قراءة في نظريات الدولة الديمقراطية

تدل العولمة على درجة من البناء المؤسساتي على المستويين العالمي والدولي، مع تغيّر في السلطة بعيداً عن الدولة وفي المؤسسات. ولكن هذا التغيّر لا يعني بالضرورة خسارة في السلطة الرسمية للدولة.

كتاب "نظريات الدولة الديمقراطية" للباحثين جون س. درايزك وباتريك دنلفي
كتاب "نظريات الدولة الديمقراطية" للباحثين جون س. درايزك وباتريك دنلفي

يبحث كاتبا "نظريات الدولة الديمقراطية"، جون س. درايزك وباتريك دنلفي، الصادر عن المركز القومي للترجمة في مصر، جملة من العناوين التي تخدم فكرة الديمقراطية كمبدأ للنظام السياسي؛ وذلك من خلال: التعددية، والنقاش الحالي والمستقبلي حول الدولة، والعولمة ما بعد الحداثة، ورد الفعل المحافظ، والنظرية البيئية للدولة، ونظرية الدولة عن المساواة بين الجنسين، والنقد والتجدد الديمقراطي، وسياسة الهوية، والسياسة الانتخابية التنافسية، ومن التعددية إلى الحوكمة، وليبرالية السوق، والماركسية، ونظرية النخبة.

وبعد حديث في مفهوم الدولة وخصائصها، يستعرض الكاتبان مراحل تطوّر الدولة وصولاً إلى القرن العشرين حين تهاوت آخر النماذج الإمبراطورية عام 1991 كشكل من أشكال الدول، وكان يمثلها الاتحاد السوفياتي.

ويرى الكاتبان أنه بعد انهيار ما يعتبرانه إمبراطورية سوفياتية، واجهت الدول وأنظمتها عدداً من التحديات كان أوّلها وأبرزها الهيمنة الأميركية على العالم، والثاني العولمة والدخول في الاتحادات والتنظيمات كالمحكمة الجنائية الدولية ومنظمة التجارة العالمية.

ويعتبر الكاتبان أن ظهور شكل الدولة الديمقراطية الليبرالية كان حدثاً لافتاً بسبب السمات الديمقراطية كالانتخابات الدورية، مروراً باحترام الحقوق المدنية، وصولاً إلى وضع الدساتير وتنظيم صلاحيات السلطات الموجودة داخل الدولة، ويرجعان الفضل في ذلك التطور الديمقراطي إلى انتصار الدول الحليفة في الحرب العالمية الثانية.

لكن الديمقراطية ذات المسار الخطّي ـ بنظر الكاتبين ـ لا تزال تلقى مقاومة من بعض الدول كما هي حال الصين، بينما روسيا، في عهد بوتين 2000، جمعت بين الانتخابات التنافسية والسلطة المركزية. أما العالم الإسلامي، فيعتبر المنطقة الأكثر صعوبة للديمقراطية الليبرالية بسبب التعقيدات الموجودة في مكوناته.

ويبدي الكاتبان دهشتهما من تطور الديمقراطيات في العالم واستمرار الحروب عالمياً برغم أن الكثيرين اعتبروا أنه مع انتشار الديمقراطية الليبرالية يجب أن تنتهي الحروب بين الدول، فكانت المفاجأة بغزو الولايات المتحدة وبريطانيا العراق عام 2003؛ الأمر الذي اعتُبر بمنزلة دخول بعض الليبراليات الديمقراطية الحرب؛ وذلك بعكس ما كان متصوراً.

في سياق الحديث عن الديمقراطية وطرق تعزيزها يثير الكاتبان قضية التعددية التي تحترم وجود العديد من طرق الحياة، والعديد من طرق المعرفة، والعديد من مراكز السلطة في المجتمع، بشرط أن تلتزم تلك الأقطاب بالمنافسة العادلة، من خلال الاعتماد على الحقوق الفردية، والتنظيمات المؤسساتية المتوازنة، وعلى أنظمة حكومية لا مركزية أو فدرالية، وتكون وحدة البناء الأساسية للحياة السياسية هي مجموعة المصالح الخاصة.

