صعود الدول الخليجية إلى القوى العالمية

في هذا الكتاب، يقدم روري ميلر، الخبير في السياسة الخليجية والشؤون الدولية، وصفاً مهماً لإنجازات الممالك الخليجية منذ أزمة النفط العالمية عام 1973، كما يرى أن الحكام العرب الخليجيين المثقفين تغلبوا على الأزمات الواحدة تلو الأخرى. يقدم ميلر تحليلاً حيوياً لدول الخليج العربية على مدى نصف القرن الماضي وللتحديات الهائلة التي تواجهها اليوم.

كتاب "الممالك الصحراوية نحو القوى العالمية: صعود الخليج العربي"

يقدم كتاب "الممالك الصحراوية نحو القوى العالمية: صعود الخليج العربي"للباحث روري ميلر وصفاً مهماً لإنجازات الممالك الخليجية منذ عام 1973، وتحليلاً حيوياً لدول الخليج على مدى نصف القرن الماضي وللتحديات الهائلة التي تواجهها اليوم.

يقدم ميلر، الخبير في السياسة الخليجية والشؤون الدولية، وصفاً مهماً لإنجازات الممالك الخليجية منذ أزمة النفط العالمية عام 1973، كما يرى أن الحكام العرب الخليجيين المثقفين تغلبوا على الأزمات الواحدة تلو الأخرى. يقدم ميلر تحليلاً حيوياً لدول الخليج العربية على مدى نصف القرن الماضي وللتحديات الهائلة التي تواجهها اليوم.

ويرى الباحث أن الدول الخليجية الست "العربية السعودية وعمان والإمارات العربية المتحدة وقطر والبحرين والكويت" تمارس تأثيراً غير مسبوق على الشؤون الدولية، نتيجة ثرواتها التي لا يمكن تصورها من النفط والغاز، وأصبحت منطقة الخليج مركزاً رئيسياً للسفر والسياحة والرياضة والثقافة والتجارة والتمويل.

ويطرح الكاتب أسئلة إشكالية فيما إذا كان بإمكان الأنظمة الاستبدادية أن تحافظ على الاستقرار في الداخل والتأثير في الخارج في ظل مطالب الإصلاح الاجتماعي والديمقراطي؟

يأخذ ميلر مجموعة من العوامل  التي تشكّل تحدياً لهذه الدول مثل  الإسلاموية والإرهاب و"الربيع العربي" وأسعار النفط المتقلبة وديناميات القوى العالمية وغيرها  لتقييم الإمكانات المستقبلية.

في الفصل الأول يبحث الكاتب في الخلفيات التي كان لها الدور الأكبر في نهوض ممالك الخليج، ويشير الى أن السعودية منذ تأسيسها في عام 1932 اعتمدت على  أموال الحج من أجل الاستمرار لغاية عام 1950. وكانت دولة متخلفة وفقيرة وكذلك الدول الخليجية الأخرى، إلا أن ثروة ونفوذ الدول الخليجية، وبالأخص السعودية،  تنامت بعد أزمة النفط في عام 1973، وأصبح الفائض النقدي كبيراً وبدأت الصناعات البتروكيمائية تدخل الى الخليج وبدأ الاستثمار في البنية التحية، وأنشئت الصناديق المالية المختلفة، حتى أن السعودية أعطت قروضاً لإيطاليا بقيمة مليار دولار ولآيرلندا بقيمة 300 مليون دولار في عام 1976.

