"ملاذ: مدينة البعث".. رواية عن مصر ما بعد الكارثة

نحن كعرب، نظن أن روايات وأفلام ما بعد الكارثة (post-apocalyptic) ملكية خاصة للعالم الحديث. نحن كعرب نظن أن أدب الخيال العلمي برّمته ملكية خاصة للعالم الحديث. المؤلف الشاب المصري أحمد صلاح المهدي يثبت عكس ذلك في روايته "ملاذ: مدينة البعث" (2017).

رواية "ملاذ.. مدينة البعث"
رواية "ملاذ.. مدينة البعث"

 

 المناخ المعتدل والقلوب الباردة

القصة تجري في مصر، في مستقبل بعيد، بعد انهيار الحضارة الحديثة في حرب نووية كارثية على النفط وغيرها من الموارد الطبيعية الشحيحة. المناخ مختلف تماماً. الطقس بارد حتى في النهار. مصر محاطة بالسحب، بقايا شتاء نووي. مياه نهر النيل فاترة ومصفرة الآن. المكان الآمن الوحيد، في الشمال هي مدينة اسمها (ملاذ). مدينة من العصور الوسطى محاطة بالجدران تحكمها الطبقة الحربية، الصيادون، الذين يعيشون من خير السكان المدنيين - من إتاوات، والعمل القسري في المناجم والحقول ومحاجر الصخور، ومن استغلال القرى النائية.

الجميع في هذا المجتمع يعرف مكانه. وظيفة المرأة هي التربية والتكاثر. الحدادون لديهم طائفة خاصة بهم. أما النباشون الذين يبحثون عن الخردة المعدنية في أنقاض القاهرة، فهم يملكون طائفتهم الخاصة. حتى "المنبوذين"، في التلال، لديهم طائفتهم. ولكن الأمور لم تكن دائماً كذلك.

الصيادون، عندما ظهروا لأول مرة بعد الانهيار، كانوا محاربين نبلاء معنيين بإنقاذ الأرواح وإعادة بناء القرى والمدن، قبل عهد زعيمهم (راكان). حكم السيف يهيمن والناس لم يعودوا يصلون. البغاء منتشر، الناس يأكلون لحوم الكلاب النجسة تماماً كما يأكلون الماعز.

البطل، (قاسم)، الشاب الساخط الذي - على الرغم من فقره – يتمكن من القراءة والكتابة. وهو يعلم أن الأمور لم تكن دائماً بهذه الطريقة، ويحتك مع الصيادين ويسخط على الناس سوياً، يركز على اختراعاته. إنه خبير ميكانيكي وميتالورجيست، أي عالم أو تقني مختص بالمعادن. صديقه الوحيد، (إويس)، حداد. أما جد قاسم فهو المسلم الوحيد، يصلي ويذكّر قاسم بأهمية الإيمان.

سوف يضطر قاسم إلى إصلاح الجسور مع الصيادين ليواجه تهديداً جديداً يظهر في الأفق. الأمير (سيا) المتغطرس من مدينة "أبيدوس" المنافسة، في الجنوب، حيث تعبد الآلهة القديمة من جديد. يريد سيا أن يحل محل ولي العهد، متجهاً شمالاً وهو متنكر لجمع المعلومات الاستخباراتية عن "ملاذ" لغزوها. أصبح سيا صديقاً لقاسم، وتعلّم أسرار علم حضارة ما قبل الكارثة.

يحاول سيا اختطاف قاسم، لإعادته الى أبيدوس وجعله عالم أسلحة (اخترع قاسم كاشف المعادن بالطاقة الكهربائية). ولحسن الحظ فإن جد قاسم يدعو زعيم المنبوذين (مهاب) إلى العثور على قاسم وتحريره، وفي هذه العملية يكتشف قاسم أن والده كان في السابق زعيم الصيادين، وأن راكان قتله.

قاسم يتعهد بالثأر، ولكن فقط بعد هزيمة سيا. الأمير الصبي يحيي الأسرار التكنولوجية المدفونة، بمساعدة كاهن متعصب يكره شعب "ملاذ" الكافر، ويطيح بوالده ويقتله، ويبني جيشاً لا يقهر من أسرار العصر الصناعي. (سرق كاشف المعدن، الذي أبهر الجنوبيين بالتقنيات 'الممنوعة'). هل لدى قاسم الوقت لبناء جيش يضاهي سيا؟ هل سيتعاون الصيادون في مواجهة عدو مشترك؟ هل يلاحظ شعب "ملاذ" الفرق أصلاً؟

كي تعرف الإجابات، لابد أن تقرأ الرواية لنفسك!

