كيف تطورت العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد حرب 2006؟

بعد عدوان تموز/ يوليو 2006 أعادت إسرائيل الاعتبار لأهمية القوات البرية وضرورة تنظيمها وتأهيلها لخوض حروب مستقبلية، من خلال تدريبات مكثفة ومناورات متتالية. كما جرى تسليحها جيداً.

  • "العقيدة الأمنية الإسرائيلية وحروب إسرائيل في العقد الأخير"

تركزت الدراسات والمقالات (المترجمة من اللغة العبرية) المتضمنة في هذا الكتاب، التي أعدّها أو كتبها جنرالات وباحثون مختصّون بالشؤون الأمنية الإسرائيلية، على قراءة أو تشريح بعدين رئيسيين يرتبطان بالمسار الاستراتيجي العام للكيان الإسرائيلي. وهذان البعدان هما:

1- تطوّر عقيدة «إسرائيل» الأمنية ومكانة الجيش في المجتمع الإسرائيلي.

2-  التحدّيات والمخاطر التي تواجه الكيان على مستوى الإقليم، في ضوء حروب وتطوّرات العقد الأخير.

 

في المقدّمة التي أعدّها محرّر الكتاب أحمد خليفة عرض موجز للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، مستخلص من الدراسات والمقالات المذكورة، إضافة إلى تلخيص لأهم ما اشتملت عليه تلك الدراسات من نقاط وموضوعات.

ويذكّر خليفة بالمرتكزات الأساسية للعقيدة الأمنية الإسرائيلية، التي كان دافيد بن غوريون أول من وضع أُسسها في أوائل خمسينيات القرن الماضي. وهذه المرتكزات هي:

  • تعزيز قوّة الردع.
  • في حال فشلها ونشوب الحرب، نقل المعركة في أقرب وقت ممكن إلى أرض العدو وإنهاؤها بسرعة.
  • تدمير قوات العدو المسلّحة ومعدّاتها.
  • احتلال مناطق والبقاء فيها حتى تحقيق مكاسب سياسية.
  • هجوم استباقي أو حرب وقائية في حال التأكد من نشوء خطر جسيم ماثل، أو محتمل مستقبلاً.
  • سلاح نووي كملاذ أخير.

 

ويعرض خليفة عوامل نشأة هذه العقيدة الأمنية وتغيّرها بمرور الوقت، مع تغيّر المعطيات الجيوسياسية بشكل جذري، وهي احتلالات حرب 1967 التي منحت الكيان عمقاً استراتيجياً، كما تعاظمت الموارد البشرية والمالية لديه بفعل الهجرة اليهودية والزيادة السكانية؛ فضلاً عن المعونات المالية والتسليحية الأميركية الضخمة له. ثم يتوقف عند حرب تموز/ يوليو 2006 الإسرائيلية ضدّ حزب الله في لبنان، حيث صار تحديث العقيدة الأمنية للكيان بعدها الهمّ الرئيسي للقيادات الأمنية والسياسية فيه. فقد فشل سلاح الجوّ الإسرائيلي في القضاء على قيادة حزب الله ومقاتليه، أو في تدمير سلاحه الرئيسي (الصواريخ)، أو حتى في حماية القوات البرية التي دخلت لبنان.

هذه القوات التي لم تنجح في (نقل المعركة إلى أرض العدو)، وإنما تعرّضت لخسائر فادحة في الأرواح والمعدات، حيث دُمّر عدد كبير من دبابات ميركافا، «فخر» الصناعة الإسرائيلية. ولم تستطع القوات المعتدية إنهاء القتال بسرعة، والذي استمرّ 33 يوماً، فيما فشلت القوات الإسرائيلية في احتلال أيّ أراضٍ لبنانية.

والأهم والأخطر من هذا كلّه كان تعرّض الجبهة الداخلية المدنية الإسرائيلية، ولأول مرّة في تاريخ الحروب العربية - الإسرائيلية، لقصف مكثّف بالصواريخ (بمعدّل 100 - 150 صاروخاً يومياً) استمرّ طوال أيام الحرب، وشلّ الحياة في شمال فلسطين المحتلة.

هذه الجبهة الداخلية، التي قد تكون الساحة الرئيسية أو الوحيدة التي سيستهدفها «العدو»، صارت حمايتها هماً رئيسياً للحكومة الإسرائيلية وقيادة الجيش. وقد نجم عن ذلك، على صعيد المفاهيم، إدخال مكوّن الدفاع إلى مكوّنات العقيدة الأمنية، وأيضاً جملة من الإجراءات التنظيمية والإدارية الخاصة بالجبهة الداخلية، من أجل إعدادها لمواجهة خطر الصواريخ.

