاعات أو في غرف الاجتماعات. وعليه تطلع الأسد إلى تعديل موازين القوى عن طريق تشكيل تكتل جديد في بلاد الشام جمع مكونات سوريا الطبيعية، كما أسمتها شعبان، أي سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، في حلف سياسي وعسكري. واختار الأسد أن يبدأ بمنظمة التحرير الفلسطينية كونها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني.

في الخامس والعشرين من آذار عام 1975، وبعد ثلاثة أيام من تعليق كيسنجر المفاوضات ومغادرته المنطقة، أقدم أحد أفراد العائلة المالكة السعودية، تقول شعبان ادُّعي أنه يعاني خللاً عقلياً، على اغتيال الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود. وبعد أسبوعين، أي في الثالث عشر من نيسان أبريل، دوّت في شوارع بيروت الرصاصات الأولى في صراع أهلي دموي غرق فيه طرفان أساسيان ألا وهما لبنان المنقسم على ذاته ومنظمة التحرير الفلسطينية.

 

سيناء 2

في هذا الجزء من الكتاب تتحدث الكاتبة عن إعادة تقييم سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، التي شرعت إدارة فورد بها عقب فشل جولة كيسنجر الأخيرة. ولكن هذه العملية وصفها كيسنجر بالمسرحية، إذ لم يكن هناك شيء لإعادة تقييمه، حيث كانت الخيارات إما العودة إلى مؤتمر جنيف والذي تشارك أميركا رئاسته مع الإتحاد السوفييتي، وإما أن تفرض الولايات المتحدة تسوية شاملة على إسرائيل، أو انسحاب أميركي من العملية السلمية، أو المضي في استراتيجية الخطوة – خطوة. ويبدو أن الخيار الأخير كان في المقدمة. وبدأت اللقاءات المصرية الأميركية، وأنجز كيسنجر اتفاقاً ثنائياً جديداً بين مصر وإسرائيل سُمي بـ"اتفاق سيناء المرحلي" أو ما يعرف اختصراً بـ"سيناء 2".

نص الاتفاق على انسحاب إسرائيلي إلى ممرّي الجدي ومتلا في عمق شبه جزيرة سيناء، مع إنشاء منطقة عازلة تخضع لرقابة الامم المتحدة في مناطق الإنسحاب الإسرائيلي، وعودة المنطقة العازلة التي أنشأها اتفاق فصل القوات الأول إلى السيادة المصرية، وكذلك على بعض الإجراءات اللوجستية بين مصر وإسرائيل. أراد الاتفاق تسوية شاملة تتوافق مع قرار مجلس الأمن 338، لكنه لم يذكر مرتفعات الجولان المحتلة ولا القضية الفلسطينية على الإطلاق. وتذكر شعبان أهم  ما ورد ضمن صفقة سيناء 2 من الجانب المصري هو الضمانة المكتوبة التي تلقاها كيسنجر من السادات بأنه في حال هجوم سوري على إسرائيل، أو في حال اندلاع حرب استنزاف تبدأها سوريا، فإن مصر لن تشارك في القتال. وأعلمت الولايات المتحدة السادات، أنه في حال قيام سورية بأعمال عسكرية أو شبه عسكرية ضد إسرائيل، فإن الحكومة الأميركية ستدعم إسرائيل دبلوماسياً بغض النظر عن أي معارضة مصرية.

 

ويستمر الصراع

في الأسطر الأخيرة من صفقة سيناء 2، تعهد الرئيس الأميركي جيرالد فورد لرئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين بأن الولايات المتحدة "سوف تعطي أهمية بالغة للموقف الإسرائيلي، وأن أي اتفاقية سلام مع سورية يجب أن تقوم على أساس بقاء إسرائيل في مرتفعات الجولان". وتُظهر السجلات أن حافظ الأسد كان على علم جزئي – إن لم يكن كاملاً – بهذه الاتفاقات الجانبية السرية"، تقول شعبان. وتضيف أنه مهما يكن الأمر فإن سيناء 2 كانت بحد ذاتها إشارة كافية تدل على خروج مصر على نحو لا رجعة فيه من معادلة الصراع العربي – الإسرائيلي.

