خط في الرمال: صراع بريطانيا وفرنسا الذي شكل الشرق الأوسط

يستعرض الكاتب الإنجليزي جيمس بار المحطات الرئيسة التي مرت بها خطة تقسيم المنطقة العربية من قبل كل من بريطانيا وفرنسا، وذلك بدءاً من السنوات الأولى التي تزامنت مع اندلاع الحرب العالمية الأولى في 1914، ونهايةً بتأسيس دولة الكيان الصهيوني في عام 1948.

كتاب "خط في الرمال" للباحث الإنجليزي جيمس بار
كتاب "خط في الرمال" للباحث الإنجليزي جيمس بار

 في الفصل الأول من الكتاب، يتناول الكاتب الإنجليزي جيمس بار الخطوات الأولى لتقسيم المنطقة العربية، وذلك من خلال تتبع آراء واحد من أهم من شاركوا في التخطيط لها، وهو السير مارك سايكس.

سايكس الذي كان يشغل منصب مستشار رئيسي للحكومة البريطانية للشئون الشرق أوسطية، كان في بداية حياته العملية يعتنق وجهة النظر التقليدية، تلك التي ترى ضرورة الحفاظ على كيان الدولة العثمانية، ككيان قوي موحد يسيطر على منطقة الشرق الأوسط، وذلك لتسهيل المنافع التجارية واللوجستية مع بريطانيا العظمى.

 ولكن بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى في عام 1914، تغيرت أفكار السياسي البريطاني الشاب، بعدما انضمت الدولة العثمانية إلى التحالف مع ألمانيا، فخرج في رحلة سريعة لزيارة عدد من البلاد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ثم عاد إلى لندن في 1915، حاملاً خطته الرامية لتفتيت الكيان العثماني والقضاء عليه بشكل كامل.

ففي السادس عشر من كانون الأول ديسمبر 1915، اجتمع سايكس برئيس الوزراء البريطاني ومعه مجلس الحرب لعرض خطته، وكان مؤيداً في سعيه بما اشتهر به من خبرة ودراية في المنطقة العربية، وما عُرف به من كونه يجيد اللغتين العربية والتركية.

 يذكر المؤلف أن الاجتماع، قد حضره أربعة رجال بريطانيين من ذوي النفوذ، وهم رئيس الوزراء اسكويث، ووزير الحربية كيتشنر، ووزير الذخائر اللويد جورج، أما الرابع فكان رئيس الوزراء السابق جيمس بلفور.

ويشرح المؤلف كيف استطاع سايكس أن يحظى باهتمام الرجال الأربعة، وأنه قام برسم مجموعة من الخطوط على خريطة الشرق الأوسط التي اصطحبها معه، وأنه استطاع إقناع الحضور بمنطقه، وبضرورة التوصل إلى اتفاق مع فرنسا لتقسيم أملاك العثمانيين في المنطقة.

من تلك النقطة تحديداً، يترك المؤلف المشهد البريطاني، لينتقل إلى نظيره الفرنسي الموازي، ذلك الذي يبرز فيه اسم فرنسوا جورج بيكو.

يصف المؤلف مسيو بيكو بأنه كان يعتنق الأفكار التي تحض على ضرورة ممارسة فرنسا لسياسة إمبريالية توسعية واضحة، بهدف نشر ثقافتها وحضارتها العظيمة بين جنبات قارتي أفريقيا وآسيا، وخصوصاً في المناطق التي لم تمتد إليها أيدي الرجل الأبيض الأوروبي بعد.

كان فرنسوا وأخوه تشارلز بيكو عضوين في لجنة آسيا الفرنسية، والتي كانت توجه جهودها للحصول على سوريا، كما كان أبوهما المتوفى جورج بيكو، مؤسس لجنة أفريقيا الفرنسية، التي كانت تلح على الحكومة للاستيلاء على مناطق جديدة في القارة السوداء.

كان فرانسوا بيكو قد ابتدأ حياته دارساً للقانون، ولكنه غيّر من خط مسيرته العملية بشكل مفاجئ، عندما اتجه إلى العمل الدبلوماسي، فكان قنصل فرنسا في ميناء بيروت، وهي الوظيفة التي أتاحت له الإلمام والدراية الكاملة بمختلف شؤون الشرق الأوسط السياسية.

في عام 1914، عمل بيكو على استنهاض حكومته لدعم العرب في عملية الاستقلال وطرد العثمانيين من سوريا ولبنان، ولما أحس بتباطؤ من جهة الفرنسيين، قام بتحذير حكومته بشكل واضح، من جراء تدخل البريطانيين في هذا الأمر، فعاد إلى باريس وبدأ في شنّ حملات قوية على رئيس الوزراء الفرنسي ديلكاسيه، بغية دفعه إلى تغيير سياسته في المنطقة العربية.