 وقدّم أحد منظري التعددية روبرت دال مفهوماً لوصف النظام السياسي الذي يمنح العديد التحكم في السياسة لكي يميّز المدى الناقص الذي كانت تحققه أهداف الديمقراطية الليبرالية في أميركا وأوروبا وبلدان أخرى مع الحكومات النيابية، فركّز وآخرون على مقترحات حول التعددية في السياسة الأميركية وفق الآتي:

 

-      توزيع مصادر التأثير السياسي

-      أي فئة من الناس يمكن أن تشكل مجموعة

-      وجود قنوات وصول متعددة (تأييد الكونغرس- الإعلام – المظاهرات)

-      دمج مشترك لأصواتهم وأموالهم والأنشطة الداعمة لهم مما قد يعطي صوتاً سياسياً فاعلاً

-      لا يمكن للمال أن يشتري كل شيء

-      بالرغم من إدارتها للأنشطة، توجد نخب منفصلة المصالح.

-       

من جهتهم، اعتبر منظرو النخبة بأنه مهما كان الشكل المزعوم للحكومة، فإن نخبة من الأقلية يجب أن تحكم دائماً، لأن هيمنة النخبة مسألة طبيعية ومرغوبة، في وقت احتقروا كلاً من الادّعاءات الليبرالية حول الدمقرطة تحت الرأسمالية والمعتقدات الماركسية التي يمكن أن تحكم بصورة عملية بعد ثورة اشتراكية من أغلبية الطبقة العاملة.

وقد جادل منظّرو النخبة بأن المجتمع يقوم على ركيزتين أساسيتين: النخبة الحاكمة وجمهورٍ من كلّ المواطنين، بالإضافة إلى رؤيتهم أن هناك موضوعين مهيمنان في العلاقة بين المجتمع والعملية السياسية هما: تداول النخب، ودور السياسيين المحترفين ومدى تعلّقه بالأحزاب السياسية، مع ملاحظة أن منظّري النخبة الأوروبيين كانوا معادين للشيوعية والاشتراكية وللديمقراطية؛ الأمر الذي أدى إلى دعمهم للحركات الفاشية، بينما كان منظّرو النخبة الأميركيون نقاداً يساريين بارعين في توزيع السلطة.

وبالانتقال إلى الرؤية الماركسيّة، يتحدّث الكاتبان عن اعتقاد كارل ماركس بوجود طريحتين متضادتين هما: العمال الكادحون والرأسماليون، فكانت تلك حجته كي يقوم بإنشاء حزب عمالي لاستغلال الظروف وتنظيم الثورة.

وفي قراءة للنظرية الماركسية، يرى النقاد بأن الماركسية لم تستطع أن تتطور مع مرور الزمن، إذ لا يزال المنظّرون الماركسيون يدعمون الإضرابات والاحتجاجات ضد العولمة، لكنهم لم يحاولوا أن يقولوا ما يمكن عمله بالضبط وبشكل مختلف، أو كيف تُغيّر الدولة الديمقراطية نفسها نحو الأفضل.

في المقابل، يشدّد الكاتبان على أن ليبرالية السوق تحاول إصلاح الحكومات من خلال اعتماد النظام الرأسمالي كحل مثاليّ لاكتشاف واستخدام المعرفة، ثمّ تتموقع في نقيض النظرية الماركسية. كذلك يقرّران أن متّبعيها يعتقدون (من سبعينيات القرن العشرين تحديداً) بأن الحكومة ذاتها يمكن إعادة توجيهها بطريقة معيّنة وفق السوق الليبرالية، وفق ما شهدته تجارب الحكومات الأميركية والبريطانية (خصوصاً "التاتشيرية"). 

في نقد النظرية، يعتبر البعض أن أيام مجد ليبرالية السوق قد ولّى نظرياً؛ فالانصهار المالي عام 2008 بسبب توسّع الزيادات الرأسمالية غير المنظمة قد دعا الحكومات (الأميركية والبريطانية تحديداً) إلى تمديد الرقابة الحكومية على المؤسسات المالية، كما أن التحديات المعاصرة (كالإرهاب مثلاً) سوف يخلق طلبات جديدة لتدخّل الدولة.