أدرك الرئيس السوري أنه ومنذ اللحظات الأولى من توقيع سيناء 2 ، صار أي حديث عن تقدم خطوة لاحقة في الجولان مجرّد إضاعة للوقت. ولم يستمر الاجتماع الأخير بين الأسد وكيسنجر، والذي عقد في الثالث من أيلول سبتمبر، أي بعد يومين من توقيع سيناء 2، أكثر من ساعة واحدة. شعر كيسنجر بتغيّر الأسد تجاهه وحاول مضايقته بالمزاح، ولكن الأسد تجاهل مزاحه، كما تجاهل جميع رسائله لاحقاً، حتى رد عليه أخيراً برسالة واحدة قائلاً: "إن سورية مستعدة دائماً لتحقيق السلام، إلا أن سيناء 2 جعلت من المستحيل أن تدخل سورية في أي مفاوضات حول الجولان، فسورية لن تمضي في طريق الاتفاقات الثنائية على غرار مصر، وإن أي محادثات مستقبلية يجب أن تشمل السوريين والفلسطينيين معاً".  

لم يمل كيسنجر في محاولة احتواء الأسد، في منتصف تشرين الأول من ذلك العام، رفض الأسد دعوة من كيسنجر لترتيب لقاء بينه وبين الرئيس الأميركي فورد في أوروبا. كما لم يقبل في أوائل تشرين الثاني نوفمبر، إرسال رئيس أركان جيشه العميد حكمت الشهابي إلى واشنطن للقيام بمباحثات مع كيسنجر. لقد فقد الرئيس السوري كل ثقة لديه بنزاهة الوسيط الأميركي، حتى أنه رفض عرضاً أميركياً بانسحاب إسرائيل من الجولان لم يُحدد عمقه أبداً. وعند سماعه عرض الانسحاب رد على السفير الأميركي في دمشق ريتشارد مورفي بلهجة لم تخلُ من التهكم: "إن كانت إسرائيل قد حصلت على مليارات الدولارات مقابل انسحابها خمسة كيلومترات في سيناء، فكم ستحصل عندما تنسحب 100 كيلومتر" في إشارة منه إلى صفقات السلاح الضخمة التي حصلت عليها إسرائيل والتي أخلّت بميزان القوى الإقليمي على نحو يهدد أمن سوريا مباشرة.

تظهر سجلات أرشيف رئاسة الجمهورية العربية السورية، التي تعود إلى مطلع عام 1976، أن عروض المفاوضات الفارغة من أي محتوى، والتي لم تكن غايتها إلا إضاعة الوقت، إضافة إلى النقاشات الجادة حول عملية السلام، قد بدأت تتلاشى من رسائل كيسنجر إلى الأسد ومن لقاءات الأسد والسفير مورفي، إذ غدت الحرب الأهلية المشتعلة في لبنان تدريجياً محور النقاش الوحيد بين سوريا والولايات المتحدة.

   


التدخل السوري في لبنان عام 1976
التدخل السوري في لبنان عام 1976


الفصل العاشر: لبنان

أسهبت بثينة شعبان طويلاً في حديث تاريخي شمل النظام السياسي في لبنان بعد الانتداب الفرنسي، وكيفية التقسيم السياسي بين الطوائف اللبنانية، مروراً باللجوء الفلسطيني والمخيمات الفلسطينية التي ملأت بيروت والجنوب اللبناني، وصولاً إلى تفجر الوضع الأمني عام 1969. في ذلك العام تصادم الجيش اللبناني والفدائيون الفلسطينيون في مخيمات بيروت وضواحيها، ولكن سرعان ما انتهت باتفاق رعاه الرئيس المصري جمال عبد الناصر، بين الدولة اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات. ولكن التطور الأهم هو ما حصل بعد عام، حينما وقعت اشتباكات دموية بين الفصائل الفلسطينية والدولة الأردنية في أيلول سبتمبر 1970، وانتهت أحداث ما عُرف بأيلول الأسود بانتصار الملك حسين. وتبع ذلك انتقال معظم قادة التنظيمات الفلسطينية والآلاف من مقاتليها إلى لبنان، وغدت بيروت العاصمة غير الرسمية لـ"الثورة الفلسطينية". وتحول لبنان إلى قاعدة الانطلاق الأساسية لعمليات الفدائيين الفلسطينيين على الإسرائيليين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مما عرض لبنان لعمليات انتقامية إسرائيلية قاسية.

