«رحيل المدن» لـِ«جنى نصرالله».. رواية المدينة والحرب

«رحيل المدن»، رواية ضدّ الحرب، لم تسقط في فخّ الخطابة السياسية على الرغم من أنّ في الكثير من ثناياها كشفت عن المشكلات السياسية / الطائفيّة/ الطبقية في المجتمع اللبناني

في «النوم الأبيض»، رَصَدَتْ جنى نصرالله عالماً من غليان الهواجس والتفاصيل اليوميّة
في «النوم الأبيض»، رَصَدَتْ جنى نصرالله عالماً من غليان الهواجس والتفاصيل اليوميّة

بين روايتين خلال ثلاث سنوات: «النوم الأبيض» [2015] و«رحيل المدن» [نهاية 2017]، تتكرَّسُ جنى نصرالله روائيةً رصَّادة. ترصُدُ الجزئيّات لِتُوحي إلى قارئها بالكليّات، وتحرُصُ على ربْط الخيوط المسْتتِرة بين التفاصيل لِتنتهي بكشفٍ ساطعٍ عن قضيّة الرواية التي تكتبها.

هذا الرّصْدُ سِمةٌ إشاريَّةٌ عاليةٌ في تِقنيّاتِ كتابتها، ما يرجِّحُ أنّها انتهجتْ هذا الخطَّ الفنّي الذي قد يطبع إبداعاتها المنتظرة. ليس لدى نصرالله مفهوم البطل اليوناني الذي تتأطّر فيه كل قضايا الوجود، فيتحوّل في النص إلى محورٍ وحيد "ترانسدانتالي" يتصاعد في الرواية وتصعد إليه الأحداث والأشياء، بل لديها مفهوم البطل/الأبطال في كل سياقات النصّ الروائي. وهذا يعكِسُ عندها نظرةً اجتماعية/سياسيّة/ نفسية تؤكّد احتماليّة أن يكون كلّ إنسانٍ بطلاً في لحظةٍ ما، وفي موقفٍ ما، وفي مشهدٍ ما، وإنْ يكن غير واعٍ لبطولتِه الواقعية أو الروائيّة، لكنّ هذا الوعيَ غيرُ مفقود، وغيرُ مستلَب، ذلك أنّ الراوي / الراوية، وهي هنا، جنى نصرالله، تكشف وعيَ البطولة.

في «النوم الأبيض»، رَصَدَتْ جنى نصرالله عالماً من غليان الهواجس والتفاصيل اليوميّة، ولا سيّما لدى المرأة المعاصرة، وارتقت بها نحو الكشف عن قضايا وجوديّة من خلال لعبة فنيّةٍ جميلة تقوم على حركيّة المونولوغ الداخلي للشخصيّات من دون الوقوع في فخّ الوعظيّة الخطابيّة، ما يجعل القارئ شريكاً منتجًا، يُعيد بشخصيّته إنتاج الرواية وفق متخيَّلاتٍ فتحتْ أبوابَها الكاتبةُ نفسُها، لكي تدفع القارئ إلى قلب مجتمع الرواية بدلاً من أن يبقى ناظراً إليها من خارج.

نجحتْ جنى نصرالله في تحقيق هذه اللعبة الجميلة والقلقة في آنٍ واحد عندما أنجزت «النوم الأبيض»، ثم كرّست هذا النجاح في روايتها الثانية التي بين أيدينا: «رحيل المدن».

رصد الجزئيّات في الأحداث والشخصيّات، هو سِمةٌ رابطةٌ بين الروايتين، وهو جدلُ السرّ والعلن الكاشف عن القضايا الكبرى. ففي «النوم الأبيض» يحضر الفرد / الإنسان بكل هواجسه، وتطغى على النّص نزعة الكشف عن جماليّة القلق المعرفي والوجودي في تجارب شخصيّات مختلفة، ولا سيّما النساء في مجتمعنا. أمّا في «رحيل المدن» فتبقى تِيمةُ الغوْصِ في التفاصيل حاضرةً بقوةٍ ظاهرةٍ، وبفعاليّة آسرةٍ، لكنّها أشدّ بلورةً مما كانت عليه في الرواية الأولى، ما يشير إلى أنّ الكاتبة عمَّقت تجربتها الرصْديّة/ الفنيّة، وسجّلت لمصلحتها فوارق كبيرة تتجاوز فارق السنوات الثلاث بين الروايتين.

يشي العنوان: «رحيل المدن» بأسرار الرواية كلّها، وينزع الغطاء، عن تناقضٍ واقعي موجود في حياتنا: الرحيل/ حركة متغيرة، مقابل المكان / المدينة/ الثبات... هذا التناقض هو السرّ الجماليّ في الرواية، ذلك أن الحقيقة الواقعيّة هي ثبات المكان [بيروت في الرواية] ورحيل الأشخاص من المكان وإليه، والخروج منه إلى غيره من أمكنة العالم ثم العودة إليه [وهم في الرواية سارة وزوجها وأولادها وصديقها وجيرانها في مرحلة الحرب والصراع بين المواجهة والبحث عن الخلاص]، فيما الحقيقة الروائية هي رحيل الأمكنة والأشخاص معاً، فلا شيء ثابت في تجربة الحرب حتى المكان، إذْ توحي إليك جنى نصرالله أنَّ المدن هي التي ترحل [بيروت، حلب، باريس... إلخ] فيما يعرف القارئ أنّ الأشخاص هم الذين يرحلون، ويدخل معها في لعبة الكشف، والاكتشاف، والانكشاف، وتعرية الذاكرة ونبش تفاصيلها، والمشاركة في إعادة رسم الأحداث، وربّما في إعادة إنتاج النص وفقاً لمتخيَّل القارئ، طبقاً لنظرة ميشال فوكو النقدية في إعادة إنتاج النصّ.

