"إيران بلا حدود".. دراسة نقدية لما بعد فترة الاستعمار

دفعت البيئة "القومية" التي نشأت ما بعد فترة الاستعمار رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدّق الى تأميم صناعة النفط الإيراني والى نشوء المواجهة المصيرية مع بريطانيا.

كتاب "إيران بلا حدود" للباحث حميد دباشي
كتاب "إيران بلا حدود" للباحث حميد دباشي

 

يتحدث الكاتب حميد دباشي عن طفولته في إيران حيث تربى في كنف أم شيعية متدينة ومتسلطة وأب غير ملتزم دينياً ذي نزعة تتراوح بين الفكر المناهض للاستعمار والفكر الاشتراكي. ويتحدث الكاتب كيف أن هذا الجو السياسي الذي ساد في طفولته قد أثّر عليه لاحقاً في شبابه حيث غادر إيران الى الولايات المتحدة الأميركية في سبعينيات القرن العشرين، ومن هناك تابع أحداث إندلاع  الثورة الإسلامية في إيران بين عامي 1977 و1979.

وفي تلك الحقبة، تجسد الفكر الاشتراكي على يد حزب توده وتجسد الفكر المناهض للاستعمار على يد محمد مصدق الذي أمم عدداً كبيراً من شركات النفط البريطانية في إيران. ولكن في نهاية المطاف استطاعت الحركة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني أن تهزم الفكرين السابقين وأن تخطف الأضواء، مؤسسة الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

هذه الأيدولوجيات الثلاث لم تكن سائدة فقط في طفولة الكاتب، ولكنها كانت السمة الجيوسياسية الغالبة في المنطقة بأثرها من شبه القارة الهندية مروراً بإيران ووسط آسيا، وصولاً الى العالم العربي وشرق أفريقيا. وكانت هذه الأيدولوجيات المتنافسة والمتواجدة في آن واحد والمتناوبة بمثابة النتيجة الفرعية لحوالي مئتي سنة من المواجهة والخلاف مع الإمبريالية الأوروبية.

كانت الثورة الإيرانية(1977-1979) بمثابة اللقاء التاريخي للأيديولوجيات الثلاث (أي اشتراكية العالم الثالث التي جسّدها حزب توده في الأربعينيات وحركة مناهضة الاستعمار التي تجسدت في فكر محمد مصدق في الخمسينيات، والثورة الإسلامية التي قادها الخميني في الستينيات).

بعد هزيمتهم أمام الحركة الإسلامية، عاش كل من  القوميين والاشتراكيين في المجتمع الإيراني معاً تحت راية "العلمانية" التي ليس لديها أي جذور تاريخية في الحياة السياسية الإيرانية وفقاً لرؤية الكاتب.

ويهدف الكتاب الى تقديم دراسة نقدية حول مستقبل الدول القومية ما بعد فترة الاستعمار، خارج نطاق حدودها الوهمية، متوغلاً عميقاً في الجغرافية السياسية التي عاشتها من خلال تجاربها وواقعها القومي العابر للحدود.

ويبدأ الكتاب بسرد أحداث في بداية القرن التاسع عشر عندما اشتعلت الحروب الفارسية – الروسية وما تلاها من فقدان لأراضٍ قاجرية على يد الروس في القوقاز مما أثار تيقظاً عنيفاً لإيران فيما يخص محيطها الجيوسياسي.

يحتوي الفصل الأول من الكتاب على قراءة متأنية لكتاب "تحفة العالم" (1788- 1804) قام بها مير عبد اللطيف خان شوشتاري، وهو كتاب مؤلف من قبل أحد الرحالة من جيله، حيث عاش في الهند وشهد على إحدى أولى المواجهات بين الإيرانيين والحداثة الاستعمارية الأوروبية. بين القوقاز وشبه القارة الهندية، يحدد الكاتب الجغرافية السياسية كآفاق متصاعدة لعالم كفيل بإعادة تحديد الثقافة السياسية الفارسية. فالتنافس الإمبريالي بين الروس والبريطانيين والفرنسيين كان جازماً من ناحية الظروف الاستعمارية التي أدت الى دخول إيران السياق الجغرافي السياسي كما أدى الى صبغ ثقافتها السياسية بالصبغة العالمية.

في الفصل الثاني، يركز الكاتب على خمسينيات القرن التاسع عشر، حيث ينظر بعمق الى نخبة من عامة المثقفين والمفكرين، أمثال ميرزا آقاخان کرماني (1854-1897) وزين العابدين مراغه‌ای (1839-1910)، ميرزا آقا تبريزي وسيد جمال الدين الأفغاني (1838- 1897). كان هؤلاء من المثقفين الرحالة الذين يطوفون في مساحة جغرافية متحررة تربط وطنهم الأم بخيال سياسي أوسع أفقاً، مما أنتج فكراً نقدياً أسهم في تحرير عقول الناس لكي ينظروا أبعد من الثقافات التي يتلقونها.  

ويهدف هذا الفصل الى السماح بإعادة إحياء الثقافة السياسية العالمية. وقام الكاتب بتفحص الإصلاحات القضائية لرؤساء وزراء القاجريين أمثال أمير كبير (1807-1852)، وميرزا حسين خان سپهسالار (1828-1881)، مستدعياً في الوقت نفسه الحركة البابية (1844-1852)، التي كانت بمثابة أكبر حركة ذات أصول شيعية تحدث خلال القرن التاسع عشر، إذ كانت ضخمة إلى درجة أنها زعزعت حكم السلالة القاجرية وكانت لها تداعياتها على محيطها العثماني. الأثر المشترك للأفكار الثورية التي نشأت عن المثقفين المغتربين من كالكوتا الى القاهرة الى اسطنبول، وتلك التي نشأت عن الثوار أنفسهم داخل المحيط القاجاري،ٍ مثلت التحول الراديكالي للثقافة السياسية التي كانت قد نشأت متجهة الى العالمية.

