"حرب، ورقة، مقصّ" في مواجهة عالم مذعور!!

في المجموعة صور شعرية لإحالات أنثوية تبدو أقرب بعلاقتها مع الذات إلى تعويذة، وما إن تصبح قابلة للتعميم حتى تختفي الأسرار.

  • ديوان "حرب، ورقة، مقصّ" لرامه عرفات

 

 

تحت عنوان "حرب، ورقة، مقصّ" صدر حديثا عن دار التكوين بدمشق الديوان الأول لـ رامه عرفات، بحصوله على "جائزة التكوين للديوان الأول 2016" مناصفة مع "الأسود الذي لا ترينه" للمغربي محمد يويو. ليست الجرأة هاجساً ولم تكن هدفاً بقدر ما أنتجتها سلاسة أسلوب رامه عرفات بالخروج عن أطر الشكل وقيوده رغبة في مواجهة هذا العالم المذعور علّ مجابهته بالشعر تكفي لإنقاص عدد الموتى (ولأنّ كلّ ما جرى/ لا اسمَ له،/ لا اسم لنا،/ لأننا قَتْلى وقَتَلَة/ لأن أصواتنا مربعةٌ كصناديق/ ولأن ضحكاتِنا ما عادت خفيفة/ كرسائلَ عتيقةٍ/ في حقائبِ سعاة البريد).

 

في المجموعة صور شعرية لإحالات أنثوية تبدو أقرب بعلاقتها مع الذات إلى تعويذة، وما إن تصبح قابلة للتعميم حتى تختفي الأسرار (حمامات النساء/WC اصمتوا لنا أسرارٌ هناك/ .. سرّ/ صداقة عميقة بين الغيرة وفساتين الأخريات/ .. ليس سرّاً/ يخرجْن من هناك/ كالفراشات/ في جيوبهنّ ألمٌ/ على وجوههنّ/ ابتسامات). نصوص المجموعة- 91 صفحة من القطع الصغير- ذات بعد اجتماعي يرتكز إلى ممارسات فردية حيناً وجمعية حيناً آخر. أيضاً نجد العلاقة مع الآخر ذات ملامح يغلبها خوف ووحدة وغرابة (تقول لي:/ لنُجرب تغيير أماكن الأشياء/ كأن نضع مقصّاً بيد غابة/ بعد أن سقينا النار بالماء).

 

وكأن النصوص أرادت أن تبني عوالمها في الخفاء لا يرى القارئ منها سوى ما تحقّق صراحة أو بشكل مُتَضمَّن داخل بنيتها الفنية وأحداثها أيضاً، والحرب تراقب كما لو أنها لم تأت بعد. نقرأ : (أهربُ/ كفقيرٍ،/ أحيا العتمة/ أنجب أطفالاً بسرعة الضوء/ أهرب من الحرب/ رايةً مشنوقة، /كلما مرّ جنديٌّ وحيّاها/ سألتْ: لِمَ؟). لا عناوين تتكئ عليها النصوص، بعضها عنوان لِما لمْ يُحكى. (طفلةٌ أنا/ أنتظرُ جرحاً/ لأتقنَ كتابة حرفِ "الحاء"/ في كلمة "ملح").

 

ونقرأ أيضاً (كنتُ أظنّني تينة/ إلى أن وقعت/ في حبّ رجلٍ قضمني/ فأدركت أنني/ تفاحة). تحاول رامه أن تؤنسن في نصوصها مقولات عن الجوع والقهر، يصبح البرد والموت عدواً وصديقاً (أخاف مني حين فجأة أصبحُ أمي/ فأدعو لكَ وللعصافير التي سجنتَها/ أدعو بالشمسِ لشَعرِ المشرّدين/ بالغنى لقمامةِ الجيران/ أدعو لمن مروا أمام باب بيتِنا المفتوح/ وما ألقُوا السلام/ وعلى عكسِ أمي/ أشتمُ الجوع وأخاف الجائعين/ أصرخُ بوجه البرد/ وأرقدُ إلى جانب الموتى/ نرفسُ العالم دفعة واحدة/ وندعو بالعمى لكوكبٍ كرويّ/ قتلنا بزاوية حادّة).

 

كما أن التأثر بالواقع/ العيش يبدو واضحاً في تفاعل النصوص مع ما يحدث وما يستجدّ من دون أن تسمح لذاكرتها الأنثوية بأن تنهبها الحرب؛ حتى وإن لم تعرضها صراحة في "حرب، ورقة، مقصّ"، إلا أن مؤشراتها مخفيّة مرّة ومصادرة في مكان آخر تحمل قابلية النشر في إنتاجات قادمة (صرتُ امرأة/ تحشو الوسائدَ برائحتها/ وتبدو كمحاولة فاشلة /لطيّ صفحةٍ في كتاب).

 

وفي موضع آخر نقرأ : (التي تستعرضُ أمام الخوف خجلَها/ وتطلقُ الحرية لأزرارِ/ فستانها أمام الغياب/ التي توشوشُ حقائبها/ قبل الرحيل/ أن ِ اهدئي/ سنتركُ كل شيء/ ونحتفظُ بآثار البكاء.... نساء).