انفجر برميل البارود اللبناني في الثالث عشر من نيسان أبريل عام 1975 عندما ردّ مسلحون من حزب الكتائب على محاولة اغتيال سمّتها الكاتبة بـ"المزعومة" لزعيمهم بيار الجميل بإطلاق النار على حافلة مليئة بمدنيين فلسطينيين، حيث جرح وقتل منهم العشرات، وأدت الحادثة إلى اندلاع اشتباكات دامية بين مقاتلي الحركة الوطنية والمقاتلين الفلسطينيين من جهة والميليشيات المسيحية من جهة أخرى. حينها، استقال رئيس الوزراء رشيد الصلح من منصبه، ودعا كمال جنبلاط إلى عزل حزب الكتائب سياسياً، رافضاً المشاركة في أي حوار مع اليمين المسيحي. رد فرنجية بتعيين حكومة عسكرية برئاسة العميد نور الدين الرفاعي، الأمر الذي زاد في تعميق حالة الانقسام السياسي. على المقلب السوري، تقول شعبان إن سوريا لم تطل الانتظار قبل أن تبدأ وساطتها، حيث حملت النار المشتعلة في الجوار عواقب جمّه لسوريا، في الوقت الذي كان الأسد يحاول فيه بناء جبهة منيعة في بلاد الشام بعد خروج مصر من معادلة الصراع العربي – الإسرائيلي، حيث أرسل الرئيس السوري وزير خارجيته عبد الحليم خدام إلى بيروت على وجه السرعة، وتقاطر الساسة اللبنانيون بدورهم إلى دمشق لعقد محادثات مع الأسد. تلك الجهود تكللت بنتائج سريعة، وتم تعيين رشيد كرامي رئيساً لحكومة وفاق وطني في الثلاثين من حزيران يونيو عام 1975. وفي اليوم التالي وقّع قائد الجيش اللبناني إسكندر غانم اتفاق لوقف إطلاق النار مع ياسر عرفات بحضور وزير الخارجية السوري.

في اجتماع للأسد مع كرامي بتاريخ 2 آب أغسطس 1975 نشر محضره في الكتاب، شرح الأسد وجهة النظر السورية لتدخله في لبنان، حيث رأى أنه أمراً طبيعياً، بل وصفه بالضروري. ولم يكن لديه خيار آخر، إذ أن هذا التدخل ينبع من ضرورات تاريخية وجغرافية، وكان الأسد يرى أن لتدهور الأوضاع في لبنان أثراً مباشراً في سوريا، ومن غير المنطقي أن يعتقد أحد عكس ذلك، سواء في سوريا أو لبنان. لقد كانت المعادلة واضحة وبسيطة بالنسبة للرئيس السوري، فلبنان كان جزءاً من الأمة العربية، ولا يمكنه أن يكون غير ذلك، كما أنه جزء لا يتجزأ من بلاد الشام، وقطعة تاريخية من سوريا. وعلى نقيض ما خشيه كثير من اللبنانيين، لم يكن الأسد يسعى إلى ضم لبنان كما حاول عبد الناصر عام 1958، تقول شعبان.

وتضيف الكاتبة أنه ما لبثت الاشتباكات أن عادت في نهاية الصيف، وهذه المرة في عاصمة الشمال طرابلس، وفي مدينة زحلة عاصمة وادي البقاع. وانتهت مجدداً بوساطة سورية أخرى أدت إلى استقالة قائد الجيش إسكندر غانم، الذي اتهمه المسلمون بالانحياز لحزب الكتائب اللبنانية وتسليح الميليشيات المسيحية. بيد أن الاشتباكات لم تكد تهدأ حتى اندلعت مجدداً بتحريض من جنبلاط، واستُعملت فيها المدافع والأسلحة الثقيلة، مما أحدث دماراً كبيراً في المركز التجاري في مدينة بيروت. هرعت سوريا من جديد للقيام بوساطات بين الأطراف اللبنانية، وكان من نتائجها نجاحها في تشكيل لجنة حوار وطني تضم عشرين عضواً، من بينهم كمال جنبلاط وبيار الجميل.

 

 


مأساة الحرب اللبنانية بين عامي 1975-1976
مأساة الحرب اللبنانية بين عامي 1975-1976