ويشتمل مكوّن الدفاع على مفهومين: الدفاع السلبي والدفاع الفعّال. أما الدفاع السلبي، والمسمّى عالمياً «الدفاع المدني»، فيشمل الهيئات والجهات والترتيبات المعدّة لمواجهة الكوارث الطبيعية وأخطار الحروب؛ ويتضمّن توعية «المواطنين» وإرشادهم إلى كيفية التصرّف حين سماع صفارات الإنذار في أوقات الحرب، فيما يقوم مفهوم الدفاع الفعّال على اعتراض الصواريخ والقذائف الصاروخية بواسطة منظومات القبّة الحديدية المتنوعة.

أيضاً، بعد حرب تموز/ يوليو 2006 أعيد الاعتبار لأهمية القوات البرية وضرورة تنظيمها وتأهيلها لخوض حروب مستقبلية، من خلال تدريبات مكثفة ومناورات متتالية. كما جرى تسليحها جيداً.

عقيدة الضاحية

عقيدة الضاحية: بعد سنتين على عدوان تموز/ يوليو 2006، كشف غادي آيزنكوت، رئيس الأركان الحالي ورئيس شعبة العمليات خلال الحرب، النقاب عن مفهوم استراتيجي/ قتالي تبلور في أعقاب الحرب، وتُرجم إلى خطّة عسكرية أقرّتها القيادة السياسية الأمنية العليا للتطبيق في حال نشوب حرب مستقبلية.

يقول غيورا آيلاند حول (عقيدة الضاحية): «إن إلحاق ضربة قوية بلبنان وتدمير بيوت وبنى تحتية ومعاناة مئات الآلاف من الأشخاص، هي الأمور الوحيدة التي يمكن أن يكون لها التأثير الأكبر في سلوك حزب الله».

وهكذا كانت الحال بالنسبة لحروب إسرائيل الثلاث الفاشلة على قطاع غزّة (أواخر 2008 / 2012 / 2014)، والتي أظهرت عدم تطوّر العقيدة الأمنية الإسرائيلية، بمعنى استفادتها من «إخفاقات» حرب تموز 2006 ضدّ لبنان.

فبحسب محرّر الشؤون العسكرية في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، رون بن يشاي، «لم يتمكّن الجيش الإسرائيلي من توفير ردع قوي لوقت طويل في مواجهة «حماس» وتنظيمات «الإرهاب» في غزّة، رغم الضربات المدمّرة التي وجّهها ضدّ حماس والسكان المدنيين الذين زاد تأييدهم لها؛ فيما أظهرت كتائب عز الدين القسام قدرة مذهلة على إعادة بناء قدراتها العسكرية، ونجحت في تحدّي الجيش الإسرائيلي، وصولاً حتى إلى الردع في مواجهته».

في الجزء الثاني من المقدّمة، يقرأ معِدّ المقدّمة المخاطر والتحديات التي تواجه الكيان الإسرائيلي في العام 2015، تحديداً من مقالة للجنرال يعقوب عميدرور، الذي يقول: «.. لقد تغيّر الخطر الذي يتهدّد «إسرائيل» حالياً، وأصبح يكمن أساساً في التنظيمات اللادولتية Non-state organisations  التي تحرّكها أيديولوجيا إسلامية؛ ويُعتبر حزب الله أقواها.. فهو يملك نحو 150 ألف صاروخ وقذيفة تستطيع بضعة آلاف منها تغطية جميع أنحاء إسرائيل. وهذه قوّة نارية كبيرة وهائلة..».

أما الخطر الأكبر الذي يتهدّد وجود إسرائيل، فيرى عميدرور أنه يكمن «في احتمال أن تنجح إيران في التوصل إلى اتفاق يسمح لها بالتقدم في عملية حصولها على القدرة النووية العسكرية».