ويرى ميلر أن حرب 6 أكتوبر – تشرين الأول 1973 حيث هاجم الجيشان السوري والمصري الكيان الإسرائيلي في يوم الغفران، قد شكّل خطراً على إسرائيل، والتي طلبت المساعدة من الولايات المتحدة الأميركية في عهد إدارة نيكسون، ما أدى الى تغيّر مجرى الحرب جراء المساعدات الأميركية الهائلة، وما دفع الدول العربية النفطية في 17 أكتوبر– تشرين الأول 1973 (السعودية – العراق- الكويت – الإمارات – قطر – ليبيا – الجزائر) الى استخدام  النفط كسلاح ضد الغرب (عقوبات على الولايات المتحدة وهولندا ولاحقاً على البرتغال لمساعدتها إسرائيل)، وذلك  من أجل إجبار إسرائيل على الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، في انقلاب على المبادئ التي تم الاتفاق عليها ما بين الرئيس الأميركي روزفلت ومؤسس المملكة السعودية عبد العزيز بن سعود في عام 1945، والتي عقدت على متن حاملة الطائرات كوينسي في قناة السويس، وتضمنت التزام الولايات المتحدة الحماية اللا مشروطة لعائلة آل سعود الحاكمة، في مقابل ضمان السعودية لإمدادات الطاقة التي تستحقها الولايات المتحدة، وعلى مبادئ الملك فيصل الذي رفض استخدام سلاح النفط في عام 1967، وسياساته التي اعتبرت الولايات المتحدة عامل استقرار للمملكة. وكانت لذلك أهمية قصوى وأسس لذلك لنهوض الممالك الخليجية لتعلب دوراً في المنطقة والعالم.

كما أشار الكاتب الى سياسات خفض الإنتاج بمقدار 5% في أيلول - سبتمبر 1973، والتي أدت الى زيادة سعر برميل النفط  من ثلاثة الى خمسة دولارات وصولاً الى 11$ للبرميل الواحد مع نهاية العام، وذلك من دون استشارة الشركات المنتجة، وأحدث ذلك صدمة للولايات المتحدة وكندا واليابان وأوروبا حيث لم تكن لديها  مخزونات استراتيجية من النفط، وازدادت فاتورة هذه الدول جراء ذلك، وأدى ذلك الى  تضاعف ثروت دول الخليج بمرات.

وتضاعف احياطي دول الخليج مرات عدة مع نهاية عام 1974 ليصبح 50 مليار دولار بعد أن كان يقدر في  بداية عام 1973  بـ13.1 مليار دولار، حيث كانت فرصة ذهبية لهذه الدول لجني الأرباح.


عوامل صعود دول الخليج

ويستعرض الكاتب العوامل التي أسست لجعل النفط يستخدم كسلاح سياسي، ومن هذه العوامل الاتفاقية بين البلدان المنتجة وشركات النفط حول مستوى الإنتاج والتسعير في العامي 1971 و1972، والتي سمحت للبلدان المنتجة بالمشاركة في الملكية "ملكية جزئية"، بعد أن كانت الشركات المنتجة هي المسيطرة، مما أدى الى مشاركة أكبر في الدخل "المردود" ومكّنت منتجي النفط في الخليج من استخدام قوة النفط كسلاح ضد إسرائيل والغرب في عام 1973.

يشير الباحث الى أن أزمة النفط ساهمت في ازدياد دور السعودية ودول الخليج  عالمياً وفي القضايا العربية، وبروز دور السعودية والكويت في عام 1976 من عقد  الاجتماع العربي لمناقشة الحرب الأهلية في لبنان، إضافة الى جهود السعودية  للوساطة بين المغرب وثوار الصحراء الغربية(البوليساريو) بعد انسحاب إسبانيا منها 1975.

ويرى ميلر أن الاستخبارات الأميركية نبهت متخذي القرار بأن ازدياد دخل العرب سيؤدي الى تخريب الأسواق المالية العالمية، كما يشير الى تحذير الرئيس الأميركي فورد في عام 1975، من أن سعر النفط الباهظ يهدد النظام العالمي. ويضيف أن  وزير الخارجية الأميركي أنذاك هنري كسينجر قد اعتبر أن أحداث عام 1973 قد أحدثت ثورة في العلاقات الدولية وسيكون لمنتجي النفط نفوذ سياسي كبير، إن لم تفعل الولايات المتحدة شيئاً من أجل احتواء نهوض الثروة والتأثير للدول الخليجية المنتجة للنفط. ويرى أن هذه الدعوات كانت الدافع الى نسج علاقات مميّزة مع الدول المنتجة للنفط، ومن هنا كان التزواج ما بين النفط والدولار، والذي أثّر بشكل ديناميكي في العلاقات الدولية.