الظل الثقيل لاتفاق سيناء 2

مع بروز الوسيط السياسي السوري في لبنان، طلب كيسنجر من السفير الأميركي في دمشق، ريتشارد مورفي، لقاء الرئيس الأسد والبحث معه في سبل التعاون الممكنة بين سوريا والولايات المتحدة بخصوص الملف اللبناني. التقى مورفي الأسد كما يُظهر محضر الاجتماع المنشور في هذا الكتاب بتاريخ 16 تشرين الأول نوفمبر 1975، وأعرب عن رغبة بلاده العمل مع سوريا لحل المشكلة في لبنان. وطلب تجاوز الخلافات التي أثارها اتفاق سيناء 2، وفصل ذلك عن مجالات الاهتمام المشترك الأخرى، مثل لبنان. أكد الأسد بدوره أن موقف سوريا من لبنان ينطلق من رؤيتها القومية العربية، فالقيادة السورية لا تنظر إلى اللبنانيين على أنهم مسلمون ومسيحيون، بل شعب عربي يمرّ بمحنة، وشرح الرئيس لمورفي ماهية المشكلة في لبنان مؤكداً أنها لم تكن دينية بل سياسية، وأن لا أحد في سوريا يعتقد أن الإدارة الأميركية كانت تدعم المتطرفين المسيحيين، ولكن الكثير من العرب، ومنهم الأسد، يعتقدون أن الولايات المتحدة أدّت دوراً في التحريض على القتال في لبنان من أجل التعمية على اتفاق سيناء. إلا أن مورفي سارع إلى نفي هذه الاتهامات.

أما فيما يتعلق بإسرائيل، فقد كرر الأسد القول إن المشكلة في لبنان قضية عربية داخلية، ولا يحق لإسرائيل التدخل في الشؤون العربية الداخلية، مؤكداّ أن الشعب اللبناني، إن طلب أي مساعدة عسكرية من سوريا، فإن سوريا "ستضع تحت تصرفه كل ما يحتاجه، من أقصى شمال لبنان إلى أقصى جنوبه، ولن يمنعها عن أداء هذا الواجب ما تنوي إسرائيل فعله"، وأن سوريا جاهزة لتتصدى لإسرائيل إن أرادت المواجهة، سواء هنا في مرتفعات الجولان أو في أي مكان آخر. وردّ الأسد على كيسنجر عن طريق مورفي قائلاً: "يبدو أن الدكتور كيسنجر لا يريد تجزئة مسارات السلام فحسب، بل الحرب أيضاً، قل له إن شروط المعارك الصغيرة أفضل لنا، حتى وإن لم يكن هذا تفكيره".

 

الحل السوري

مع حلول نهاية عام 1975، أدرك حافظ الأسد أنه بحاجة إلى مبادرة جريئة تكسر الجمود الحاصل في لبنان، فقام بدعوة رئيس حزب الكتائب بيار الجميل إلى زيارة دمشق في السادس من كانون الأول ديسمبر عام 1975. كانت سوريا تمد الحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية بالسلاح لقتال "الجبهة اللبنانية"،  فالأسد لم يكن يثق بحزب الكتائب نتيجة تعاملهم العلني مع السادات واتصالاتهم السرية بإسرائيل. ولكن كان لا بد من التواصل معهم لأنه لا حل سياسي يمكن أن ينجح في لبنان من دونهم. ففي الوقت الذي كان يجلس فيه بيار الجميل مع الأسد في قصر الروضة في دمشق، قام ابنه بشير الجميل وميليشياه بارتكاب مجازر بحق اللبنانيين المسلمين والفلسطينيين في شرق بيروت موقعين عشرات الضحايا، فضلاً عن تهجير الآلاف. حينها استغلت إسرائيل الفرصة لضرب "جبهة بلاد الشام" وذلك برفعها مستوى الدعم المقُدم إلى الكتائب اللبنانية والميليشيات المسيحية الأخرى.

في هذا الجزء قدمت شعبان سلسلة من الوقائع والأحداث والتحليلات المتعلقة بتقرّب حزب الكتائب من إسرائيل والهدف من ذلك، لما فيه خوفهم على الوجود كأقلية مسيحية، وتصورات رئيس الوزراء الصهيويني ديفيد بن غوريون لجهة التواصل الماروني مع الصهاينة، باعتبارهم أيضاً "جسماً غريباً" في العالم العربي، وتوسعت هذه العلاقات بعد احتلال فلسطين عام 1948. حاول حافظ الأسد بحسب الكاتبة فصم عُرى هذا التحالف "الماروني – الإسرائيلي" بالوسائل العسكرية من خلال إلحاق الهزائم بالكتائب وحلفائهم، وسياسياً بالانفتاح عليهم وإقناعهم بأنهم ينتمون إلى سوريا والوطن العربي وبأنهم ليسوا أقلية معزولة بحاجة إلى حماية القوى الأجنبية. ولكن في مطلع عام 1976 لم تكن الكتائب، وخاصة بشير الجميل، بصدد الاستماع واستمرت ممارسة العنف. وسرعان ما رد تحالف القوى الوطنية والفلسطينية على المجازر باجتياح بلدة الدامور جنوبي بيروت، وهي التي كانت موالية لكميل شمعون، وارتكب أفراده الفظائع بحق السكان المدنيين هناك.

