الصراع الأجنبي على العراق والجزيرة العربية

يتناول الكاتب علي عفيفي علي غازي مسألة الاهتمام الأوروبي بالعراق التي استمرت إلى النصف الثاني من القرن السادس عشر، والتنافس الإنكليزي مع النشاط البرتغالي الذي سبقهم بقرن من الزمن في الوصول إلى هناك، وكيف برزت أهمية العراق كطريق بديل للمواصلات العالمية بين الشرق والغرب، بعد انتصار الإنكليز على الفرنسيين، حيث أصبحت البصرة مركزاً للتجارة البريطانية، وازداد التغلغل الإنكليزي في العراق، وأصبح الاهتمام بالعراق سياسياً أيضاً.

كتاب "الصراع الأجنبي على العراق والجزيرة العربية في القرن التاسع عشر"

 يشرح الكاتب انعكاس أثر الصراع بين فرنسا وإنكلترا حول مصر على بقية العالم العربي بما فيه العراق، والأهمية التي برزت لطريق الخليج والعراق كونه أصبح خطاً دفاعياً بريطانياً عن الهند، في الوقت الذي شهدت تجارة بريطانيا نمواً متزايداً، ما دفع فرنسا للتفاهم مع الباب العالي في مصر لإقناع السلطان العثماني بجدوى التحالف مع فرنسا، لاستعادة مكانتها في مصر، حيث كانت ترى أن سيطرتها على مصر تكفي لتحقيق أهداف حملتها. لكن الإنكليز وجدوا أنفسهم أمام خطر داهم بنزول الحملة الفرنسية في مصر، وكان طريق العراق هو الأسلم والأسرع لتحرير المسؤولين الإنكليز من نزول تلك الحملة، وبروز دور العراق في مجال السياسية الدولية كطريق دولي بين أوروبا والشرق الأقصى.

بهذا أصبح العراق خطاً دفاعياً عن الهند، وشهدت التجارة البريطانية في العراق نمواً متزايداً وزاد الاهتمام البريطاني بالعراق، بعد عودة نابليون إلى فرنسا، وبدأ العراق يتأثر بتطورات السياسية الدولية في اسطنبول.


الصراع بين داوود باشا والي بغداد والوكيل السياسي البريطاني

يبين الكاتب كيف تم القضاء على حكم المماليك في العراق سنة 1831 من خلال القضاء على داوود باشا الذي مرّ بصعوبات كبيرة وتخطاها وأحرز نهضة كبيرة وطمأنينة وأمن للعراق، وكانت علاقته حسنة مع الممثل البريطاني في البداية إلى أن ساء الأمر بينهما بسبب اتباع داوود باشا القسوة مع البريطانيين ما أودى به إلى الخضوع لضغوط القسطنطينية والهند من خلال التوقيع على وثيقة التراضي، ثم عاد وقام ببعض الإصلاحات فاستقام له الأمر، فأشعرت قوته السلطان العثماني "محمود الثاني" بالارتياب، فاختار علي رضا باشا والي حلب للقضاء عليه.

وقد ساءت أحوال بغداد التي ورث علي رضا باشا باشاويتها وأصبحت كلمة السلطان العثماني هي العليا في ربوع العراق، ما جعل الوضع الجديد صالحاً للبريطانيين ليعاودوا نشاطهم بقوة، ودعّم ذلك طيب علاقتهم مع علي رضا باشا، ما دفعهم إلى مساعدته لتوطيد حكمه من أجل استخدامه ضد الغزو المصري المنتظر للعراق من جهة، وضد معاهدة السلطان العثماني (أونكيار أسكلة سي) مع الروس التي جعلت الدولة العثمانية من وجهة نظر الإمبريالية الإنكليزية تحت الوصاية الروسية. إلا أن العلاقة بين الإنجليز وعلي رضا باشا ساءت بسبب تمادي الأطماع الإنكليزية بتوسيع سلطتهم على العراق مستغلين تهديدات جيوش محمد علي ومخاوف الدولة العثمانية منها ما أجبرها على إجبار علي رضا باشا لمسايرة الإنكليز وزيادة امتيازاتهم.


