تأملات كيسنجر حول النظام العالمي ومسار التاريخ

هذا الكتاب محاولة جيدة لتأمل الوضع الذي آل وسيؤول إليه النظام العالمي، ما يجعل الفكر الاستراتيجي العربي مجبراً بدوره على فتح باب التأمل في مجريات الأحداث، والتساؤل عن أي دور يلعبه العرب.

كتاب "النظام العالمي: تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ" لهنري كيسنجر
كتاب "النظام العالمي: تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ" لهنري كيسنجر



عنوان الكتاب: "النظام العالمي: تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ" -

المؤلف: هنري كيسنجر -

ترجمة فاضل جكتر -

الناشر: دار الكتاب العربي- بيروت، 2016 -


مراجعة: عبد الفتاح نعوم -- من الأهمية بمكان في الظروف الدولية والإقليمية الراهنة، التي يمر بها عالمنا العربي، أن نتطلع إلى المعرفة أكثر عن التحولات التي يشهدها النظام العالمي، ومن الأهمية بمكان كذلك أن تكون تكل المعرفة نابعة من تقديرات ذوي الباع في صناعة أركان النظام العالمي الآفل، أو المساهمة على نحو فعال في التمهيد لإخراج صيغ النظام العالمي الذي هو قيد التشكل. وبالتالي فالكتاب الذي بين أيدينا يستحق فعلاً القراءة والمراجعة على ضوء ما يستجد من معطيات.

كتاب "النظام العالمي"، الذي صدرت طبعته الإنجليزية الأولى سنة 2014، ونشرت ترجمته العربية عام 2016، هو واحد من عشرات الكتب التي ألفها هنري كيسنجر وهو أحد كبار رجال الدولة ومهندسي السياسات الدولية في العالم، حيث كان واحداً من أبرز وزراء الخارجية الأميركية، وهو عراب التقارب مع الصين واتفاقية "كامب ديفيد" باعتبارهما نتاجاً لتطبيق فكره الاستراتيجي الذي تختزله عبارة "الخطوة خطوة". لكن الرجل منذ تركه للمسؤولية السياسية لم يتوقف عن المساهمة في حقل السياسة، سواء عبر تقديم المشورة، أو عبر التدريس، أو عبر الكتابة وتوجيه الرأي العام، وتشكيل اتجاهات نخب المحللين.

وبالتالي، فهذا الكتاب يحتل درجة قصوى من الأهمية بالنسبة للقارئ العربي، باعتبار البلاد العربية باتت منذ مدة طويلة هي مسرح التفاعل بين القوى الناظمة لإيقاع صنع النظم الدولية المتعاقبة، وهو الأمر الذي بات أكثر بروزاً مع التداعيات التي تنامت منذ اندلاع أحداث ما بات يعرف بـ"الربيع العربي". فالكتاب مدخل تأملي يحاول التوقف عند التعرجات والتقلبات التي يشهدها النظام العالمي على خلفية سيل من الأحداث، تبدأ منذ عصور بعيدة، وصولا إلى الآن، بالانطلاق من مسألة العلاقة الغير مستقرة بين المشروعية والقوة، الأمر الذي يؤدي إلى التنوع الملحوظ، وغير القابل للتنميط في أنماط التفاعل في القوى التي تشكّل معالم النظام العالمي بين الفترة والأخرى.

لقد حاول الكاتب هنري كيسنجر أن يقوم على امتداد صفحات هذا الكتاب أن يطرح خلاصة نظرياته السياسية التي بناها على قاعدة خبرته العملية في ميدان السياسة الخارجية، وحاول استثمارها للتأمل في مسألة كيفية بناء صرح النظام العالمي بصورة تشاركية بين دول العالم، آخذاً بعين الاعتبار وجهات النظر المختلفة عن بعضها البعض بخصوص أكثر المسائل التاريخية إثارة للاهتمام في الواقع التاريخي الدولي، وما يرتبط به من الصراعات العنيفة المندلعة في الكثير من مناطق العالم، وآخذاً بعين الاعتبار كذلك انتشار التكنولوجيا ووسائل التواصل المختلفة بكل إيجابياتها وسلبياتها، وأيضاً انتشار إيديولوجيات التطرّف وانعكاساتها السلبية على المجتمعات الإنسانية.

