"تاريخ حضارة الهند".. جماليّات تصف حياة الشعوب

أحدثت تعاليم بوذا تدريجياً ثورة في الهند، وقد فتحت تعاليم بوذا آفاقاً واسعة للتطوّر والتقدّم في الهند فهو لا يخلق دنيا جديدة بل يأخذ من الإمكانيات المتاحة قواماً لبناء حياة جديدة.

قراءة: روز سليمان

  • "تاريخ حضارة الهند" للمؤرخ محمد مجيب
 

  

يأتي كتاب "تاريخ حضارة الهند" للمؤرخ الهنديّ محمد مجيب(1902-1985) ضمن سلسلة كتب "حضارة واحدة" التي تصدرها مؤسسة الفكر العربي؛ وهو الثالث بعد كتابي "العلاقات العربية الهنديّة" و"تاريخ حضارة الهند". وبحسب مترجمه البروفسور الهنديّ محمد نعمان خان فإن الكتاب "يعتبر مرجعاً مهمّاً لدارسي تاريخ الهند وحضارتها القديمة". إذ يتّبع منهجاً نقدياً وتحليلياً، من خلال رصد بدايات الحضارة الإنسانية، وانتقاله لاحقاً إلى الحضارات الهندية القديمة، حضارة الآريائيّين والبوذيّين، مناقشاً الحضارات السائدة في عهد ملوك موريا وغوبتا؛ إضافة إلى تخصيص المؤلف باباً لتبيان علاقات التأثّر والتأثير بين الحضارات الهندية والإيرانية واليونانية.

يعتمد البروفسور أيضاً على شهادات الرحّالة، معوّضاً النقص في المصادر "فيما يخصّ الأوضاع السائدة في الهند، من منتصف القرن الخامس إلى بداية القرن السابع للميلاد".

يتناول الكتاب في الفصل الثامن والأخير تحت عنوان "الدَّكَن وجنوب الهند"، حضارة الجنوب الهندي متنقلاً من السياسة والدين إلى فنّ العمارة والكهوف البوذيّة والمعابد الهندوسيّة "فضلاً عن المباني ذات الهندسة المغايرة، وطُرق تزيينها بالنقش ونحت التماثيل". ويؤكد أن الحضارة الهندية القديمة نجحت في تحقيق أهدافها، ووفِّقت في خلق جوّ من الوئام في الهند، ولو أنها لم تستطع أن تتصدّى لهجمات الغزاة الأجانب "إذ إن الاتحاد الذي خلقته تلك الحضارة تغلّب على الفوضى وعلى نقائض الحكم السياسي. وكان هذا الاتحاد أقوى بكثير من ذاك الذي كان يمكن للحكّام السياسيين أن يقيموه".

يضمّ الكتاب الذي راجع ترجمته البروفسور الهندي زبير أحمد الفاروقي، ثمانية أبواب تأتي في 400 صفحة من القطع المتوسط، إضافة إلى مقدمة ومدخل يتناول فيه مفاهيم حول "ما هي الحضارة؟". فلا يمكن تحديد العناصر القومية الأصلية والعناصر المُستعارة في أي حضارة "في الغالب يكون إسهام قوم في حضارتهم أقل بكثير ممّا أخذه من الحضارات السابقة والمعاصرة. ولكن كل شعب يعطي لحضارته الموروثة صيغة جديدة إلى حدّ ما، وبالتالي لا يمكن رفض دعواه بأن حضارته ذات طابع مستقلّ ومتميّز عن الحضارات الأخرى". فمن وجهة نظر مجيب، فإن الإشكالية تزداد لدى مؤرخ حضارة الهند. إذ إنّ الهند ظلّت منذ بداية عهدها منبعاً للإيديولوجيات الدينية والأخلاقية، وميداناً لصراع الحضارات "لا يزال الصراع الحضاري والسياسي، الذي شهدته البلاد على امتداد التاريخ، قائماً إلى يومنا هذا". ويضيف "من الأنسب لنا، وأيضاً لعلم التاريخ، ألّا يخوض المؤرّخ الأبحاث الأصولية، وألا يتنطّح لبيان التوجيهات السياسية، وهو مولع بالمشاهدة، وقادر على تصوير الحياة وإبراز ما يخفى في ثنايا التاريخ. لذا عليه أن يربّي ذوقه ويهذّب شوقه، وأن يبلغ ذروة الكمال في فنّه، لكي تكون صورة الحياة التي يقدّمها مكتملة حيّة، ويصير عالم التاريخ عالم الأحياء".