الصراع المصري العثماني وتنشيط التنافس الأجنبي في العراق

برز دور مهم لاستخدام السكك الحديدية في العراق، وسعت الحكومة الفارسية إلى الوقوف نداً للقوى البريطانية، وقد سبب افتتاح قناة السويس للملاحقة عام 1869 تحولاً حاسماً في التاريخ وهذا ما جعل مصر هدفاً للسيطرة على هذا الممر المائي العظيم، فتم احتلال مصر عام 1882.

وقد فُتحت الشام أمام نمو الإرساليات التبشرية التنصيرية، ووجد المبشرون في العراق أرضاً بكراً لذلك، وفُتح العراق أمام الأوروبيين لإرسال البعثات، ومحاولات ضم مسيحيي العراق والشام إلى المذاهب الغربية والبابوية الكاثوليكية.

وكانت فرنسا أسبق الدول في هذا النشاط، واعتبر عهد المماليك عهد انتصارات لحركة التبشير في العراق. وشهد العراق منذ القرن التاسع عشر منافسة قوية بين المبشرين، وتمتع مسيحيو العراق بمعاملة جيدة، حتى أنه وصل التبشير إلى طائفة الصائبة واليهود.

وظهرت بريطانيا كمنافس قوي لفرنسا في النشاط التبشيري، فبدأت الحركة الكاثوليكية تصادف مقاومة كبيرة بعد تنبه السلطات الدينية والأميركية إلى أهمية تحويل مسيحيي الشرق إلى المذهب البروتستانتي، وكان هذا التنافس يستعر ويخفت وفقاً لأهمية العراق اللحظية في المجال الدولي، أما نتيجته على المجتمع العراقي لم تكن سوى المزيد من التفسخ.

وقد ظهر مجال للتنافس الأجنبي في العراق، وهو مجال الكشف عن الحضارات القديمة، وطبعاً كان ستاراً لأهداف استعمارية ولم تكن أهداف هذه البعثات جميعاً أهداف حضارية وتاريخية بقدر ما كانت أهداف سياسية واستراتيجية، وتم نقل الآثار تحت سمع وبصر العثمانيين.

واحتدمت المنافسة بين فرنسا وبريطانيا على الدراسات الطبوغرافية والجغرافية للبلاد واستمرت عمليات مسح العراق وبلاد الخليج التابعة للدولة العثمانية دون أن تدرك الأخيرة خطورة هذه الأهداف.

ويشرح الكاتب كيف تم توسيع الهوة بين محمد علي والولاة العثمانيين ودخلوا ميدان الحرب ضد قوات محمد علي في نجد بصورة غير مباشرة وبالوسائل الدبلموماسية، فقد كان أول تخطيط عثماني سعودي ضد محمد علي في الجزية هو وقوع الرسالة التي وجهت إلى فيصل بن تركي والتي تحثه على مكاتبة حكومة بغداد والطاعة للسلطان العثماني.

 


حملة خورشيد باشا على الإحساء ونجد (1837-1839)

يبيّن الكاتب أن هذه الحملة كانت محاولة لإنقاذ حملة اسماعيل بك وخالد بن سعود حيث تم إصدار الأوامر إلى خورشيد باشا، محافظ المدينة المنورة، بالاستعداد لقيام حملة عسكرية إلى نجد وتأخر عن ذلك ستة أشهر، وكيف تم الاتفاق على رفع الحصار عن الرياض على أن ينسحب فيصل إلى الإحساء ليحكمها وبموافقة خورشيد باشا. وكان هذا الأمر مخادعة من خورشيد لأنه كان عاقد العزم على التقدم إلى نجد، ليسيطر على ما تبقى من أراضيها والتقدم إلى الإحساء وساحل عمان ومن ثم البحرين والبصرة، وكيف لقي فيصل بن تركي هزيمة قاسية وتراجع إلى الدلم. وبعدها استسلم لخورشيد وطلب الصلح، على أن يسير هو وأخوه جلوي ووالده إلى مصر عام 1838، وبقي في القاهرة إلى أن تمكن من الهراب عائداً إلى الرياض وبقي أميراً إلى أن توفي عام 1866.