يرى ميلر أن التغيّرات الكبيرة التي حدثت مؤخراً، من أزمة النفط خلال حرب أكتوبر تشرين الأول 1973، وصولاً الى الثورة الإسلامية في إيران والتدخل السوفياتي في أفغانستان، قد زادت من دور دول الخليح في المنطقة، وكانت تلك الأحداث تشير  الى مستقبل يحمل في طياته أخطاراً متعددة لدول الخليج. إلا أن استمرار تدفقات النفط والتحويلات المالية جعلت من السعودية ودول الخليج بالعموم لاعبين أساسيين  في النظام النقدي العالمي.

ويشير الكاتب الى أن قوة إيران العسكرية المتزايدة ورغبة الشاه في الهيمنة على المنطقة شكّلت تحدياً لممالك الخليج العربية، وبالأخص بعد انسحاب بريطانيا من الخليج في عام 1970، بعد أن كانت تؤمن الحماية لهذه المماليك وتحد من مطامع الشاه. فالانسحاب أدى الى استيلاء الشاه على جزر أبو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى، وأدركت هذه الدول أن العراق هو الوحيد القادر على مواجهة الشاه.


الثورة الإيرانية وحرب صدام على إيران

في عام 1979 حدثت الثورة في إيران، ورحبت ممالك الخليج ظاهرياً بالرسائل الإيجابية للقيادة الجديدة في طهران، لكنها كانت قلقة من قوة الإمام الخميني، حيث أن إيران تمتلك القوة العسكرية الإقليمية الأكبر في المنطقة، والقوة الاقتصادية كونها ثاني أكبر مصدر للنفط في العالم. هذا الواقع الجديد غير الواضح بدأ يأخذ شكلاً أكثر وضوحاً مع خطابات الإمام الخميني في عام 1981 وانتقاده لحكام السعودية والخليج (الملوك الساعين خلف الملذات ... كيف يمكن للشيطان السيطرة على بيت الله) على خلفية تحالف هذه الدول مع الولايات المتحدة ودعا الى تصدير الثورة .

في ظل هذه التغيّرات يرى ميلر أن حسابات صدام حسين الاستراتيجية الخاطئة كانت السبب وراء الغزو العراقي للأراضي الإيرانية واشتعال الحرب العراقية - الإيرانية.

كما يعتقد الكاتب أنه وفي ظل الصراع الآيديولوجي وصراع النفوذ للقوى الإقليمية والدولية لم تكن دول الخليج ترغب في انتصار أي من الطرفين، فرغم العداء لإيران والخوف من نفوذها ومن تصدير الثورة والتأثير في الشيعة المتواجدين في دول الخليج، وبالأخص بعد التظاهرات الموالية للثورة الإسلامية في البحرين وأحداث عاشوراء في شرق السعودية والتي أسفرت عن ضحايا بعد قمع القوات السعودية لتلك التظاهرات، الا أنها لم تكن تريد لصدام حسين أن ينتصر في ظل المخاوف من هيمنته على الخليج.

في ظل هذه الأحداث في عام 1981 أنشئ مجلس التعاون الخليجي والذي هدف الى إبعاد الخليج عن نفوذ القوى العظمى المتصارعة والعمل على استقرار الخليج (نظرياً) في ظل تعاظم الخطر السوفياتي الذي أصبح على حدود إيران وليس بعيداً عن المياه الدافئة في الخليج.

ويرى الكاتب أن تظاهر الخليج بدعم العراق من خلال الدعم اللوجستي والسياسي وإغراق سوق النفط من أجل خفض سعر النفط لتقليص عائدات النفط الإيرانية، إضافة الى الدعم المالي الكبير للعراق والذي قدر بـ40 مليار دولار مع نهاية ثماني سنوات من الحرب، كان نتيجة قناعة قادة الخليج بأن تمويل الحرب هو الخيار الأفضل لإشغال العراق وإيران بعيداً عن التدخل في دول الخليج العربية.

