كيف بحث جلال آل أحمد عن الإنسان في الحج

هي ليست قصة بالمعنى المعروف، بل هي عبارة عن يوميات خطها الأديب الإيراني جلال آل أحمد عن رحلته الى الحج في العام 1962.

كتاب "قشة في الميقات" للكاتب الإيراني جلال آل أحمد
كتاب "قشة في الميقات" للكاتب الإيراني جلال آل أحمد

الكتاب عبارة عن يوميات تكشف عن كثير من الآراء والأفكار التي يحملها الكاتب، وهي انطباعات يكمن وراءها معتقدات سياسية معينة يحملها آل أحمد، والتي لها علاقة بالدين، والشعائر، والعرب، والأفارقة،  وما الى ذلك. ويبدأ الكاتب بكتابة ملاحظاته من اللحظة التي يدخل فيها الى المطار في إيران لينضم الى جموع الحجيج وحتى يركب الطائرة من إيران الى السعودية ويبدأ بالتعليق: "الطائرة إيرانية ولكن الطاقم أرمني لبناني وسيذهب الى جدة!!"

القصة: أو المذكرات اليومية للحج: هي عبارة عن 190 صفحة، ولكن تقديم الدكتور عبد الجبار الرفاعي لهذه القصة كان في ثمانية وعشرين صفحة. في هذه الصفحات يكتب الرفاعي قصة حياة آل أحمد ويكشف عن اتجاهاته السياسية والعقائدية ونشأته وحياته وزواجه. أي أن الرفاعي يكشف الكاتب للقارئ في بداية القصة، ولذلك فإن القارئ لسوف يشعر أن هناك من وجهه ليقرأ القصة من وجهة نظر معينة. في حين كان يجب أن يختصر التقديم لصفحتين من دون التطرق الى اتجاهات وآراء آل جلال السياسية والعقائدية، ولو ترك للقارئ ليستنتجها خلال القراءة لكان ذلك أمتع من توجيهه من خلال المقدمة، الى شيء أحياناً لم يكن موجوداً في كتابة آل أحمد. فالرفاعي يكشف بعض المكنونات اليوميات قبل أن يكشف عنها الكتاب. ولكن كما يقول آل أحمد في يوم عودته على الطائرة الصغيرة والتي اضطر الى إصلاح براغي قد فاتت فيها، أن أسباب رحلته في الأساس هو البحث عن أخوته الذين ذهبوا الى مكة ولم يعودوا منها.

سيكون من الصعب الكتابة عن يوميات أحمد آل جلال بشكل متجرد، فالكتابات تدعوك للدخول في التفاصيل فيها وعيشها مع الكاتب، وفي مواضع يبكي الرفاعي وخصوصاً عندما يتحدث آل جلال عن أخوته، ولكن، وبصراحة ضحكت من قلبي في مواضع أخرى عندما كان يوجه اللوم والنقد اللاذع. هو نوع من الضحك المبكي. حيث يظهر جلياً التوجه العلماني لهذا الحاج، الذي يؤمن بالله، ويسمّي نفسه مسلماً ولكنه يرفض الإنتماء الى طائفة محددة. ولكن علينا أن لا ننسى ونحن نراجع القصة أو حتى ونحن نقرأها أن الكثير قد تغير اليوم بالنسبة على الأقل لخدمات الحجيج. فاليوميات كتبت في العام 1964، ولم تكن يومها السعودية قد طورات خدمات الحجيج، وكانت إيران لا تزال يحكها الشاه.

الحمل الضال، يسمي آل جلال نفسه في بداية اليوميات وكأنه يلذع نفسه بالنقد، لأنه هرب من والده ومن النجف ومن العلوم الدينية الى العلوم الدنيوية وحاز على الماجستير في الأدب الإيراني. وفي 10 نيسان أبريل من العام 1964 يركب الطائرة ليتوجه الى الحج في مكة. وكل يوم في الكتاب يبدأ بتاريخ ويحدث فيه آل أحمد عما أكله أو شربه. إلى أين ذهب، وكيف استقل السيارة وأي سيارة استقل، وكم دفع للسائق وكم سعر الصرف، وبمن التقى. ابتدأ اليوم الأول في مطار مهرآباد وانتهى في جدة. حيث يصف رحلته والركاب بتفاصيل دقيقة، ويعرفنا على المجموعة التي يسافر معها والتي تتألف من خمسة وثمانين شخصاً، من بينهم أشخاص من أهالي مازندارن وأشخاص مداحيون ونواحون ومعممون، ولينتهي بتسمية أفراد عائلته الذين أتى وإياهم الى الحج.

يحمل طابع الرحلة الكثير من النقد والإعتراض تقريباً على كل ما صادفه، ابتداء من البناء الذي نزلوا فيه والذي كان كارثة في مستوى النظافة المتدني والذي كان يمتلئ بالأوساخ على جوانبه. وهو البناء الذي يستقبل فيه الحجيج من كل أصقاع العالم. ثم جاء شابان أشقران أجنبيان برفقة رجال دولة ليتفقدوا الوافدين، ويعترض آل أحمد: هل هم من المسلمون؟.