 في ذلك اليوم بتاريخ 20 كانون الثاني يناير 1976، أدخلت سوريا وحدات من جيش التحرير الفلسطيني، التابع اسمياً لمنظمة التحرير الفلسطينية وعملياً لقيادة الجيش السوري، إلى لبنان لإعادة التوازن العسكري وكبح تدهور الأوضاع. تقول شعبان إن الأسد أقدم على هذه الخطوة، بهدف إيصال رسالة إلى الكتائب اللبنانية مفادها أنه لن يتسامح مع مجازرهم بعد اليوم، واستمر بالخيار العسكري إضافة إلى السير موازياً بالوساطة السياسية. وبعد الضغط السوري الشديد على سليمان فرنجية والفرقاء المسيحيين، تم الوصول إلى اتفاق شامل وافق عليه كل القادة السياسيين اللبنانيين في 22 كانون الثاني ديسمبر عام 1976، بحضور وزير الخارجية السوري.

نص الاتفاق على حزمة إصلاحات موسعة عُرفت بالوثيقة الدستورية، من ضمنها تقسيم مقاعد النواب اللبناني على نحو متساوٍ بين المسيحيين والمسلمين، ومنح رئيس الوزراء المسلم السني صلاحية الموافقة على أي تشريع يقرّه الرئيس المسيحي الماروني، ليصبح نافذ المفعول، والدعوة إلى إلغاء المحاصصة الطائفية من الدوائر الحكومية، كما ألزمت التسوية القوات الفلسطينية بالانسحاب إلى الخطوط المتفق عليها في اتفاقية القاهرة عام 1969 قبل البدء بأي عملية إصلاح سياسي.

 

التدخل السوري

في العام 1989، وقّع نواب البرلمان اللبناني المجتمعون في مدينة الطائف السعودية على وثيقة إصلاح سياسي أنهت خمسة عشر عاماً من الحرب الأهلية. استند اتفاق الطائف بمعظمه إلى الوثيقة الدستورية التي كان الأسد قد خرج بها عام 1976. هذه الوثيقة قُوبلت بالرفض من كمال جنبلاط، الذي غيّر موقفه من الوساطة السورية جذرياً، وشرع في حشد المعارضة للحل السياسي ضمن حلفائه اليساريين والفلسطينيين، وتدهورت من بعدها الأوضاع في لبنان. يعرض الكتاب محضر اجتماع الأسد - جنبلاط في 27 آذار مارس 1976، حينها سأل الرئيس السوري جنبلاط بكل صراحة عن شكل لبنان المستقبل الذي يريد قيادته إن كان ينوي إخضاع نصف الشعب بالقوة والمجازر. وبعد أقل من أسبوع على لقائهما، شنّت قوات الحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية هجوماً واسعاً على قرى الشطر المسيحي من جبل لبنان وفي محاور بيروت، وباتت الكتائب وحلفاؤها على وشك الهزيمة. تتابع الكاتبة الحديث عن الوضع الأمني اللبناني المتأزم، وتسرد نصوص الرسائل التي أرسلتها الولايات المتحدة إلى الرئيس الأسد، عارضة عليه المساعدة في حل الازمة اللبنانية، من دون أن تُجيب دمشق على أيّ رسالة أرسلها كيسنجر عبر سفيره في دمشق مورفي ولا عبر القائم بالأعمال روبرت بيلترو.

لا خطوط حمراء

في الخامس من نيسان أبريل عام 1976، دخلت وحدات من جيش التحرير الفلسطيني ومنظمة الصاعقة إلى بيروت، وفي أقل من أسبوع، تمكنت من السيطرة على مطار بيروت الدولي وموانئ المدينة. واستطاعت هذه القوات من إعادة التوازن العسكري على جبهات عدة، وإيقاف ما أسمته شعبان بـ"المد الجنبلاطي". في واشنطن، كانت هناك خشية أميركية في حال دخول وحدات نظامية سورية إلى لبنان، أن يحصل صدام بينها وبين إسرائيل من جهة، وأن يتعزز الدور السوري وتتعاظم أهميته من القوس الممتد من سوريا حتى الأردن من جهة أخرى. ووقفت الولايات المتحدة عاجزة عن اتخاذ قرار بشأن ذلك، حتى اقترح كيسنجر صيغة أسمتها شعبان بالـ"بارعة"، يمكن بها دخول القوات السورية لإعادة الاستقرار إلى لبنان من دون حصول رد فعل إسرائيلي. ففي الثالث والعشرين من آذار مارس، تلقى كيسنجر رداً من رابين على تساؤلاته، أكد فيها أنه في حال حصول تدخل عسكري سوري، فإن القوات الإسرائيلية ستحتل بصمت مواقع استراتيجية جنوب لبنان.