وقد شكّل تولي إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان الحكم في كانون الثاني يناير 1981، والاستراتيجية التي روّج لها لمحاربة ما أسماه "تطفل السوفيات في الخليج" الأساس لتقوية العلاقة مع السعودية، وكان ازدياد الهجمات الإيرانية التي كانت تستهدف السفن الكويتية والعراقية خلال حرب الناقلات، الذريعة لتصبح  السفن الخليجية تحت الحماية الأميركية ووالبريطانية والفرنسية، أي جرّ القوى العظمى الى المنطقة.

ويرى الكاتب أنه في عام 1986 أصبح واضحاً أن الخلافات وعدم القدرة على تأمين قوة الدفاع المشترك جعلت الولايات المتحدة الخيار الوحيد لحماية الدول الخليجية  سواء رغبت في ذلك أم لا.

ولأجل ذلك  صرفت الولايات المتحدة ما بين 10 الى 15 مليار دولار لبناء تواجد عسكري أميركي من مصر الى الصومال عبر المحيط الهندي وتم تشكيل القيادة الوسطى والتي استبدلت قوات التدخل السريع في عهد الرئيس كارتر. ومع انتهاء الحرب العراقية - الإيرانية في عام 1988 بدأت واشنطن ترسم ملامح الدور الأميركي المستقبلي في الخليج من منطق الأهمية الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة.

 


أحداث 11 سبتمبر أيلول

 

يستعرض الكاتب تداعيات هجمات 11 سبتمر – أيلول 2001 على دول الخليج. تلك الهجمات التي حدثت  في صباح 11 سبتمر – أيلول والتي استهدفت برجي التجارة العالية في نيويورك ومقر وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) في واشنطن والتي أدت الى مقتل 2996 شخصاً والى خسائر وصلت الى أكثر من 10 مليار دولار. وقد استغلت الولايات المتحدة لهذه الهجمات كذريعة لغزو أفغانستان والعراق، وأدت هذه الهجمات الى أزمة ما بين السعودية والولايات المتحدة كون أن معظم الانتحاريين الـ19 كانوا من السعودية وينتمون الى تنظيم القاعدة الذي أسس في الثمانينات من القرن العشرين لمحاربة الوجود السوفياتي في أفغانستان.

ويرى ميلر أن هذه الأحداث وضعت دول الخليج أمام تحدي مواجهة التطرف الأصولي الذي أصبح واقعاً في منطقة الخليج، وأسست للتواجد العسكري الأميركي المكثف في منطقة الخليج في السعودية والكويت والبحرين وقطر في منتصف عام 2002. كما يعتبر الكاتب أن هذه الدول لعبت دوراً مهماً في إعطاء الشرعية للولايات المتحدة في "الحرب على الإرهاب"، وأدى ذلك  الى تحسين صورة السعودية في الغرب. وبالتوازي فشل مجلس التعاون الخليجي - برغم الاجتماعات المتواصلة -  في إنشاء إطار تعاوني حقيقي في مكافحة الإرهاب وتبادل المعلمات الاستخبارية نظراً للشكوك والخلافات الكامنة ما بين هذه الممالك.

وقد ضغطت الأزمات التي هزت المنطقة خلال حرب الخليج الأولى والحرب الإيرانية العراقية قبلها، على اقتصادات الدول الخليجية وأدى انخفاض أسعار النفط الى تقليص أرباح النفط وانخفض الدخل القومي للفرد من 28000$ في بداية الثمانينات الى 7000$ في التعسينات، حيث شهد عامي 1995 و1997 خضات وضغوطاً على  الاقتصاد العالمي.