تلك الجهود، كُللت في النهاية بالنجاح، ففي عام 1915، تم إرسال بيكو إلى لندن للتشاور مع الإنجليز بخصوص تلك المسألة المهمةّ.

ويوضح المؤلف أنه في تلك الأثناء، التي كانت فيها كل من بريطانيا وفرنسا، تتواصلان معاً في شخصي سايكس وبيكو، لتفتيت الدولة العثمانية وتقسيم أراضيها وأقاليمها فيما بينهما، فإن محاولة بريطانية أخرى كانت تتم في معزل عن الخطط الانجليزية - الفرنسية المشتركة، ويقصد بها مراسلات الشريف الحسين مع السير هنري مكماهون المندوب السامي البريطاني السابق في مصر.

كان مكماهون قد اقتنع بفكرة مساعده الشاب رونالد ستورس، والتي ترى بأن ضرب العثمانيين من الخارج لن يمكّن الإنجليز من القضاء عليهم قضاءً مبرماً، وأنه يستلزم العثور على قوة حقيقية داخل البلاد العربية، تستطيع أن تثور على السلطة العثمانية.

اقترح ستورس على مكماهون أن تكون هذه القوة ممثلة في الشريف الحسين حاكم مكة.

وكانت هناك مجموعة من الأسباب التي أيدت مثل هذا الاختيار. السبب الأول هو تأكد ستورس من رفض الحسين للحكم العثماني، ومن سخطه الدائم على احتلال الأتراك للبلاد العربية، وطموحه بإنشاء دولة عربية يتولى فيها مع أبنائه مقاليد الحكم وأزمة السلطة.

السبب الثاني هو أن الحسين كان من الأشراف، والذين يُقصد بهم أحفاد الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومن هنا فإن دعوته للثورة سوف يتبعها الآلاف من المسلمين حول العالم، خصوصاً وأنه كان يحكم مكة والتي هي المكان المقدس الأول في الدين الإسلامي.

كانت المكانة الروحية والطموحات الشخصية إذن، هي العوامل التي استخدمتها بريطانيا لإغراء شريف مكة للثورة والتحالف معها ضد العثمانيين. ومن هنا بدأت قصة المراسلات المتبادلة ما بين الطرفين، تلك التي طالب فيها شريف مكة بإنشاء دولة عربية كبرى في مناطق سوريا والأردن والعراق والجزيرة العربية، وأن يتم تنصيبه كخليفة لتلك الإمبراطورية الضخمة المتداعية، مقابل أن يعلن الثورة العربية ضد العثمانيين.

كانت المفاوضات البريطانية، تتم على جبهتين في الوقت نفسه إذن، الجبهة الأولى مع بيكو الفرنسي، الذي يُمنّي نفسه بالحصول على القدر الأكبر من الغنيمة العربية لبلاده، أما الجبهة الأخرى فكانت مع الحسين الذي يطمح لإنشاء دولة عربية مستقلة تحت رايته.

يُبرز المؤلف بعد ذلك الدور الكبير الذي لعبه بيكو في التأثير على المفاوضين الإنجليز، عندما أكد لهم على أهمية سوريا للفرنسيين، وهو ما جعلهم يميلون شيئاً فشيئاً إلى تنفيذ الاتفاق مع الجانب الفرنسي، والتملص من الاتفاقات التي أجراها السير مكماهون مع الشريف الحسين.

وفي الثالث من كانون الثاني - يناير من عام 1916، جرى الاتفاق ما بين سايكس وبيكو على تقسيم المنطقة العربية، لتصبح مناطقها موزعة النفوذ ما بين الجانبين الفرنسي والإنجليزي.

بموجب ذلك الاتفاق رسم سايكس خطاً على الخريطة يبتدئ من عكا الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، إلى كركوك الواقعة بالقرب من الحدود الفارسية (إيران)، بحيث تكون المنطقة الواقعة شمال هذا الخط واقعة تحت النفوذ الفرنسي. أما المناطق الواقعة في جنوبه فتصبح خاضعةً للنفوذ البريطاني.

ويؤكد المؤلف على أن تلك الفترة قد شهدت اختلافاً في الآراء والمطامع ما بين الطرفين الإنجليزي والفرنسي، فيما يخص فلسطين تحديداً، وأن الطرفين قد أرسلا بنسخة من الاتفاق إلى روسيا لاطلاع حكومتها على الخطة المزمع تطبيقها على أملاك العثمانيين.