تتسبب معظم الأزمات التي باتت تتسم بها معظم علاقات دول العالم مع بعضها البعض، بأزمات، ممثلة بالأزمة الحادة التي تعانيها ليبيا، الناجمة عن تصاعد دور الميليشيات المتطرفة، فضلاً عن مثيلاتها التي لم تتورع عن إعلان "دولة الخلافة الإسلامية" فوق أراضي سوريا والعراق، إضافة إلى الديمقراطية الفتية المهددة بالفشل في أفغانستان، إلى التوترات التي لا تتوقف في علاقات العالم الغربي مع روسيا. أما العلاقة مع الصين فهي أيضا تنضوي على كم هائل من التناقضات، تارة تسودها التعهدات والاتفاقات على التعاون، وتارة أخرى تتسم بتبادل الاتهامات والتهديدات. وبالنسبة لكيسنجر، أدت كل هذه الأزمات إلى حدوث اهتزازات جذرية في "مفهوم النظام العالمي" الذي استندت إليه السياسة في العصر الحديث، مؤدية إلى أزمة عصفت بإمكانية الحديث عن وجود "نظام عالمي" يترنح بين "المشروعية والقوة".

يرى كيسنجرأنه لم يكن هناك في يوم من الأيام "نظام عالمي" واضح ينظم دول العالم جميعها، وأن بداية تشكّله الفعلية كانت بعد مؤتمر وستفاليا الذي عقد في ألمانيا عام 1648 تتويجاً لقرن من الصراع الديني في أوروبا، وخصوصاً منه حرب السنوات الثلاثين التي دامت من 1618 إلى 1648، حيث تم عقد الصلح الذي لم تكن أغلبية قارات العالم حينئذ حتى على علم به بالكاد. وهكذا فإنه وعلى امتداد الفترات التاريخية السابقة على هذه المرحلة قامت الحضارات الإنسانية المتعاقبة بتقديم نموذجها الخاص للنظام العالمي. وكانت كل حضارة ترى في نفسها مركز العالم، وتعتقد أن ذلك النموذج هو الأنسب ليُتّخذ منهجاً عالمياً تشترك فيه دول الأرض كافة.

وهكذا فقد رسا مفهوم النظام العالمي منذ "ويستفاليا" على التجربة الغربية الأوروأميركية كمرجعية وحيدة، بحيث أذعنت لها الأمم حينئذ، لم يكن قبولها بها من منطلق إعجاب حوافز ذاتية النشوء. إلا أن كيسنجر يرى أن العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية كرّستها كقوة قادرة على امتلاك زمام القيادة الدولية، وأضافت بعداً جديداً وهي الأمة النموذج التي تأسست على فكرة الحكم الحر والتمثيل الديمقراطي، ومن ثم ساهمت أميركا في انتشار الديمقراطية وأفكار التحرر مع القدرة على تحقيق السلام العادل والدائم في العالم. وكل ذلك في وجه قطب آخر يراه كيسنجر حاملاً للقيم النقيض ممثلاً في المعسكر الشيوعي.

أما أوروبا التي كانت مسرحاً لحربين عالميتين، وكانت بعض دولها محتلة لنصف العالم تقريباً، فقد تأثر نهجها التقليدي ذاك بالنهج الجديد الذي أعلنته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، حيث انتقلت الشعوب الأوروبية من مرحلة الصراع، إلى مرحلة تحقيق التنافس في ظل توازن القوى، ما أدى إلى الازدهار الاقتصادي وانتعاش فكرة الأسواق الحرة، والنهوض بالأفراد والمجتمعات وإثراء الترابط الاقتصادي كبديل عن الصراعات السياسية الدولية التقليدية.

لقد عصفت هذه التحولات في النظام العالمي بالنموذج التقليدي الذي جسّدته الإمبراطوريات القديمة التي انتعشت في الصين وفي روما. وبات لزاماً تكريس نماذج جديدة للإمبراطوريات تنمذج له الولايات المتحدة بنفسها، بوصفها داعية إلى مبادئ الفكر الحر والممارسة الديمقراطية، وأن هذه المبادئ التي تحمل صبغة عالمية تجب ممارستها كمنهج وحيد ناجع في العالم، هي نفسها التي تمارس حتى هذا اليوم في الولايات المتحدة، وتشكّل الحجر الأساس في سياساتها وحياة الشعب الأميركي اليومية.