ويشير الكاتب الى أن الأحداث والتهديدات الأخيرة قد أثّرت على الاستثمارات وعلى قطاعات مختلفة منها الاستثمار داخل الخليج والسياحة وغيرها، وأدت الى مشاكل في السيولة والى تقليص النفقات. إلا أن هذه المرحلة شهدت تطورات مهمة، منها استضافة قطر لقاء منظمة التجارة العالمية، وتوقيع قطر اتفاقاً مع شركة اكسن موبيل للاستثمار في إنتاج الغاز، الطاقة النظيفة، ونهوض إمارة دبي كمركز للاستثمارات العالمية. وأصبح اقتصاد قطر مع بداية عام 2004 من أكثر الاقتصادات العالمية نمواً في الشرق الأوسط.

خلال العقد الأول من القرن العشرين تضاعف بثلاث مرات اقتصاد مجلس التعاون الخليجي بعد ارتفاع أسعار النفط إبان حرب الخليج الثانية. إلا أن محاولات التكامل بين دول الخليج قد باءت بالفشل، بسبب الخلافات الحدودية تارة وبسبب الخلاف على نقاط جوهرية كما حدث بعد قرار مجلس التعاون الخليجي إنشاء مصرف مشترك وعملة موحدة، حيث أن الخلاف بين السعودية والإمارات حول موقع المصرف قد أجهض هذا القرار.

وقد شهدت السنوات الأخيرة استثمارات خليجية كبيرة في الخارج، منها استثمارات في السويد وإيطاليا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة، إلا أن هذه الاستثمارات طرحت أسئلة في الأوساط الغربية وخاصة عن دوافع الاستثمار في القطاعات الحساسة مثل النقل والاتصالات.

 


أزمة الرهن العقاري والانهيار المالي العالمي

 

يبحث الكاتب في تداعيات أزمة الرهن العقاري على دول الخليج والدور الذي لعبته عالمياً لتجاوز الأزمة، حيث عاني الاقتصاد الغربي مع بداية عام 2008 من تداعيات أزمة الرهن العقاري وواجهت الأسواق النقدية العالمية مخاطر الانهيار وتفاقمت الأزمة مع ارتفاع سعر النفط وانخفاض قيمة الدولار الأميركي. في المقابل، جنت الدول الخليجية أرباحاً كبيرة قدرت بأكثر من 400 مليار دولار بسبب ارتفاع أسعار النفط والتي وصلت الى 147$  في صيف عام 2008، إضافة الى الأرباح في السنوات السابقة خلال حرب الخليج الثانية عام 2003. هذا ما دعا الدول الغربية الى دعوة  الدول الخليجية لتلعب دوراً رئيسياً لتفادي الانهيار المالي العالمي، من خلال شراء الأصول والاستثمار الاقتصادي في هذه الدول، وهذا ما أكدت عليه  قمة العشرين التي عقدت في الولايات المتحدة.

ومع هذه التحديات ومع الحاجة الى نحو 750 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد العالمي، كانت فرصة للدول الخليجية للاستثمار في الأسواق الغربية، حيث قامت قطر بتمويل "المدينة العمودية" في وسط لندن بعد أن اشترت 80% من أصول المشروع، وموّلت أبوظبي بنك سيتي غروب "city Group" بـ7.5 مليار دولار، إضافة الى استثمارات كبيرة في معظم الدول الغربية.

الدول الخليجية كانت تأخذ بعين الاعتبار قدرتها على المساهمة، وبالأخص مع التضخم الذي أصاب سلطنة عُمان والإمارات والسعودية وقطر مع تراجع أسعار النفط الى 65$ في تشرين الأول - أكتوبر 2008.

ويخاص ميلر الى أن الأزمة المالية العالمية قد أتاحت فرصة لدول الخليج لإعادة تقييم اقتصادياتها واستراتجيتها المالية، كما دفعتها إلى إعادة النظر بالاستثمار من أجل اعتبارات سياسية.

كما يشير الكاتب الى الدور المهم الذي لعبته هذه الدول خلال الأزمة المالية وبعدها، كبوابة للاستثمار والنقد العالميين والسفر بين الشرق والغرب بعد أن عززت الاستثمارات شرقاً في الصين والهند وكذلك في بعض الدول الأفريقية.