 

البقاء للأصلح…  أخلاقياً

لقد اكتشفت أعمال كاتب الرواية أحمد صلاح المهدي مؤخراً ولكنني أعجبت بها على الفور، ورواية "ملاذ: تسير بخطى سريعة جداً ولا تعثر نفسها في التفاصيل غير الضرورية. وهذا يعطيها نكهة شبابية، وخاصة بالمقارنة مع أسلوب السرد المعتاد السائد بين المؤلفين العرب، مع الكلام المقعر. إن الفصل الافتتاحي المعنون، "الذئب الوحيد"، يخبرك بكل ما تحتاج إلى معرفته عن الحياة اليومية للمدينة الشمالية ونوع النظام الإيكولوجي المقلوب الذي وجدت مصر نفسها فيه، ويقدم لك الموضوعات والشخصيات كذلك في جرعه مكثفة.

عنوان الفصل الأول هو "لقب قاسم"، لأنه يحب الوحدة، ويرفض حتى أن يأخذ أي شخص معه عندما يذهب لينبش في بقايا مدينة القاهرة الكبرى. وفي واحدة من تلك المناسبات تعرض لهجوم من قبل ذئب. لحسن الحظ، شخص ما أنقذ حياته، فتاة لطيفه اسمها (جهاد)، مسلحة بالقوس والسهم. في وقت لاحق تكتشف أنها إبنة مهاب. يمكنك تخمين أن جهاد سوف تصبح حبّه، ولكن النقطة الأكثر أهمية هنا هو الدرس الأخلاقي ومفاده أن "لا رجل جزيرة"، كما يقول شكسبير، وأنه لا يمكنك الهروب من ماضيك. قاسم لا يستطيع أن ينقذ "ملاذ" إلا بعد الانضمام إلى المنبوذين. العمل مع الناس كان ثابتاً في ملحمة نجيب محفوظ "الحرافيش"، ويمكنك التخمين من وقت مبكر أن الصيادين هم على غرار "المماليك".

لاحظ أيضاً أن لديك فتاة محاربة. مواطنو أبيدوس أيضاً يعبدون آلهة الحرب وآلة الحرب الأمير سيا تسمى أيضاً (ربة الحرب). ومن الواضح أن أحمد المهدي يعطي أدواراً استباقية للمرأة هنا بدلاً من الأدوار الثانوية. والأسماء في الرواية لها أهمية دينية أيضاً، النبي محمد (عليه الصلاة والسلام) دُعي بأبي قاسم وجد البطل اسمه محمود. لذلك لا يزال الإسلام يعيش في هذه الأوقات اليائسة. إحياء الدين أمر لا بد منه مع إحياء التكنولوجيات القديمة، لأن العلم يمكن أن يستخدم للخير أو الشر. يستخدم قاسم خلية وقود نووية لتشغيل آلاته الحربيه ويضطر أن يقاتل ثعباناً أسود عملاقاً للعثور عليه، وهو تذكير "مظلم" للطموحات الشريرة التي دمرت العالم.

الشيء الآخر الذي تلاحظه من الوهله الأولى هو "العنف الدموي". الأمير سيا يذبح أسرته بينما قاسم يتعلم أن يشتبه بالكل، حتى بحلفائه.

أحمد المهدي لديه روح رقيقة، كتب العديد من قصص الأطفال، عندما سألته أوضح أن عليك أن تكون بلا رحمة بعد نهاية العالم. آلة الحرب التي بناها قاسم تشبه الذئب، والقرار بتدميره - لتدمير سيا وجيشه الميكانيكي - يمكن، على أمل، أن يفسّر على أنه نهاية لتلك الحقبة غير الأخلاقية. (جيش سيا يتكون من العناكب والعقارب الروبوتية، مخلوقات سامة، والسم هو دائماً رمز للخيانة؛ راكن قتل والد قاسم بالسم أيضاً، ويخون مهاب خلال المعركة الكبرى في نهاية القصة).