كما يشرح الكاتب كيف نجح محمد علي في إقناع بريطانيا برغبته في المحافظة على مصالحها في الجزيرة العربية والبحر الأحمر، فاحتلت بريطانيا جزيرة خرج بالقرب من البصرة لمراقبة التحركات المصرية، ولكي تحول بين المصريين والعراق.

وقد عمل خورشيد باشا على مراسلة رؤساء الإحساء مانحاً إياهم الأمان إلا أنهم ظلوا يثيرون المتاعب. وبعد استقرار خورشيد في الإحساء حاول إغراء شيوخ القطيف بالانضواء تحت سيادة مصر، فسادت حالة من القلق والاضراب في العراق نتيجة لسيطرة المصريين على نجد والإحساء والقطيف.

وبالرغم من الضمانات التي قدمها محمد علي للبريطانيين بأن توسعاته لن تصل إلى الخليج، ولكنه كان يتطلع إلى ضم البحرين كونها مفتاح الجزيرة العربية الشرقي، ورواجها الاقتصادي واستقرار الأمور في الإحساء والقطيف يتوقفان عليها. وتم إقناع شيخ البحرين بأن يكون حليفاً لمحمد علي، فأزعج هذا الاتفاق الجانبين الفارسي والإنكليزي، وتم الاعتراض عليه من قبل محمد علي والإنكليز فتراجع شيخ البحرين وفضل الاعتماد على الإنكليز، مما أضعف موقف محمد علي. وبعد انسحاب قوات محمد علي من الجزيرة، عاقبت بريطانيا الشيخ عبدالله بطريقة غير مباشرة فتمت هزيمته عام 1843 وغارد البحرين إلى الدمام.


خورشيد باشا وإمارات ساحل عمان المتصالحة

 يقول الكاتب إنه كان لدى بريطانيا قلق من بسط محمد علي نفوذه على الخليج ووراثته النفوذ السعودي، ورأت أن تحركاته هي محاولة لتوحيد منطقة الخليج، وخاصة الإمارات المتصالحة مع بريطانيا، فتمت إثارة شيوخ القبائل ضد التوسع المصري وتم تعزيز العلاقة البريطانية مع بعض الشيوخ بشتى الوسائل.

ويوضح أن التعاون بين محمد علي وسلطان مسقط لم يتم نتيجة للتدخل البريطاني واستعدادها لتقديم أي مساعدات تجاه أي هجوم تقوم به قوات خورشيد باشا ضد مسقط.

أما في الكويت فقد توطدت العلاقة بشيخها جابر الصباح، الأمر الذي أثار ريبة بريطانيا حتى أن شيخها جابر لم ينهض عن كرسيه للترحيب بالمبعوث البريطاني. ولكن بريطانيا لم تكن ترغب في توتر علاقتها في شيخ الكويت، فخشيت على هيبتها التي بدأت تسقط في نظر سكان الخليج، لأن التوسع المصري يتجه شمالاً وجنوباً معاً، مما ينذر باتحاد وشيك بين تلك الإمارات ومما يشكل عائقاً أمام الهيمنة البريطانية على الخليج.

يقول الكاتب إنه لم تكن لدى محمد علي القوة الكافية للوقوف أمام سيد البحار في ذلك الوقت، فوقفت بريطانيا بالمرصاد لطموحات محمد علي لضم العراق إلى إمبراطوريته وأرسلت بعضاَ من قواتها إلى البصرة لتكون عائقاً أمام تحركاته تجاه العراق، واحتلت عدن لإغلاق مضيق باب المندب وكانت تعليماتهم لحكومة الهند التدخل ولو بالقوة العسكرية عند الضرورة.