 


كيف واجهت دول الخليج منعطف "الربيع العربي"

مع اشتعال أحداث "الربيع العربي" الذي كان تعبيراً غير متوقع لقوة شعوب المنطقة  التي طالبت بالتغيير، وبالأخص فئة الشباب التي تشكّل الأكثرية في دول المنطقة، فإن الثورات والاحتجاجات التي اشتعلت في تونس ومصر وليبيا والبحرين وبشكل أقل حدة في عمان والكويت وفي المنطقة الشرقية من السعودية والحرب الأهلية المستمرة في سوريا، قد شكّلت تهديداً لتقويض النجاح في ترسيخ الاستقرار وللنفوذ خارج الحدود للممالك الخليجية.

يرى الكاتب أن موقف السعودية كان متحفظاً بالنسبة لتونس ومصر وقد سعت بكل قوه لمنع التغيير، بعكس موقفها من الأحداث في ليبيا ودعمها التغيير هناك. ويشير الى أن دول مجلس التعاون الخليجي واجهت ببراعة التحديات التي فرضتها إيران، كما التحديات التي فرضتها أحداث 11 أيلول سبتمبر، ولاحقاً غزو العراق، والخلافات البينية بين السعودية وقطر بسبب الدور الذي تلعبة قناه الجزيرة، ومع الإمارات بالنسبة لقضايا مختلفة. كما تصدت للمخاطر التي نتجت عن انخفاض أسعار النفط من دون إلغاء برامج التطوير والتمنية الطموحة التي بدأت مع عام 1970، إلا أن أحداث "الربيع العربي" شكّلت تحدياً حقيقياً لهذه الدول.

فقد بذلت الدول الخليجية جهوداً كبير لمواجهة إعصار "الربيع العربي" حيث أقدمت الكويت والسعودية على شراء الولاء من خلال رفع الأجور وتقديم هبات للمواطنين كما حدث في الكويت في عام 2010، وإعادة تأهيل أكثر من نصف مليون منزل في السعودية مع مساعدات مماثلة.

الا أن الدول الخليجية قد تورطت في تلك الأحداث وبالأخص في ليبيا، ودفعت أمولاً كبيرة لمساعدة الثوار. وكذلك كان لها الدور الأكبر في تدخل حلف الناتو في ليبيا، وفي مساعي التقريب بين "الناتو" والثوار. ولعب الإعلام القطري وبالأخص قناة الجزيرة دوراً كبيراً في معظم الدول العربية وقام بتحريض الشعوب، وأثار خلافات بين الدول الخليجية بعد اتهامات السعودية لقطر بتهديد الاستقرار فيها.

كما أن اشتعال الأحداث في البحرين قد فاقم الخلافات مع إيران إذ اتهمت السلطات البحريبنة والسعودية إيران بالتأثير على الشيعة في البحرين والتدخل في الشؤون الداخلية للبحرين، ما أدى الى اجتياح القوات السعودية للبحرين من أجل المحافظة على النظام في البحرين.

 


أهمية ثروات النفط والغاز

استفادت الدول الخليجية أكثر من اي بلد في العالم من ثروات النفط والغاز، ومن دون هذه الطاقة لم يكن ممكناً أن تكون قطر أغنى دول العالم بمعايير مستوى دخل الفرد، والأمر نفسة بالنسبة للكويت. ومن دون النفط والغار لم يكن ممكناً أن تروّج دول الخليج لنفسها كمساهم أول في مجال المساعدات الإنسانية والتطوير.