 

شغل عدم التوازن في التأثير التعدّديين الجدد، خصوصاً العلاقة بين شركات الأعمال وآخرين، إذ إنّ الأعمال كان لها تأثير ونفوذ كبيران، فرأى أحد مطوّري نظرية التعدّدية تشارلز لندبلوم أنّ السوق يعتبر "سجناً" يعيق ما يمكن أن تفعله الحكومة؛ فالتعددية تعمل في منطقة غير مسجونة من صنع السياسة. وكان مصطلح الحوكمة يرتبط بالحكومة، ولكن الاستعمال الأكثر حداثة للمصطلح يتضمن شيئاً مختلفاً نوعاً ما، وهو "إنتاج النتائج الجماعية (في سياق المشاكل العامة) التي لا تقع تحت سيطرة السلطة المركزية". هذا النوع من الحوكمة ينشأ جزئياً من مضاعفة الفاعلين المؤثرين.

 

وهنا يعود الكاتبان إلى الوقوف عند سياسة الهوية لأن النظريات السابقة التي تمّ الحديث عنها تفتقد إلى ما هو قابل للجدل والنقاش، والأكثر أهمية للدولة الحديثة، وهو أنها قبل كلّ شيء دولة قومية، وهو الأمر الذي جعل القوميين يعتبرون أنّ كلّ دولة يجب أن تتكوّن من أمّة لها تاريخ، ومجتمع، ولغة أو انتماء عرقي، في تأكيد لسياسة الهوية على دور الهويات الوطنية ذات الجمهور العريض المتعاطف. فالهوية تشير إلى من يكون الشخص بدلاً من ماذا يريد؟ أو ماذا تريد الدولة؟ ومن ثمَّ لا يمكن اختزال الهويات إلى المصالح.

عليه، تتحدّى سياسة الهوية بعض النظريات التي سبق ذكرها؛ فالماركسية تعتبر أن الهوية أصبحت شيئاً من الماضي، والصراع هو طبقيّ بامتياز. ويرى أصحاب نظرية ليبرالية السوق اتّباع الأفراد لمصالحهم الشخصية المادية فقط، فسياسة الهوية لا تندرج في العالم الاقتصادي الليبرالي للسوق.

 

النظرية البيئية للدولة

تُظهر النظرية البيئية للدولة أنّ من المحتمل اعتبار الدولة الحديثة بكلّ اختلافاتها منتجاً من منتجات العصر الصناعي القائم على النمو الاقتصادي والتغيّر التكنولوجي، وتخضع تالياً لإعادة التفكير فيها عندما ندخل إلى العصر البيئي ونبذل الجهود من أجل حماية البيئة. وقد ظهر هذا جلياً في الولايات المتحدة في سبعينيات القرن الماضي، إذ أقرت العديد من القوانين البيئية، وسرعان ما بدأ التحدي بين الحكومة و"الملوّثين"، خصوصاً مع إصرار إدارة الشؤون الصغيرة في الكونغرس الأميركي والتابعة لوكالة الحماية البيئية على منع سيطرة المصالح الخاصة عليها.

في تقييم هذه النظرية، يرى العديد من النقاد بأنها تفتقد إلى نظرة توضيحية متميّزة عن الدولة، وتمتدّ هذه الملاحظة إلى هيكل وعمليّة صنع السياسة فيها.

 

المحافظون الجدد

ويتناول الكاتبان ردّ فعل المحافظين وهم الذين يتبنون نظرية أخلاقية في السياسة، تكون في أغلب الأحيان مندمجة مع تقدير قوي للدور الذي تؤدّيه تقاليد مجتمع معيّن في طمأنة التماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي، إذ يعتقد المحافظون الحقيقيون بأنّ هناك شيئاً اسمه "مجتمع"، فيتمّ التأكيد على الالتزام تجاه الجماعة قبل الأفراد. ولذلك لم يلتزم المحافظون بأيّ نظرية تفسيرية معيّنة للدولة، ولم يكن لديهم تفسير عام عن كيفية صنع سياسة عامة تطبّق حتى لو على دولة واحدة. وبالنسبة لهم، فإنّ العالم معقّد جداً حتى يمكن أن ينتج أياً من هذه النظريات العامة.