في الباب الأول، "بداية الحضارة"، وعند تناوله الأعراق الهندية، فإن مجيب لا يرى افتراض السيرهربارت ريسلي بأن التكامل بين العناصر البشرية في الهند لم يتجاوز حداً معيناً، افتراضاً صحيحاً. يقول "لا شكّ أن نظام التمييز الطبقي قد راج في الهند، وأن قيوداً قد فُرِضت في ما يخصّ الزواج، إلا أن النظام الطبيعي لانتقاء الأزواج أدّى إلى تشكيلة للأجيال لا يوجد لها مثيل حتى في الولايات المتحدة..". ويتطرق أيضاً إلى آثار العهد الحجري في الهند، إضافة إلى حضارة "موهنجودارو" و"هاربا" وانتشار الحضارة السِنديّة وميزاتها "لا يمكن معرفة المعتقدات الحقيقية لأهل موهانجودارو وهاربا ما لم تتمّ قراءة الكتابات في اللغة السِنديّة القديمة. وهناك مبانٍ يغلب الظنّ بأنها أماكن عبادة، ولكنها خالية من الأصنام والأشياء الخاصة بالعبادة، فلا نعلم شيئاً عن طريقة عبادة الناس فيها. ويمكننا أن نقدّر ذلك بالنظر إلى بضعة أختام وأصنام مصنوعة من الطين والمعادن".

تمّ تخصيص الباب الثاني لحضارة الآريّين، فعلى الرغم من صعوبة معرفة الوطن الأصلي للآريّين، اتّفق غالبية المحقّقين على أن منشأ الجنس الآري كان وادي نهر الدانوب، ومنه انتشرت قبائله في أماكن مختلفة. وبيّنت الدراسات التي أجريت في القرن التاسع عشر حول الآريّين ولغتهم أن "العديد من اللغات التي يُنطَق بها في المناطق الممتدّة من أوروبا الغربية إلى الهند، أو التي كان يُنطَق بها في زمن ما، مثل اليونانية واللاتينية والألمانية والإيرانية القديمة(البهلوية) والفارسية والسنسكريتية وغيرها، يرجع إلى أصل واحد؛ وقد سميّت هذه اللغة الأساسية اللغة الهندية-الأوروبية أو الهندية الجرمانية. ولعلّ الآريّين كانوا ينطقون بها في الفترة التي عاشوا خلالها في وطنهم الأصلي..".

معتمداً كمصادر لتاريخ الآريين على الفيدات، والبراهمة والأوبانيشادات، والسوترات، والملاحم، إضافة إلى البحث في نظامهم الاجتماعي وحياتهم العامة والمنزلية ونظام الطبقية والمعتقدات الدينية. ينتقل الباحث في الباب الثالث للحديث عن الهند البوذيّة. فعندما بدأت الحركات الدينية والإصلاحية في جميع أنحاء العالم تقريباً كمؤشر على وصول النوع الإنساني إلى مرحلة جديدة من الرقيّ والتطوّر، بما اقتضى إعادة تنظيم الحياة على ضوء مشاعره الحديثة ومتطلّباته الروحية، فتيقّظ لديه الوعي الأخلاقي، وبدأ يدرك أنه بنفسه مسؤول عن إرادته وعمله والهلاك والنجاة، وعمّا يصيبه من ألم وراحة "ولذا لا بدّ أن تكون الأخلاق المثل الأعلى لدينه وأن يكون لها دور كبير في الحياة الفردية والاجتماعية".

ويؤكد المؤرخ أنه في الهند أدرك "بوذا" هذا الأمر بشدّة أكثر من غيره، ففتَحت تعاليمه آفاقاً واسعة للتطوّر والتقدّم. فهو لا يخلق دنيا جديدة بل يأخذ من الإمكانيات المتاحة قواماً لبناء حياة جديدة".