حددت مذكرة إسرائيلية أُرسلت إلى واشنطن أنواع الأسلحة والقوات السورية التي لا تقبل إسرئيل بوجودها في لبنان، وخاصة انتشار وحدات سورية أكثر من عديد لواء واحد – بما في ذلك القوات الموجودة سابقاً في لبنان. كا ورد في المذكرة أن إسرائيل لن تتساهل مع تقدم أي قوات سورية أكثر من عشرة كيلومترات جنوب طريق بيروت – دمشق، وكان هذا اتفاق "الخطوط الحمر" الشهير، إسرائيلياً – أميركياً. من بعدها تم تبادل البرقيات بين الرئيس الأسد وكيسنجر حيال التدخل العسكري السوري في لبنان، وتظهر الوثائق المنشورة في الكتاب مدى الصلابة السورية ورفضها لما يحاك بين الأميركيين والإسرائيليين واستغلالهم للظرف الراهن.

  


ساحة الشهداء في بيروت خلال الحرب الأهلية في لبنان
ساحة الشهداء في بيروت خلال الحرب الأهلية في لبنان

الخاتمة: السلام السوري

في الأيام التي تبعت دخول وحدات نظامية من الجيش السوري إلى لبنان، عقد وزراء الخارجية العرب اجتماعاً طارئاً في القاهرة وقرروا إرسال قوة حفظ سلام عربية إلى لبنان بقيادة الرئيس اللبناني المنتخب إلياس سركيس. إلا أن هذه القوات التي وصلت إلى لبنان سرعان ما أثبتت عدم فاعليتها، بل إن بعض وحداتها من العراقيين والليبيين انضمت إلى القتال إلى جانب الحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية. وشنّ السادات حرباً إعلامية ضد الأسد، في حين قطع العراق إمدادات النفط عن سوريا. ومع ذلك لم يتزحزح الأسد، إذ لم يكن يريد تدمير منظمة التحرير ولكنه أراد فصلها عن كمال جنبلاط وإعادتها إلى تحالفها الطبيعي مع دمشق. تضيف الكاتبة أن الأسد رفض رفضاً قاطعاً مناقشة الشؤون اللبنانية الداخلية أو النظام السياسي في لبنان مع عرفات، وحثّه على سحب مقاتليه من أزقة بيروت وإعادتهم إلى حيث ينتمون، أي إلى الجبهات المقابلة لإسرائيل. غير أن عرفات رفض واستمر في القتال إلى جانب جنبلاط.

أما كيسنجر فقد أكد للأسد مراراً بأن إدارة فورد مستمرة في دعم الحل السياسي في لبنان المبني على تسوية الوثيقة الدستورية التي رعتها سوريا. كانت الولايات المتحدة منهمكة في الانتخابات الرئاسية الأميركية، حيث نجح جيمي كارتر في الوصول إلى سدة الرئاسة في انتخابات عام 1976، وخرج فورد ومعه كيسنجر من البيت الأبيض الذي دخله كارتر في كانون الثاني يناير عام 1977.

في خاتمة الكتاب، تتحدث الكاتبة بشكل مختصر عن كل ما سبق، معرجة على عدد من النقاط الرئيسية في رحلة كيسنجر للسلام في الشرق الأوسط لناحية الإخفاقات والنجاحات، فضلاً عن الخيبات التي تلقاها الرئيس حافظ الأسد سواء من الولايات المتحدة أو من أنور السادات أو من ياسر عرفات. كما تحدثت عن اجتماع الرئيس الأسد بالرئيس الأميركي بيل كلينتون الذي قدم عرضاً بإعادة 95% من الجولان وتعويض سوريا عن الخمسة بالمئة الباقية، ومعظمها أراضٍ حول بحيرة طبريا، ولكن الأسد رفض.

تختم بثينة شعبان: هذه هي التركة التاريخية الحقيقية لحافظ الأسد التي حاول كتاب "حافة الهاوية" إلقاء الضوء عليها. 


إقرأ الحلقة الثالثة