أما فيما يخص الشريف الحسين، فقد تم الاتفاق معه على القيام بما عُرف وقتها بالثورة العربية الكبرى، وتم إرسال أحد العملاء البريطانيين المدربين، والذي عُرف فيما بعد باسم لورانس العرب، ليكون حلقة الوصل ما بين الإنجليز من جهة والعرب من جهة أخرى.

ويذكر المؤلف أنه لما تأخرت النتائج المرجوة من الثورة العربية، فإن لورانس قد شك في قدرة الشريف الحسين على قيادتها، بسبب شخصيته المتشككة في القيادة الإنجليزية ومحاولته قيادة الثورة من دون الالتفات لعونها. ولذلك بدأ العميل الإنجليزي في البحث عن قائد جديد للعرب من بين أبناء الحسين الأربعة، ووقع اختياره في النهاية، على فيصل، الذي وصفه في إحدى رسائله للندن، بأنه "محبوب شعبياً، طموح، مفعم بالأحلام وبالقدرة على بلوغها، مع بُعد نظر شخصي حاد، ورجل أعمال كفؤ جداً".

في ظل تلك الأحداث المتغيرة بسرعة، كانت إنجلترا قد أرسلت اللورد اللنبي إلى مصر، والذي قاد جيشاً به الكثير من المصريين مهاجماً فلسطين في عام 1917.

الهجوم الإنجليزي فشل أكثر من مرة على يد الأتراك، ولكنه تمكن في النهاية من الانتصار ودخول غزة، وهنا التفتت الإدارة الانجليزية إلى أهمية إقرار الوضع في القدس قبل أن يدخلها اللنبي، حتى لا تطالب فرنسا فيما بعد بإدارة دولية لتلك المدينة المقدسة.

في تلك الظروف خرج وزير الخارجية البريطاني أرثر بلفور بوعده المثير للجدل، والذي ضمنه في رسالة أرسل بها إلى الملياردير اليهودي روتشيلد، والذي ورد فيه "تنظر حكومة جلالته لصالح إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وسيستخدمون أفضل مساعيهم لتسهيل تحقيق هذا الهدف، من المفهوم بشكل واضح أنه ما من شيء سيضر بالحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية الموجودة في فلسطين أو بحقوق وبالوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".

 


ما بين الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية

بعد أن سرد المؤلف أهم الأحداث والوقائع التي ارتبطت بخطة تفتيت الكيان العثماني، خلال الحرب العالمية الأولى، فإنه يشرع بعد ذلك في تناول تاريخ المنطقة الشرق أوسطية في الفترة الممتدة ما بين الحرب العالمية الأولى التي انتهت عام 1918، وحتى بدايات الحرب العالمية الثانية في عام 1939.

يبدأ المؤلف أحداث تلك الفترة، بذكر مقدم الجنرال الفرنسي هنري غورو إلى بيروت ليحتل منصب المندوب الفرنسي السامي الجديد في سوريا، وذلك في أواخر عام 1919.

يحاول المؤلف أن يرسم صورة مكتملة لذلك الجنرال الفرنسي، فيصف بطولاته في معارك الحرب العالمية الأولى، والتي نتج عنها قطع ذراعه جراء إصابته في إحدى الحروب، وكيف أنه كان نموذجاً فريداً للمقاتل الصليبي الذي ينظر للشرق العربي على كونه أرض مقدسة، يجب فرض السيطرة المسيحية عليها.

يشرح المؤلف كيف واجه الجنرال غورو، بعد وصوله بيروت، الكثير من المشكلات المتفاقمة على الجبهة التركية من جهة وعلى الجبهة السورية من جهة أخرى.

فعلى الجبهة الشمالية، دخلت القوات الفرنسية في معارك عنيفة ضد القوات التركية، التي كان يقودها وقتها الضابط المتحمس مصطفى كمال، حيث استطاع الأتراك أن يُلحقوا الكثير من الأضرار بالقوة الفرنسية التي لم تتعدَ الثلاثين ألف جندي.

أما على الجبهة العربية، فقد عانى غورو من عقبات الاصطدام بفيصل، الذي تم تنصيبه في ذلك الوقت ملكاً على سوريا وفلسطين، بينما تم تنصيب أخيه عبد الله ملكاً على العراق.