ويلحظ الكاتبان أنه مع حلول عام 2003، برزت المحافظيّة الجديدة(Neoconservatism) في الولايات المتحدة الأميركية التي أراد معتنقوها تعميمها على العالم، وبدأت أهدافها في نقد فقدان الغرض الأخلاقي المشترك من العالم، بناءً على اعتناق أعضائها ليبرالية حديثة وديمقراطية بشكل انتقائي، مع إرادة استعادة الجانب الأكثر بطولية من الليبرالية، ما أدّى في عام 2006 إلى انقلاب الرأي العام الأميركي عليهم.

في مقابل المحافظين يبرز المناصرون لما بعد الحداثة الذين يرون أهمية قليلة أو لا يرون أهمية على الإطلاق في أيّ تقاليد تميّز المجتمع ككل، بل يرون أنّ مهمتهم الخاصة تكمن في عرقلة التفاهمات الثابتة من هذا النوع بدلاً من تعزيز هذه التفاهمات على طريقة المحافظين. إنّ أتباع ما بعد الحداثة يتمتعون ـ على الأغلب ـ بامتياز منظور أولئك المضطهدين من الأنظمة المهيمنة أياً كانوا، ولكن نادراً ما يكونون طبقة اجتماعية تابعة.

ويقلل أنصار ما بعد الحداثة عادة من قيمة أهمية التركيب الرسمي المفصل لمؤسسات الحكومة. ومع ذلك، لا يزال يمكن أن تعامل المؤسسات وتحلّل من ناحية المفاهيم المشتركة للناس التي تفكّر فيها، وهي المفاهيم التي قد لا تكون مستقرة بمرور الزمن كمفهوم السيادة مثلاً.

وفي لحظة مفصلية، تأتي العولمة لعكس العلاقة بين العوامل الداخلية والخارجية. وبالنسبة للعالميين (الذين يمكن تعريفهم بأنهم أؤلئك الملتزمون بدرجة أكبر أو أقلّ بأطروحة العولمة)، فإنّ التأثيرات الرئيسة على الدولة حالياً هي التأثيرات الدولية في أصولها، وبناء على ذلك، يقللون من أهمية القوى الداخلية. وبالرغم من أن الاقتصاد والمال هما الأساس في العولمة، فإنّ النظام العالمي لا يعتمد فقط على حركة السلع والاستثمار والمال، إذ تتضمن العولمة المعلومات أيضاً (الإنترنت مثالاً)، كما يمكن أن تتضمن حركة الناس الثقافية والسياسية والاجتماعية.

في المقابل، يرى البعض أن العولمة تدلّ على درجة من البناء المؤسساتي على المستويين العالمي والدولي، مع تغيّر في السلطة بعيداً عن الدولة وفي المؤسسات. ولكن هذا التغيّر لا يعني بالضرورة خسارة في السلطة الرسمية للدولة.

ويرى الباحثان أنّ الصعود السياسي والفكري للديمقراطية الليبرالية في مطلع القرن الحادي والعشرين قد أصبح آمناً. وبطبيعة الحال، لا يزال هناك العديد من الحكومات الاستبدادية حول العالم لكنها تبدو مثل البقايا. وبرغم ذلك لن تبدو فرص الليبرالية الديمقراطية على المسرح العالمي وردية، إذ تمّ التشكيك فيها بعد غزو العراق عام 2003، واعتبار أن مؤيديها يريدون فرضها بالبندقية.

 

في الخلاصة، يمكن استنتاج ما يلي:

-      سوف تستمر التعددية في أن تكون قوة أساسية في التفكير.

-      سوف تبقى نظريتا النخبة والماركسية نقداً راديكالياً قوياً للتفاوت الاجتماعي والحكم الرأسمالي.

-      سوف تزداد أهمية النظرية البيئية.

-      سوف ينجو سوق ليبرالي معاد دمجه ووضع محافظ جديد، و"يمين جديد" متكامل مشابه ليمين ثمانينيات القرن العشرين، من الصدمات المضادة التوأمية للأزمة المالية (2008) من ناحية، ووصول الولايات المتحدة الأميركية الإمبراطوري الأكثر من اللازم إلى العراق وأفغانستان، من ناحية ثانية، لإبقاء النقد مستمراً للتعددية من اليمين، خصوصاً في الولايات المتحدة.

 

طارق قبلان إعلامي وباحث لبناني.