ويتناول الفصل الثالث، النشرات الدورية التي لعبت دوراً أساسياً خلال القرن العشرين في تسهيل تشكّل مجال عام عابر للقومية، مؤدية في نهاية المطاف الى نقل الروح الثورية الفرنسية والروسية للتمهيد لصنع الثورة الدستورية في إيران. ومنها على سبيل المثال جريدة "قانون" التي تصدر في لندن، وجريدة "حب المتن" التي تصدر في كالكوتا، و"سور إسرافيل" التي تصدر في طهران، ومجلهٔ کاوه (Kaveh) و"إيران شهر" اللتان تصدران في برلين.

وقد مهدت هذه النشرات الى نشأة الأيديولوجيات السياسية اليسارية والليبرالية والإسلامية. إن نجاح الثورة الدستورية في إيران خلال تلك الحقبة(1905) في تحويل الملكية من ملكية مطلقة الى ملكية دستورية، وفي وضع حجر الأساس لنشأة حزب توده الشيوعي خلال فترة الحرب العالمية الثانية، كان بمثابة إنعكاس قوي لتلك الظروف. فالتنافس الذي كان ناشطاً بين الروس والبريطانيين ثم الذي تحول بعد ذلك بين الروس والأميركيين دفع إيران إلى الدخول في السياق العابر للقومية الذي يستخدم لغة عالمية.

وينتقل الفصل الرابع الى حقبة الخمسينيات من القرن العشرين، ناظراً الى تأثير الحركة الهندية المضادة للاستعمار على بروز حقبة محمد مصدّق، رابطاً جواهر لال نهرو وجمال عبد الناصر ومصدّق بمشروع إنشاء جغرافية محررة قادرة على التحدث عن الجغرافية السياسية للمنطقة.

كما يناقش هذا الفصل إسهامات عدد من الشعراء المعروفين عالميين في تجديد التضامن في بلدان الجنوب. ومن أمثال هؤلاء الشعراء: فايز أحمد فايز من باكستان، أحمد شملو من إيران، بابلو نيرودا من تشيلي، فلاديمير ماياكوفسكي من روسيا، ونظيم حكمت من تركيا، ومحمود درويش من فلسطين.

وقد دفعت هذه البيئة "القومية" التي نشأت ما بعد فترة الاستعمار مصدّق الى تأميم صناعة النفط الإيراني والى نشوء المواجهة المصيرية مع بريطانيا. وقد عكر إنقلاب الشاه ضد حكومة مصدق في عام 1953 الذي كان برعاية الاستخبارات الأميركية (سي آي ايه)، هذا المزاج السائد ولكنه فشل في إجهاضه.

ويتحدث الفصل الخامس عن فترة الستينيات، مقدماً تفاصيل حول الخطوط العامة لثقافة عالمية تامة. في هذه الفترة ذهبت الشاعرة فروغ فرخزاد الى إيطاليا وسافر المفكر الإيراني علي شريعتي الى باريس وكان للكاتب الإيراني جلال آل أحمد جولات حول العالم. وفي هذه الفترة انتشرت أفكار فرنز فانون من الجزائر وكوبا الى الوعي السياسي الإيراني. وقد تُرجمت الى الفارسية أعمال كل من بريشت، وهو شاعر وكاتب ومخرج مسرحي ألماني، وتشيخوف، الكاتب المسرحي والقصصي الروسي، وإيبسن الكاتب النروجي وهنري ميلير الروائي الأمريكي. وبرز رواد مسرح إيرانيين أمثال أكبر راضي وغلام حسين سعيدي.  ويذكر الكتاب أن النهضة الشعرية كانت في أشدها خلال تلك الحقبة وبدأت السينما الإيرانية تشتهر والإنحطاط الذي ساد بعد انقلاب عام 1953 تحول الى إبداع وجموح.

ويرى الكاتب أن حركة الإمام الخميني ضد الحكم البهلوي منذ عام 1963 كانت ضد الثقافة العالمية التي كانت سائدة في تلك الحقبة كونها "علمانية" و"غربية"، وهي بالتالي معادية للفكر الإسلامي.

في الفصل السادس يتحدث الباحث دباشي عن عقد السبعينيات من القرن العشرين وظهور منظمة "مجاهدي خلق"، والعصابات الريفية والحضرية، ثم قيام ثورة الإمام الخميني.

أما الفصل السابع فيناقش فترة الثمانينيات التي اتسمت بتطورين متناقضين، حيث تولى الإسلاميون الحكم في إيران وهاجر المفكرون الإيرانيون حول العالم ليقدموا أعمالهم.

وأخيراً يسلّط الفصل الثامن الضوء على ما سمّي بـ"الحركة الخضراء" التي قامت في عام 2009.

ويخلص الكاتب إلى أنه لا يمكن لإيران أن تعيش بمعزل عن محيطها الطبيعي الذي يتألف من إيرانيين من أصل عربي وكردي وآذري الذين يعيشون في بحر قزوين أو مقاطعة خراسان، فهم جزء لا يتجزء من إيران وهم متصلون بمحيطهم الثقافي الطبيعي، مشيراً إلى أن تعطيل الثقافة العالمية قد يؤدي الى تعزيز الحركات الإنفصالية.