تلك المستجدات المتسارعة على المشهد السياسي، تسببت في حدوث انتفاضة عنيفة في فلسطين ضد جماعات الصهاينة واليهود المنتشرة فيها، ووصل الأمر لأوج خطورته، عقب أن رفعت تظاهرات حاشدة صورة فيصل، وهتف له المتظاهرون "فليحيا الملك"، ووقعت اشتباكات عنيفة ما بين العرب واليهود اسفرت عن مقتل خمسة يهود وأربعة عرب.

أمام تلك الظروف المضطربة، وجه غورو جهوده لقتال القوة العربية، ففي شهر تموز يوليو من عام 1920، وجه الجنرال الفرنسي لفيصل طلباً بضرورة القبول بالانتداب الفرنسي على سوريا، ثم دخلت القوات الفرنسية في معركة سريعة ضد العرب في الرابع والعشرين من الشهر نفسه، ووقع اللقاء في ميسلون بالقرب من دمشق، واستطاع الفرنسيون الانتصار بعد استخدامهم للدبابات والطائرات في مقابلة العرب الذين استخدموا الرشاشات، وفرّ بعدها فيصل إلى فلسطين محتمياً بحلفائه من الإنجليز، بينما دخل غورو دمشق مظفراً، وزار قبر صلاح الدين الأيوبي قائلاً جملته الشهيرة التي تعبّر عن ميوله الصليبية الاستعمارية الواضحة: "لقد عدنا يا صلاح الدين".

بعد ذلك ينتقل المؤلف، بشكل سريع، لرصد الأحداث التي وقعت في بلاد الرافدين في تلك الفترة. كان العراق واقعاً فعلياً تحت السيطرة الإنجليزية، وتم التأكيد على الانتداب البريطاني للعراق في مؤتمر سان ريمو، وقد أدت قرارات ذلك المؤتمر إلى اشتعال الغضب الشعبي في العراق، لأن الوعود البريطانية كانت قد أكدت مراراً من قبل، عن نية الإنجليز في منح العراقيين نوعاً من الحكم الذاتي، كما أنه وفي الوقت نفسه فإن التحالف العربي كان قد أعلن الشريف عبد الله بن الحسين ملكاً على العراق.

ويذكر المؤلف أنه رغم محاولة تأكيد السلطات الإنجليزية الحاكمة في العراق على هدوء الأوضاع واستقرارها عقب مؤتمر سان ريمون، إلا أنها فعلياً كانت تخشى من تفجّر الأوضاع، ولذلك فقد تمت زيادة عدد الحامية الإنجليزية، لتصل إلى سبعين ألف رجل، بعد أن كانت لا تتجاوز الثمانية آلاف فحسب.

في صباح يوم الرابع من حزيران – يونيو 1920، بدأت أحداث الثورة، عندما قام عراقيون وطنيون بمهاجمة مركز حراسة في طول عفر الواقعة في شمال غرب البلاد، وعندما توجه فيلق إنجليزي إلى المدينة لاعتقال المشتبه فيهم، فتمت معاملة السكان بطريقة مهينة وغير لائقة، وتم القبض على عدد كبير من القيادات والزعامات المحلية، وهو الأمر الذي يصفه المؤلف بكونه قد تسبب في أن يصبح كل رجال القبائل مشاركين في العمل الثوري ضد سلطة الاحتلال الإنجليزي.

وفي محاولة لتهدئة الأوضاع، قامت الحكومة الإنجليزية بعزل ويلسون الذي كان يشغل وظيفة المندوب السامي البريطاني في العراق، وعيّنت بدلاً منه السير بيرسي كوكس، الذي قدم إلى بغداد ومعه مشروع "القانون العضوي" الذي روّج له على كونه نواة وتجربة أولية لدستور، يستطيع العراقيون تطبيقه مستقبلاً لحكم أنفسهم.

تلك المحاولة لم تلقَ نجاحاً يُذكر في الأوساط الوطنية، خصوصاً بعد أن انضم الكثير من المرجعيات الدينية الشيعية الكبرى في العراق إلى الصف الوطني، فبدأت حدة الهجمات على السلطة الإنجليزية تتصاعد، كما تم إلحاق العديد من الأضرار بالمصالح البريطانية.

 وكحل أخير، قامت الحكومة البريطانية بإعلان فيصل ملكاً على العراق، وهو الأمر الذي أرضى الكثير من الوطنيين العراقيين في بلاد الرافدين، وتسبب في تهدئة وتسكين خواطرهم وحماستهم المتقدة.

 


الخروج الأخير

 في الجزء الأخير من الكتاب، يناقش المؤلف الظروف والأحداث التي تزامنت مع خروج الإنجليز والفرنسيين من الشرق الأوسط بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، والأسباب والدوافع التي أدت إلى ذلك. ويبدأ بالحديث عن الرئيس الفرنسي شارل ديغول، الذي قاد فرنسا في معركة التحرير، ورجع إلى باريس المحررة في آب أغسطس من عام 1944.