وفي الحديث عن الحياة الاجتماعية والحضارة في تلك الأيام نقرأ بأنها عرفت العيب "لكن من دون أن يكون هناك عيب خطير يثير الحميَّة لدى الطبائع الغيورة. ولا شكّ أن شيئاً من الظلم كان قائماً بسبب الإتجار بالعبيد والإماء، وعدم السماح للمنبوذين ولأصحاب بعض المهن بالتعايش معهم، إلا أنه لم تقُم طبقة بظُلم طبقة أخرى إلى درجة تؤدي إلى انقلاب ما من أجل العدالة. ولعلّ أهم ميزة للمجتمع تمثّلت في احترام الكبار والمعتقدات والمبادئ الحسنة".

ثم يتناول في الباب الرابع عهد الإمبراطورية الماوريّة حيث أحدثت تعاليم "بوذا" تدريجياً، ثورة في الهند. فالعصر الذي بدأ بالإمبراطورية الماوريّة يُعَدّ عهداً تاريخياً. إذ تزايدت الوسائل الموثوق بها للحصول على معلومات صحيحة عن الأوضاع والحوادث؛ مستعرضاً المؤرخ بإيجاز ما حقّقته الهند من تقدّم وازدهار في ذلك العهد.

ويتعرّف القارئ إلى مراحل التطوّر في البلاد، نقرأ: "العلامة الثانية للازدهار في الهند هي، فضلاً عن الشعور السياسي، نشأة الوعي بحضارة مشتركة في تلك الحقبة الزمنية. كان هذا الوعي أكثر رسوخاً ومتانة من الاتحاد السياسي. وكان غرس هذا الوعي في أذهان الناس من أهمّ مآثر البوذيين، حيث حاولوا من خلال ذلك إنهاء التمييز وعدم الانسجام اللذَيْن ينشآن بسبب الاختلاف المعيشي واللساني، ويستمرّان لبُعد المسافة والتوزيع الجغرافي".

وبخصوص الحياة العائلية فيذكر اليونانيون أن الهنود كانوا يتزوجون أكثر من امرأة واحدة، وهذا ما لا ينفيه "أرثاشاسترا"، وفيه باب خاصّ بالزواج وبمكانة المرأة القانونية يبدأ بهذا القول "الزواج أساس كلّ فساد". ثم ذكرت فيه ثمانية أنواع للزواج "أربعة منها مشروعة والأربعة الأخرى غير مشروعة. وإذا تزوّج أحد بطريقة شرعيّة فلا يجوز له أن يطلّق زوجته. وإذا كان أحد الأزواج قد سافر إلى خارج البلاد ولم يرجع بعد مدّة محدّدة، يغدو من الجائز للزوجة أن تتزوّج ثانية..".

وتحت عنوان "الهند وإيران واليونان" ينطلق المؤرخ في عرض الباب الخامس من إصابة الإمبراطورية الماوريّة بالانحطاط بعد "أشوكا"، فلم يبقَ للهند مركز حضاري وسياسي واحد، ما أدّى إلى خسارة كبيرة تمثّلت في غياب الوحدة السياسية للبلاد، وانقطاع سلسلة نشوء الحضارة والديانة واللغة المشتركة فور بدئها. نقرأ: "كان من شأن الوحدة السياسية أن ترفع من الروح المعنوية وأن تنهض بمستوى الحياة إلى درجة تتوسّع بها الأفق الفكرية للناس حتى لا يتحمّلوا ضيق الفكر والتعصّب الإقليمي وغيرها من الظواهر التي تشيع بعد التفكك السياسي".

إذ يبدو من خلاصة التطوّرات المهمّة التي جرت في أربعة قرون تقريباً أنه كان زمن التقلّبات الكثيرة؛ من دون أن تتوقف عجلة التقدم في الهند أو البلدان المجاورة، وبحسب الكتاب أيضاً فإن المحققين قد بذلوا جهداً لا يستهان به في جمع المعلومات عن الأحداث السياسية لذلك العهد من خلال العملات واللوحات وفهارس العائلات الملكية الموجودة في "البورانات"، "إذ إن التاريخ في ذلك الوقت لم يكن يُدوَّن في أي بلد من البلدان الآسيوية غير الصين". ويضيف "الأغلب أن دماء كثيرة سالت، ودُمِّرت مستوطنات، وضاعت منجزات، لكن الذي وصلنا هو الحضارة المشتركة للأمم، والتفاهم بين المعتقدات، وانسجام العواطف. وبالتالي فإن حبّ السيطرة على الممالك الأخرى أسفر عن ارتباط جماعات بشرية بعلاقات سياسية وحضارية لم تكن مُتاحة من قبل".