 

ضرورة إعادة صوغ عقيدة إسرائيل الأمنية

أما في مضمون الدراسات والمقالات التي تمّ اختيارها وترجمتها، والتي تتطرّق إلى البعدين المذكورين آنفاً: تطوّر العقيدة الأمنية الإسرائيلية، والتحديات التي تواجه «إسرائيل»، فيمكن استخلاص الأفكار الرئيسية التالية منها:

 

أولاً) الدراسات

في الدراسة الأولى المعنونة (ضرورة إعادة صوغ عقيدة إسرائيل الأمنية)، بقلم أليكس مينتس وشاؤول شاي، يشدّد المؤلّفان على أنه بات من الضروري جداً تحديث هذه العقيدة وملاءمتها مع تحديات الواقع الراهن وأخطاره، وما استجدّ من تطورات تشمل العولمة والثورات التكنولوجية في مجالات الاتصال والسايبر والفضاء؛ بالإضافة إلى الاضطرابات الإقليمية والتغيرات الجيو-سياسية في الشرق الأوسط، وتبدّل طبيعة الحروب ونمط الأعداء، وما طرأ على المجتمع الإسرائيلي نفسه من تغيرات.

الدراسة الثانية المعنونة (العقيدة الأمنية ومكانة الجيش في المجتمع الإسرائيلي)، بقلم يوآف جيلبير، تتضمّن وصفاً للواقع الجيو-سياسي الذي وجدت «إسرائيل» نفسها فيه بعد انتهاء حرب 1948، والذي تبلورت العقيدة الأمنية الإسرائيلية في رحمه، وشرحاً للفرضيات التي بُنيت عليها ومرتكزاتها الأساسية، لينتقل المؤلّف بعد ذلك إلى شرح الواقع الجيو-سياسي الراهن المختلف جذرياً عن واقع الخمسينيات، وشرح التغيّرات التي طرأت على البنى القيمية والديموغرافية والاقتصادية والتكنولوجية لدولة الكيان، وطرأت أيضاً على الجيش الإسرائيلي نفسه,

ويخلص جيلبير إلى الاستنتاج أنه لم يعد هناك مفرٌ من تحديث العقيدة الأمنية التقليدية للكيان. واللافت للنظر في التوصيات التي يقدّمها المؤلف اقتراحه التخلّي عن مفهوم «جيش الشعب» المكوّن من قوات محترفة صغيرة العدد وقوات احتياط كبيرة؛ وهو مفهوم ابتدعه بن غوريون وفرضه في حينه، والتوجّه نحو بناء جيش نظامي كبير محترف يكون هو أساس القوة العسكرية، لا مجرّد نواتها، كما هي الحال الآن.

 

التحديات الاستراتيجية - الأمنية الراهنة لإسرائيل

الدراسة الثالثة المعنونة (التحديات الاستراتيجية - الأمنية الراهنة لإسرائيل)، بقلم أودي ديكل وشلومو بروم ويورام شفايترز، تبدأ بتقويم المؤلّفين ميزان الأمن القومي الاستراتيجي الإسرائيلي، فيشيرون إلى الإيجابيات والسلبيات، ثم ينتقلون إلى شرح التحديات والأخطار الاستراتيجية - الأمنية المستجدّة التي تواجهها إسرائيل، وإلى ما هو مطلوب منها لمواجهتها على صعيد بناء القوة العسكرية كي تكون قادرة على التعامل معها بنجاح.

الدراسة الرابعة المعنونة (حان وقت اتخاذ القرارات بشأن اتفاقات وخطط بديلة)، بقلم الجنرال (احتياط) عاموس يادلين، رئيس مجلس الأمن القومي، تبدأ بجردة للأمن القومي الإسرائيلي، فتسجّل العناصر الإيجابية الرئيسية، وهي في رأي المؤلّف: تعرّض الجيش السوري لإنهاك شديد، وخسارة حزب الله الشرعية في العالم العربي، وتقارب واسع في المصالح بين إسرائيل ودول عربية، وعدم تحقق التوقعات بحدوث موجة إرهابية ضدّ إسرائيل، ومخزون الغاز الطبيعي الذي تمّ اكتشافه في المياه الإقليمية الاقتصادية الإسرائيلية.

أما العناصر السلبية، فهي في رأي يادلين: البرنامج النووي الإيراني، المسار التفاوضي المعطّل مع الفلسطينيين، الانتفاضات في العالم العربي، وعدم الاستقرار، وضعف الحكومات المركزية، والسياسة الأميركية في الشرق الأوسط، واحتمالات تغييرها.

الدراسة الخامسة (الاستراتيجيا الإسرائيلية الجديدة في مواجهة برنامج إيران النووي)، بقلم شموئيل إيفن، تبدأ بشرح الاستراتيجيا التي اتبعتها إسرائيل تجاه هذا البرنامج حتى سنة 2009، مشيرة إلى أنها كانت قائمة على العمليات السرية التي اشتملت، بين أمور أخرى، على اغتيال علماء إيرانيين وهجمات سيبرانية ضدّ أجهزة الطرد المركزي المتعلقة بتخصيب اليورانيوم، وإلى أنها لم تؤدِّ إلى أكثر من تأخير البرنامج النووي وفشلت في إيقافه. وبحلول سنة 2009 كانت إيران، في رأي إيفن، قد حققت قدرة على صنع قنبلة نووية.