وبحسب ما يؤكده المؤلف، فإن ديغول كان مصراً على السعي لتحويل فرنسا إلى قوة عظمى مرة أخرى بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان التواجد الفرنسي القوي والمكثّف في سوريا هو أحد السُبل التي استخدمها للوصول إلى هدفه.

طموحات ديغول سرعان ما اصطدمت بالواقع في سوريا ولبنان، كما أنها تعرضت مع خطة بريطانيا الرامية لتقليص الوجود الفرنسي في المشرق، فالسوريون الذين وقفوا مع ديغول خلال الحرب العالمية الثانية، رفعوا مطالبهم إلى بطل التحرير، للجلاء عن سوريا ولتسليم وحدات الجيش الخاص، الذي يُشكّل أبناء الشعب السوري الأغلبية الغالبة منه، إلى الحكومة السورية.

ديغول رفض تلك المطالب، بل وقام بإرسال مئات عدة من الجند الفرنسيين والسنغاليين إلى بيروت، لتعزيز التواجد والنفوذ الفرنسي في بلاد الشام.

في البداية وقعت بعض المواجهات البسيطة ما بين السوريين والفرنسيين، ولكن في السابع والعشرين من شهر أيار - مايو، اندلعت المشاجرات العنيفة ما بين الطرفين في كل من حمص وحماة، وبعدها امتدت إلى دمشق وسائر المدن السورية.

وفي ظل تلك الأوضاع المضطربة، تعرض البرلمان السوري للقصف المدفعي الفرنسي، واختبأت الحكومة السورية في مكان غير معروف، هرباً من الجنود الفرنسيين، بينما اتصل الرئيس شكري القوتلي بالسلطات البريطانية وطلب منها التدخل لمنع الفرنسيين من مواصلة حرب الإرهاب التي بدأوا بها.

وبعد الكثير من المشاورات والمباحثات الإنجليزية، يذكر المؤلف أن تشرشل استجاب لطلب الرئيس السوري، وأن بريطانيا أرسلت إلى ديغول طالبةً وقف هذا القتال على الفور، وهو ما رضخ له قائد القوات الفرنسية في سوريا، أوليفيا روجيه، بعد أن تدخلت القوات البريطانية فعلاً في الأراضي السورية وفرضت وقف إطلاق النار على الجانبين، وهو الموقف الذي يرى فيه المؤلف بداية حقيقية لتلاشي النفوذ الفرنسي تماماً من الأراضي السورية.

بعد ذلك يتطرق المؤلف إلى الوضع في فلسطين، فيذكر ضعف القوة الإنجليزية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وكيف أن الهجرات اليهودية الكثيفة التي توجهت نحو فلسطين قد سببت حرجاً بالغاً للسلطات الإنجليزية، مما دفعها لمحاولة منعها والوقوف ضدها، وهو الأمر الذي هيّج العصابات اليهودية الصهيونية التي تكونت حديثاً في فلسطين، ومنها عصابات الهاغاناة، والأرغان والشتيرن، فوقع صدام كبير ما بين تلك العصابات من جهة والإدارة الإنجليزية من جهة أخرى، مما أسفر عن سقوط الكثير من الضحايا من الجانبين.

ويركز المؤلف بعد ذلك على تبيان الأسباب التي تضافرت مع بعضها البعض، لتغيير الوضع في فلسطين، حيث يؤكد على دور العصبة اليهودية-الأميركية، وكيف أنها نجحت في شحن الرأي العام السياسي لمساندة القضية الصهيونية. كما يشير إلى الدور الذي لعبته فرنسا في ذلك الوقت، في تأييد الدعوات الصهيونية نكايةً في بريطانيا.

وأمام كل تلك العقبات التي واجهتها بريطانيا في فلسطين، ساد اعتقاد في لندن، بأن بقاء الانتداب في فلسطين لن يؤدي إلى المزيد من الخسائر البشرية والمادية فحسب، بل أيضاً لا توجد له جدوى استراتيجية حقيقية. وعليه رأت بريطانيا أن ترمي بثقل المسؤولية في فلسطين على الأمم المتحدة، فأعلنت عن نيتها في إنهاء الانتداب في أيار مايو من عام 1948، وصوتت الكثير من الدول الأعضاء بالموافقة على هذا الاقتراح، لتقره الأمم المتحدة ويصبح أمراً واقعاً لا رد له.