ويعود الباحث في الباب السادس ليتناول عصر إمبراطورية غوبتا. فثمّة فراغ في صفحات تاريخ شمال الهند عن الفترة ما بين انحطاط دولة الكوشان ونشوء إمبراطورية غوبتا، تتم محاولة سد ذلك الفراغ بالاستناد إلى العملات واللوحات. فبحسب الكتاب، فإن المعلومات المتوفرة عن الهند الشرقية قليلة جداً "لذلك لا توجد أية معلومات عن الفترة الأولى من حكم أسرة غوبتا". ويعتبر أن إمبراطورية "غوبتا" قامت على أساس النظام الإقطاعي الفدرالي، وكان الإمبراطور محورها الأساسي". لكن من أبرز ميزات ذلك العهد أنه كان عصر تدوين وترتيب العلوم الدينية والدنيوية على اختلاف أنواعها. "كان أهل الهند القدامى يرغبون في وضع مبادئ لكل علم، وقواعد لكل فنّ في إطار نظام مستقلّ؛ فقاموا بتقسيم مجال العلم إلى ثلاثة أقسام: الديانة(دهارما)، والشؤون الدنيوية(أرثا)، وشؤون الرغبة الجنسية(كاما). ووفقاً لذلك تمّ تدوين أصول علم الديانة في "الدهارماشاسترات"، وأصول السياسة والحياة الدنياوية في "الأرثاشاسترات"، وأصول النحت والرسم والعمارة في "الشيلباشاسترات"، ودوِّنت كذلك أمور الحب والعشق والجنس في "الكاماشاسترات"".

وفي السياق، كانت الديانة الهندوسية من حيث المبدأ هي الديانة نفسها المنصوص عليها في "الفيدات"، وبالنظر إليها تاريخياً يتبيّن أنها لم تهمل أي عقيدة أو طقس من الطقوس المهمة للديانة الفيدية "التغيّر الذي حدث كان عبارة عن تفصيل ما كان مجملاً، ورواج بعض العقائد الحديثة التي كانت نتيجة لازمة للعقائد القديمة أو حصيلة للمشاعر الجديدة وازدياد شأن بعض الآلهة دون غيرهم، من دون إخراج أي واحد منهم من قائمة الآلهة".

وتحت عنوان "من تشيونتسانغ إلى البيروني"، يبدأ الفصل السابع بالاستناد إلى خلفية سياسية يستنتج المؤرخ إثرها أنه لم يحدث أي تغيّر جدير بالذكر في الحضارة الهندية إبّان سيطرة الهون أو الراجبوت على البلاد؛ حيث وصف العالم الصيني "تشيونتسانغ" الحياة في الهند كما كانت في القرن السابع، ثم وصفها البيروني الذي جاء بعده بثلاثة قرون عندما كانت السيادة في كل مكان بأيدي الراجبوت "وصف كلاهما ما شهداه في تلك الفترة وصفاً دقيقاً".

وبخصوص الفلسفة الهندية، فيرى الكتاب أن التصوّرات الفلسفية لا تتدخّل في الدين إلا عندما يخرج الأخير من حيّز اللاوعي ويصبح عقلانياً بحيث يستند إلى الدلائل العقلية والمنطقية "وعندما يتيقّن الإنسان من صحّة كل ما يؤمن به يصبح لعمله فلسفة.."، إضافة إلى تناوله فلسفات مثل السانخيّة والبوذيّة والجاينيّة وعلوم الفلك والرياضيات والتنجيم والطب وغيرها.

ويختتم الكتاب بالقول إنه بعد القرن الثامن ميلادي ظهرت اتجاهات جديدة في الأدب والدين في جنوب الهند فقط، ولعلّ السبب وراء ذلك هو أن أوّل مواجهة بين الإسلام وديانة الهند القديمة حدثت في تلك المنطقة قبل أي مكان آخر. وقد اندثرت آثار قيّمة من الحضارة القديمة أثناء تأسيس حكم المسلمين، وهذه كانت خسارة كبيرة، "لكن الحضارة القديمة نفسها كانت قد وصلت إلى أوج الكمال، وكانت الهند قد أصبحت مثل شجرة إذا لا يتمّ تهذيبها تتوقف عن إعطاء الثمار".

روز سليمان كاتبة سورية.