 

الدروس المستفادة من منظومة القبّة الحديدية

الدراسة السادسة المعنونة (الدروس المستفادة من منظومة القبّة الحديدية)، بقلم يفتاح شابير، تبتدئ بالإشارة إلى تعرّض إسرائيل لـ4000 هجوم صاروخي في حرب تموز/ يوليو 2006، ولإطلاق متواصل تقريباً للصواريخ من غزّة خلال العقد المنصرم، وإلى أن إسرائيل عمدت لمواجهة هذا الخطر، إلى تطوير عقيدة دفاعية ضدّ القذائف ذات المسار المنحني، ومنها الصواريخ.

ويمتدح المؤلف أداء منظومة القبّة الحديدية في الحروب على غزة، مع قدرٍ من النقد في قدرتها على حماية الجبهة الداخلية، وجدوى إنفاق مبالغ طائلة على تطويرها.

 

ثانياً) المقالات

في المقال الأول (إدارة العمليات العسكرية في المواجهات المحدودة) يرى اللواء (احتياط) دافيد عبري، وهو قائد سابق لسلاح الجو، أن المواجهات المحدودة واللامتناظرة أصبحت النمط السائد، وأن الحروب الشاملة بين دول صارت أقل أهمية. وهذا ينطبق على المواجهات بين إسرائيل وأعدائها المباشرين حالياً؛ أي المنظمات اللادولتية (حزب الله ، حماس، وغيرهما).

في المقال الثاني (المخاطر الأمنية التي تتهدّد إسرائيل في سنة 2015)، يتعرض كاتب المقال، اللواء (احتياط) يعقوب عميد رور، للتهديدات المتعاظمة للكيان من قِبل تنظيمات لا دولتية، في مقابل تلاشي الأخطار التي كانت تشكّلها بعض جيوش المنطقة (الجيشان السوري والعراقي بالخصوص). ويحدّد الكاتب هذه التنظيمات بحزب الله في لبنان، وحركة حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين، وتنظيم داعش.

ويستنتج عميدرور أنه يتعين على الجيش الإسرائيلي أن يكون مستعداً لحرب بريّة واسعة النطاق في لبنان، ولحرب استنزاف في غزة، ولعملية عسكرية ضد إيران، التي أنجزن اتفاقاً مع الدول الكبرى حول برنامجها النووي، ستكون صعبة وتكلفتها عالية.

المقال الثالث المعنون (لا يمكن لإسرائيل الانتصار على حزب الله إلاّ إذا كبّدت لبنان ثمناً لا يُحتمل)، بقلم اللواء (احتياط) غيورا آيلاند، كتِب في إثر العملية التي نفّذها حزب الله في مزارع شبعا في 28/1/2015، رداً على اغتيال قادة من حزب الله وجنرال إيراني في هضبة الجولان. ويجزم آيلاند أن حزب الله، على الرغم من العملية،غير معني بالتصعيد، مع تأكيده على تبنّي (عقيدة الضاحية) وشرحها بإسهاب.

في المقال الرابع (كيف يمكن استغلال المفاوضات في القاهرة من أجل تحقيق هدوء طويل الأمد في غزة)، بقلم رون بن يشاي، يحلّل الكاتب الاستراتيجيا التي تعتمدها إسرائيل في حروبها على غزة، ويسمّيها «استراتيجيا الجولات»، ويبيّن كيف أنها تقوم على فرضيات وتقديرات تبدّدت مرّة بعد مرّة، وثبت فشلها في تحقيق ما أرادت إسرائيل تحقيقه من ردع «حماس» وفصائل المقاومة، وفي إحلال هدوء طويل الأمد على جبهة غزة، مركّزاً على هدف عملية (الجرف الصامد) في العام 2014، والمحدّد من قِبل المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر، بـ«توجيه ضربة قاسية» إلى القدرة العسكرية لحماس، والتوصل إلى هدوء طويل الأمد على الساحة الفلسطينية. ولم يجر (حينها) الحديث عن الإطاحة بحماس ولا حتى عن تجريد غزة من السلاح.

 

باحث لبناني.