في الحقيقة قد يرى البعض في القصة توصيف حالة الإنسان في الحج، ولكن للبعض الآخر يبدو جلياً من الوصف الذي تحمله طيات الكتاب أن الوضع المزري للحج هو أقصى ما يريد أن يتحدث عنه. الطعام الذي مثّل قمة في تقديمات الطائرة وخدماتها الشحيحة والتي قدمتها الحملة، وشح المياه، في تلك الفترة، إن كانت للشرب أو للوضوء والطهارة والإستحمام. كل شي سيء. حتى الحافلات التي استقلها الحجاج في طريقهم إلى مكة لم تكن مكيّفة وتعطلت أثناء السفر على الطريق. ودخل الكاتب في تفاصيل كثيرة، عن مالكي الحافلات حيث تبين له أن الملك شريك في كل شاردة وواردة تتعلق بالحج.

بدأ رحلتهم من المدينة ليصلوا الى البقيع وهي المقبرة التي ذهب ليتفقد مراقد الذين كان لهم شأن في التاريخ حيث مراقد بعض أئمة أهل بيت النبي محمد، ليتبين له أن القبور هناك كلها محطمة وقد سويت أرض البقيع لتصبح مستوية، فجميعها قد حطمها الوهابيون. وتذكر قبور الأئمة الأربع التي رصفها أخوه وتعب بها، فحتى هذه قد ذهبت وذهب معها آخر مزار يمكن أن يزور أخاه فيه. ويفكر الكاتب أنه يجب انتزاع مكة والمدينة من سلطة الدولة السعودية وإعلانهما مدينتين اسلاميتين دوليتين، وأن يكون لجميع دول العالم الحق في التدخل بإقامة شعائر الحج وتقديم الخدمات للحجاج. البقيع تبعد 200 متر عن قبر النبي محمد (ص) ويتساءل آل أحمد إذا ما كان الوهابيون سيهدمون قبر النبي أيضاً. ويعبّر آل أحمد عن رؤية جديدة للقبور ويرى أن الله لو أراد تسوية القبور لكان أمر بحرق الأجساد. ثم إنه يرى أن في تمايز الموتى في ثقافات الأمم التي تدفن موتاها، مؤشر على تمايز الأحياء. غير أن آل أحمد لم يسلم أحد من انتقاده. حتى الحجاج الإيرانيون والذين كانوا يلطمون طوال الوقت ويقيمون مجالس التعزية فيعبّر عن ضيقه بهم وبالشعائر التي يقيمونها.

يلتقي الكاتب بمختلف الجنسيات وينصت إلى الآراء السياسية المختلفة، وأول حديث سياسي جاء به، كان عن جمال عبد الناصر، والذي كان يعتقد العديد من السعوديين أنه سسيقوم بتحرير بلادهم. نحن نعرف القليل عن الأوضاع داخل السعودية، إلا ما قد يأتي عليه في هذه الأيام بعض المعارضين، ولكن أن يكون الأمل في جمال عبد الناصر من أجل تحرير السعودية من الإحتلال الإنكليزي وسيطرة آل سعود فهذا كلام جديد. كما أن المتحدثين من السعوديين عبروا عن ثقتهم بأن عبد الناصر سيحرر فلسطين خلال ثلاث سنوات.

أولى آل أحمد الاهتمام لكل من صادفه في رحلته، ومهما تكن جنسيته أو لغته أو عاداته. فقد مر في أحد الأيام - وسأحاول أن ألا أدخل في اليوميات وأن ندع ذلك للقارئ المهتم أن يستمتع بقراءته وأن يكتشف ما في الكتاب– على مجموعة من السنغاليين، الأفارقة، فكانوا يرقصون رقصاتهم في ثياب الإحرام. لم يحاول أن ينتقد ذلك فقد رأى في الأزياء أو الرقصات أو الحركات أنها جزء من الثقافة. وفي مناسبة أخرى  انتقد ثياب الإحرام عند امرأة هندية، كانت تلبس الثياب البيضاء، وهي عبارة عن ساري هندي. وعندها تدارك أليست ثياب الإحرام تشبه الساري.

وحتى النساء لم تسلم من نظراته في الحج. لقد كانت الفتيات الجميلات تلفت نظره وبقوة. وفي إحدى المرات التي لمحهن كانت هناك فتاة عربية تستعطي. ويقول إن ما رآه منها عيون كحلى كعيون الغزلان التي يقرأ عنها في الأشعار. وفي مناسبة أخرى يصف امرأة سوداء أفريقية. وفي أخرى يلفت نظره أب ومعه بناته الثلاث، وقد لحظ جمالهن وقدر أنهن الثلاث كن طويلات ممتشقات القدود، وفكر في لحظتها أن الحج هو أفضل مناسبة للتعارف والزواج. وفي الحقيقة كتابه لا يخلو فيه يوم من ذكر النساء. ولكن يجب أن أعترف هنا، أن اسلوبه لطيف وفيه عشق للمرأة ككائن. وقد ساءته الطريقة العنيفة التي يدفع بها الرجال بالنساء في الطرقات، أو الطريقة التي يجر بها الرجال النساء في الشارع. كما اعترض على منع النساء في مناسبة كالحج من زيارة القبور في البقيع ويمنعن من دخول المكان، كما يمنعن من الدخول الى نبع زمزم.