«رحيل المدن» تشتمل على رباعيّة غير معلنة هي: 1- المدينة، 2- الحرب، 3- الإنسان بينهما، 4- الصراع بين البقاء والخلاص. لا تخرج جملةٌ أو فكرةٌ على هذه الرباعيّة عند جنى نصرالله التي نجحت في إعادة إدخالنا في تجربة عشناها في بيروت وفي غيرها من مدن لبنان، لكأنّها تقولُ إنّ الحروب تختلف وتتنوّع، وتتعدّد تبريراتها السياسيّة والإيديولوجيّة لكنها تثير في مَنْ يعيشونها تجارب مُتشابهة ومتقاطعة إزاء الخوف، والقلق على المستقبل، والموت، والشعور بازدحافِ المكان تحت وطأة القتل والتدمير حيث يكتشف المرء في اللحظات الثقيلة أنّ الزمان والمكان كليهما يهربان منه، فماذا يبقى عندئذٍ؟

لعلَّ المشهديّة التي قدّمتها جنى نصرالله عن «سارة» [أبرز شخصيّات الرواية] وعائلتها وأصدقائها وخوفها على أولادها ودفع ابنها وبناتها إلى الخروج من مكان الموت والخوف [المدينة في الحرب] تختصر المعاناة كلّها. وعندما استخدمت الكاتبة تقنيّة الرواية في الرواية من خلال ما دوّنته سارة من مذكرات [في الملجأ مثلاً تحت وطأة القصف والخوف] لتكون شاهدة عليها في المستقبل، تمكّنت من تركيب جماليّ أخّاذ كشف عن الصراع داخل نفس الأم والزوجة التي تصوّرت أنّ الخلاص من ثقل الحرب يكون بخروج فلذات أكبادها من مكان النار، من دون أن يخطر في بالها أنّ لذلك ثمناً كبيراً على المستوى النفسي بسبب استحالة نفي الذاكرة. وهكذا يظهر في الرواية أن بناتها اللواتي توزّعْن في مدن عدّة خارج لبنان، سيطرت عليهن مشاعر القلق والاستلاب فلم يحصلن على خلاصٍ حقيقي. كما تظهر في الرواية مأساة ابنها الذي دفعته إلى السفر إلى كوبا كي يتعلّم وينجو من الحرب في الوقت نفسه، فوقع هناك في أحبولة التحوّل السريع من الاغتراب عن المكان القديم [بيروت] إلى الاغتراب النفسي في المكان الجديد [كوبا] فشعر بالحنق، وبالغضب، وبالتمرّد في إطار من الغربة الوجوديّة بالأسلوب السارتري. وقد تميّزت نصرالله في رسم الصورة الاستلابية/ القلقة بحيث يشعر القارئ أن هذه الصورة تحفِّزُ عقله على تفكير جديد في معنى الحرب، ومعنى الإنسان في لحظة الخوف والموت.

«رحيل المدن»، رواية ضدّ الحرب، لم تسقط في فخّ الخطابة السياسية على الرغم من أنّ في الكثير من ثناياها كشفت عن المشكلات السياسية / الطائفيّة/ الطبقية في المجتمع اللبناني [نموذج تحوّلات العلاقات والمفاهيم بين سارة وصديقتها]، وهي بهذا المعنى رواية ناقدة غير وعظيّة اكتفت بالكشف وبالإشارة، وتميّزت بإزاحة الستارة عن العلاقة مثلاً بين اللغة والطبقة من خلال دلالات المفردات في اللهجة اليومية وما تعكسه من تمايزات حادّة بين أفراد مجتمعٍ قلقٍ في لبنان، تأكله الطائفيّة من جانب، ويأكله فقدان العدالة الاجتماعية من جانب آخر، ويَسْتَبطِنُ فكرة الحرب بصورةٍ شبه دائمة.

إنّها رواية متميّزة في إصدارات هذه السنة في بيروت، وهي تمثّل قفزةً في تجربة جنى نصرالله التي توحي بأنها مستمرّة، وربّما ستنتج في المستقبل روايات جديدة في سياق تعميق هذه التجربة. وتجدر هنا الإشارة إلى أن البنية السرديّة عند جنى نصرالله في روايتها الأولى: «النوم الأبيض» شابها بعض الأحيان أسلوب الاستطراد الذي تكاثفت فيه العبارات الداخلية فأربكت النص، لكنّها في روايتها الجديدة: «رحيل المدن» خرجت من هذا الفخّ فجاءت البنية أشد تماسكاً، وغلبت عليها الجمل القصيرة، والمقاطع القصيرة أيضاً بحيث تظلّ الفكرة واضحةً، ويظلُّ الحدث الظاهري والضمني [على مسرح النص وخلف ستارة النص] جليًّا ومؤثّراً، وربّما هذا ما يجب أن تحرص عليه جنى نصرالله في نصوص مقبلة.