 

الميزة التنافسية المصرية

هذه الرواية تستحق القراءة لسبب آخر تماماً - البصمة العربية على مثل هذا النوع من الخيال العلمي، ما بعد الكارثة. بل العرب أكثر ضراوة، من الغرب، إذا سألتني. فالعرب لديهم تقاليد تاريخية وأدبية أكثر ثراء. الكتاب الغربيون يعتمدون دائماً على صور "العصور المظلمة" من تاريخهم. شاهد كيفن كوستنر في "ساعي البريد" أو إقرأ سلسلة ديثلاندس.

في أيدي أحمد المهدي يمكنك أن ترى الفرق على الفور. في أدب ما بعد الكارثة، ثمة مجموعتان ثقافيتان متميزتان - في الشمال لديك مجتمع إقطاعي على نموذج المماليك، بينما في الجنوب يذهبون في طريق العودة إلى الفراعنة. أي إن المجتمعات قادرة على التعامل مع الكوارث. عندما يًصاب قاسم خلال مشادة مع واحد من الصيادين، صديقه الحداد ينصحه بالذهاب إلى "العطار" لعلاج الجرح. الطب كان متقدماً جداً في مصر المملوكية، والمماليك كانوا يستخدمون سلطتهم للحفاظ على الدولة. ومن هنا جاءت الشكوى المتكررة حول كيفية إرغام الناس على العمل في المناجم والحقول من دون أجر- نظام "السخرة".

والجنوب أجمل. الشوارع في أبيدوس نظيفة، والهندسة المعمارية موحدة (وليست خليطاً من القديم والجديد) والجيش كبير، حتى لو عفا عليه الزمن (وكالعادة مكوّن من الجنود الصلع)، والسلطة السياسية مركزية والكهنوت منظم. لديهم جميع مخطوطاتهم القديمة، لهم شعور غني بتاريخهم. (وهذا هو عذر سيا للحرب مع الشمال، الادعاء التاريخي بأن كل مصر كان يحكمها الفراعنة).

أنت لا تحصل على أي شيء من هذا القبيل في أدب ما بعد الكارثة الغربي. على الأكثر لديك فرقة من قطاع الطرق في الجبال أو بلدة من بلاد رعاة البقر؛ شاهد صور رعاة البقر في "كتاب إيلي".  حتى عندما يكون لديك دولة المدينة في مثل هذه الأعمال الفنية، فإنها تميل إلى أن تكون محاطة بجدران خشبية ومقطوعة تماماً من البرية المحيطة بها، وضع غير عملي إذا كنت تعرف أي شيء عن التاريخ. ليس ذلك مع "ملاذ". لديها جدران من الصخور الصلبة، والحراس منتشرون في كل مكان في النهار عندما يتم فتح أبواب المدينة للمنتجات التجارية. وينادى للناس عند فتح البوابات وإغلاقها، للذهاب إلى أعمالهم بسرعة وأمان.

وقد أشاد المؤرخ وعالم الاجتماع العربي إبن خلدون بالعائلات المالكة في الماضي لأنها بنت دائماً عاصمتها بجوار قرية. كيف يحصلون على الخبز والخضروات والفواكه اليومية؟

انظروا إلى العلاقة الاستغلالية بين "ملاذ" والقرى المحيطة بها، كما هو واضح في الفصل الأول حيث يركب قاسم زورق نهر معدنياً. المالك لا يقول شيئاً طوال الرحلة، معني بالأجر فقط، نظرة غاضبة في عينيه الصامتتين. ويواصل السكان إلى جانب نهر النيل الإبقاء على مسافة بعيدة خلال الاستعدادات من المنبوذين والصيادين للمعركة. الانقسام الكامل بين الشمال والجنوب في الرواية منطقي تماماً من وجهة نظر التاريخ المصري، كما يشرح أحمد المهدي: "في العصر المملوكي كانت هناك ثورة الهوارة، وفي العصر الحديث يشعر الصعايدة الجنوبيون بأنه تم تجاهلهم من قبل الحكومة في القاهرة".

المصريون أقرب إلى الماضي من الغرب، ولدينا الكثير من خصائص القرون الوسطى في حياتنا، حتى نتمكن من الكتابة عن هذه الأنواع من الأشياء بطريقة أفضل من الأوروبيين.

سألت أحد الزملاء الكاتب عمار محمود عن جاذبية أدب ما بعد الكارثة للكتاب المصريين، وكان جوابه بسيطاً: "ما نعيشه اليوم هو ما بعد الكارثة"!