إلا أن هذا النموذج تحول إلى سعي إلى الهيمنة، تكرّست أكثر بعد سقوط النموذج الشيوعي، وما لبثت التجربة أن كشفت أن ثمة أزمة في قيادة العالم، وأنه ما من محيد عن وجوب اقتسام سلطة العالم، لكي يتمتع النظام الدولي بقدر من المشروعية، يجّنبه منطق الاحتكام إلى القوة كمرجعية ناظمة له.  وبالتالي فقد بات من الواضح أن ما يجري اليوم على مستوى العلاقات الدولية بين دول العالم لا يبتعد كثيراً عن هذه الخلاصة. فالتداخل السياسي ووسائل التواصل الحديثة جعلا من الواجب أن تتشارك دول العالم في السياسات العليا للمناطق الأخرى، وغالباً ما تحدث هذه المشاركة بصورة فورية بسبب توافر وسائل الإعلام الحديثة وكذا المواصلات المتقدمة. لكن استمرار التفاوت بين مراكز الثقل في النظام العالمي الراهن، ومن ثم تضارب المصالح والرؤى، ذلك الاستمرار يجعل كيسنجر يجزم بأن المفهوم العام الذي يستند إليه النظام العالمي في عصرنا الحديث يمرّ بأزمة حقيقية، ولعل الاضطرابات والحروب الدائرة رحاها في أكثر من منطقة في العالم خير دليل على عمق هذه الأزمة.

إن التحول الذي يشهده النظام العالمي على إيقاع الأحداث الراهنة، والتنافس بين القوى العظمى على قيادة العام أو أقسام من العالم، أو قيادة النظام العالمي، يجد أساسه في التحول الذي تتعرض له طبيعة الدولة نفسها، باعتبارها الوحدة الأساسية للنظام الدولي. ذلك أن الدولة تتعرض لضغوط من داخلها بسبب تنامي المطالبات الشعبية عليها، وبسبب التنافس الدولي على تحصين المواقع المتقدمة ضمن خرائط النظام العالمي. هذا فضلاً عن أن الاقتصاد العالمي الذي تسارع تطوره نتيجة للمفاعيل الجارية للعولمة، لم يربط نفسه بضرورة مواكبة أي تطور في الهيكل السياسي للعالم. وبالتالي أدت العولمة الاقتصادية في إلى تجاوز حدود الدولة القومية والسيادة الوطنية، ومن ثم أصبحت السياسة الخارجية للدول تسعى للتوفيق بين أهداف وطنية/محلية/عالمية متضاربة. وأدى الأمر في النهاية إلى حدوث سلسلة أزمات مالية دورية ماضية نحو المزيد من التفاقم.

إن النظام العالمي لا يزال يعيش أزمة عدم التوصل بعد إلى إيجاد آلية عمل فعالة للتشاور بين القوى العظمى. لكن ذلك لا يمنع من القول بأن نظاماً عالمياً جديداً قد شرع يؤسس لنفسه، ولو أن الولايات المتحدة لم تعد تحظى فيه بنفس القوة المركزية التي لم تدم طويلاً بعد نهاية الحرب الباردة. وبات من الضروري عليها أن تراجع أدواتها إذا أرادت مواكبة هذا التحول، ما يجعل كيسنجر ينظر بقدر من التفاؤل إلى سياسة الرئيس باراك أوباما في السنوات الست الأخيرة (قبل سنة 2014 سنة صدور الكتاب)، والتي ارتكزت في نظره على سعي حثيث نحو تأليف جسم عالمي للأمن والتعاون، يؤهل الولايات المتحدة لدخول زعامة العالم في القرن الواحد والعشرين بمنطق مختف عن السابق.

ينتهي كيسنجر إلى أن النظام العالمي الجديد يستحيل أن يكون أحادي القطب، بل ينبغي أن يكون متعدد الأقطاب، مشتركاً بين الولايات المتحدة والصين، -ولنا أن نستحضر تجربة كيسنجر المتمثلة في دوره في إحداث الانفتاح الأميركي على الصين بعد حرب فيتنام-  قاطعاً الطريق على الطموح المستحيل لروسيا في نظره الساعي إلى إحكام القبضة على قيادة العالم، وإعادة تجربة الولايات المتحدة. وبالتالي فلا مناص من عالم متعدد الأقطاب، يسوده اقتصاد السوق.

إن كتاب كيسنجر محاولة جيدة لتأمل الوضع الذي آل وسيؤول إليه النظام العالمي، ما يجعل الفكر الاستراتيجي العربي مجبراً بدوره على فتح باب التأمل في مجريات الأحداث، والتساؤل عن أي دور يلعبه العرب، حيث كبريات الأطروحات الإستراتيجية لا تلتفت إلى العالم العربي سوى باعتباره مسرحاً لرسم خرائط العالم، واختبارات القوى، وتفريغ شحنات الصراع بين القوى العظمى. واقع لا توجد فيه دولة عربية واحدة قادرة على أخذ زمام المبادرة للتأثير في مجريات الأحداث على نحو يقلب المعادلات، في حين تسعى قوى أخرى غير عربية إلى تأكيد أدوارها بمضامين مختلفة، بعضها قد يخدم بعض مساحات التقاطع مع العرب، وبعضها يستغل تلك المساحات لتقويض أي دور مستقبلي ممكن للعرب.