ويرى الكاتب أن هذه الدول أيقنت بأن الاعتماد على مصدر دخل وحيد هو النفط والغاز يحمل مخاطر حقيقية، وأن التحديات التي تواجه الدول الخليجية ليست خارجية فقط وإنما داخلية أيضاً، وبالاخص مع أحداث "الربيع العربي". ويضيف أن  السعودية قد استخدمت الالتزام الديني كمصدر للسلطة، إلا أن عوامل أخرى كازدياد عدد السكان من أربعة ملايين في عام 1970 الى أكثر من ثلاثين مليون في عام 2015 وانخفاض مستوى الدخل وارتفاع نسبة البطالة الى 30%، فرضت على السعودية اتخاذ إجراءات تقشفية وإيقاف الدعم عن الوقود والماء والكهرباء، ولم يعد بإمكان القطاع العام التعامل مع واقع تزايد السكان، إضافة الى أن الاعتماد على ملايين من العمالة الخارجية الرخيصة المهيمنة على القطاع الخاص، وهم يشكلون نحو 40% من سكان الخليج، شكّلت تحدياً للدول الخليجية.

ويرى الكاتب أن هذه التحديات كانت وراء تبني استراتيجية التطوير الاقتصادي والاجتماعي والتحول الى الخصخصة ضمن رؤية مستقبلية طموحة، رؤية السعودية 2030، ورؤية الإمارات 2021، ورؤية 2020 في عمان.

ويخلص ميلر الى أن انخفاض أسعار النفط قد شكّل عاملاً إيجابياً وحافزاً للتغيير وقيادة التحول في اقتصاديات الدول الخليجية.

 


الخلاف الأميركي - السعودي

في تعبير عن عدم الرضا من السياسات الأميركية في الشرق الاوسط رفضت السعودية الدعوة للانضمام بشكل مؤقت الى مجلس الأمن الدولي في تشرين الثاني نوفمبر 2013. فمواقف إدارة الرئيس باراك أوباما من مختلف القضايا في الشرق الأوسط لم تكن ترضي قادة السعودية. كما أن تباين المواقف والخوف والعداء لإيران والعراق جعل من العمل الخليجي المشترك أمراً صعباً، ومنعتهم من أن يكون لهم دور ريادي في المنطقة العربية.

وقد بدأ الخلاف والتوتر بين واشنطن والرياض مع بداية أحداث "الربيع العربي" عام 2011، وبالأخص مع استلام الأخوان المسلمين السلطة في مصر، حيث كان لقطر دور داعم لهم، على عكس السعودية والإمارات والبحرين. وهكذا تقاسمت دول الخليج دعم تيارات متناقضة.

العلاقة المتوترة مع إيران والخوف من البرنامج النووي الإيراني ومن تصاعد قوة إيران دفع دول الخليج العربية الى التسلّح إذ بلغت قيمة الصفقات العسكرية في عهد إوباما حوالي 100 مليار دولار قيمة أسلحة من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا. ولم يؤدِّ توقيع الاتفاق النووي ما بين الدول الست الكبرى (5+1) وإيران في تموز يوليو 2015 الى تخفيف التوتر في المنطقة، وإنما استمرت الانقسامات والمخاوف من تمدد إيران في المنطقة. كما أن التباين في المواقف وانعدام الثقة جعل من الصعب الوصول الى سياسة خليجية موحدة تجاه القضايا المختلفة.

ويرى الكاتب أن من الخطأ التقليل من الجهود الكبيرة للدول الخليجية لتصبح مركزاً عالمياً حيث أصبحت دول الخليج العربية أكثر ثقة وقوة خلال العقود الأربع الماضية، فالسعودية تخطط لبناء جسر يربط المملكة مع شرم الشيخ من أجل تحسين العلاقات الاستراتيجية بين مصر والسعودية والى ربط آسيا وأفريقيا، ضمن رؤية تشمل القيام باستثمارات في أفريقيا وخطط كبيرة للاستثمار وتحسين العلاقات مع الصين والهند وإندونيسا.

أما دولة الإمارات فسوف تستضيف المعرض العالمي عام 2020، وقطر ستستضيف تصفيات كأس العالم لعام 2022.

وتحاول القيادات الخليجية أن تصبح مركزاً أساسياً للتحارة العالمية برغم التحديات المختلفة لتحقيق هذه الرؤية.