أما خورشيد باشا فرأى أن الاستيلاء على البصرة أمر ضروري لأهميتها الاستراتيجية، وكانت بريطانيا ترى أن استيلاء محمد علي على العراق له تأثير مباشرة على مصلحتها في الهند.

وقد زادت مخاوف بريطانيا من وصول قوات محمد علي إلى الخليج، ولم يتزعزع موقفها، وقاومت العوامل أمام تحركاته، وتنبه البريطانيون بأن تقدم القوات المصرية إلى الخليج له خطر على الأوضاع في المنفذ الحيوي الذي يوصل إلى مستعمراتها في الهند. وعلى الرغم من هذا التخوف، إلا أنها رأت أنه يمكنها الاعتماد على قوات محمد علي للوقوف ضد التوسع والنشاط الروسي المتزايد في الخليج.

ويرجع اهتمام بريطانيا بالخليج لأهميته الاستراتيجية، فمن يسيطر على البحرين يتحكم في الخليج.

 


الانسحاب المصري من الخليج والجزيرة العربية

انسحب خورشيد باشا من الجزيرة العربية سراً، خوفاً من استغلال القبائل النجدية لانسحابه. وسعت بريطانيا لتوطيد علاقتها بمشيخات الخليج وأطلقت سراح فيصل بن تركي من سجنه في مصر. وتنبه العثمانيون في أعقاب انسحاب القوات المصرية من الجزيرة العربية لأهميتها وسعوا إلى العودة إليها من جديد. ورحبت بريطانيا بذلك ليعود العثمانيون لحكم الجزيرة العربية ومعهم النفوذ البريطاني.

وخف اهتمام العثمانيين بأمور الخليج وإمارته بعد عزل علي باشا، واكتفوا باعتبار شبه الجزيرة العربية جزءاً من الدولة العثمانية ما أعطى فرصة للقوة الطامعة وخاصة إنكلترا وفرنسا وفارس، للعب دور بارز في تاريخ المنطقة، فوضعت بريطانيا يدها على ساحل عمان وقطر وثم الكويت والبحرين واًصبحت هذه الإمارات تحت الحماية البريطانية.

وظل التدخل الأوروبي السياسي والاقتصادي في العراق محدوداً حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، وأصبحت البحرين بعد الانسحاب لمصري منها مالطا أخرى، فتخلت بريطانيا عن الحفاظ على الدولة العثمانية ونجحت في احتلال رأس الخليج والبصرة ودخلت بغداد. وقاومت الموصل التدخل البريطاني، حتى إعلان هدنة "مدروس" وخروج العثمانيين من الحرب وإدارة الأقاليم العراقية من قبل موظفين بريطانيين وهنود، وفقد العراق استقلاله وتحول إلى مستعمرة بريطانية.

 يخلص الكاتب في خاتمته إلى أن الصراع بين محمد علي والسلطان العثماني في جزيرة العرب والشام في القرن التاسع عشر لعب دوراً هاماً في تاريخ العراق الحديث وأثّر في تاريخه سياسياً واستراتيجياً ودبلوماسياً واجتماعياً واقتصادياً، وتنبهت بريطانيا إلى موقع العراق الاستراتيجي كطريق للمواصلات العالمية. وتم رفع التمثيل الدبلوماسي في بغداد وترتب تغييرات جوهرية في التركيبة العشائرية العراقية، ونشطت التجارة واًصبح العراق نقطة انطلاق الملاحة النهرية ونقطة لالتقاء البريد بين أوروبا والشرق الأقصى والهند.

إن التطلع البريطاني للسيطرة على العراق سبق تواجد محمد علي في شبه الجزيرة وأصبحت بريطانيا صاحبة النفوذ الأول في تلك المنطقة.

كما يعرض الكتاب عشرين وثيقة لمراسلات أطراف النزاع في تلك الحقبة اعتمدها الكاتب في بناء دراسته.