ومن ثم يعود لينتقد من معه والشعائر التي كانوا يمارسونها. حتى أنه انتقد أحد أئمة المساجد الجدد في طهران، والذي تجمع حوله بعض المريدين وبدأ بوعظهم ويصف ما يحدث بأنه قد: "أفسد طيبة الهواء بترهات حول "الشكوك" و"الغسل" و"التطهير" و"النجاسة" حتى أصابني الغثيان. كلام لا ينفع حتى جهلة مازندران". وأكثر من ذلك فقد كرر أكثر من مرة استياءه من مجالس العزاء التي تقيمها جماعته بالذات، والتي كانت تمنعه من النوم بسبب الصوت العالي وكثرة النواح. وفي أحد الأيام كان يعاني بشدة: "وعندنا الآن مجلس تعزية، تعزية، تعزية، تعزية،( فعلياً يكرر الكلمة مرات عدة) خنقونا بهذه التعزية. يأتي الرجل إلى الحج وزيارة الله، ولا ينفك يولول حنيناً الى زيارة كربلاء. نحن المجموعة الوحيدة في هذا الجانب من الصحراء لنا دكان تعازي". عندما قرأت الكلمات ضمن السياق الذي جاءت فيه لم أستطع أن أتمالك نفسي من الضحك. إنه كاتب لبيب ورائع. ولكنه في لحظة يجد الإيجابية التي تكمن في ذكر الإمام المهدي المنتظر والذي يأتي للحج في كل عام، بحسب اعتقاد الشيعة. وهذا يذكرهم أن كل حاج يمكن أن يكون المهدي المنتظر فحذارِ من الإساءة إلى أحد. وهذا أيضاً كلام جميل.

الحقيقة لم يعانِ الكاتب من مجالس التعزية فقط بل عانى من السعال الشديد ولم يفتئ يشاركنا بالأدوية التي اشتراها من أجل معالجة سعاله. وقد أساءه سعال من معه في الحملة. وأنه وعلى الرغم من أن مبالغ مهمة كانت قد دفعت من أجل العلاج في الحج، إلا أنه لم تكن هناك عناية كافية بالحجيج من قبل البعثة الطبية الإيرانية والتي كانت تفتقر إلى معظم أنواع الأدوية وخصوصاً تلك الغالية منها. كما تعرض الحجيج الإيرانيون في تلك الحملة بالذات للسرقة، ولكن لم يحدد الكاتب هل كانت السرقات من داخل الحملة أم من خارجها. وهذه كانت من الحوادث التي ركز عليها الكاتب. ففي خضم ساعات الحر والقيظ كانت أخته تتشاجر مع زوجها ويعلّق الكاتب أنها ربما أضاعت خاتمها، لأنها كانت قد افتعلت الشجار نفسه عندما أضاعت ساعتها.

أسرت الطبيعة المتداخلة ما بين الجبال الجرداء وما بين الصحراء لب آل أحمد، وذكّره المنظر الخلاب بإيران، غير أنه يعترف لنفسه بأن الطبيعة هنا أنقى وأعرى وهي بذلك أبهى. ولكن هذه الطبيعة لم تستطع إلا أن تثير استياءه بسبب الحر الشديد. ثم أن هناك ثلاث نقاط كان لها الحيز من الإستياء وأتبعها الإعتراض القاسي من قبل الكاتب. وهي: السعي، والنحر والعمارة. أما الطواف فقد تحدث عنه بمقدار من القبول أكبر من الشعائر الأخرى.

يبدأ الكلام عن السعي بوصف الحالة: فقد أعاد السعي بين الصفا والمروة الكاتب الى 1400 سنه الى الوراء. وما أزعجه فيها هو تلك التمتمات العالية واللاإرادية، وسقوط الناس بين الأرجل وعدم الإمكانية من مساعدة أحد، وذهول الناس عن كل شيء. ثم يصف الحالة الناتجة عن تجمع وسقوط الناس والعجائز والحمالات الخشبية، والأحذية. وتبدأ لحظة الإستدارة للعودة عندها يهرب الكاتب من المجاميع ويبكي. ويقول إن في السعي تذهب وتجيء حائرأ كما هاجر، ولاذ بالفرار بعد شوطين.

أما في الطواف، فالناس تلتصق ببعضها البعض، ويدورون مع بعضهم البعض، وأنت ذرة في دائرة عظيمة تدور حول مركزها. ثم يكتشف: "والحال أن هذه الذات، إن لم تكن ذرة تصنع الجماعة، فهي ليست حتى "ذاتاً". ليست بشيء أصلاً، ما هي إلا تلك القشة المتسكعة، ولكن (وألف لكن) اذا انحرطت في نطاق إيمان ديني أو خوف مقدس، فستصنع الأهرام، وسور الصين، بل ستصنع الصين كله، بل الشرق برمته، منذ هبوط آدم إلى اليوم".

وأما في العمارة والبناء فقد انتقد هدم الأبنية القديمة، والآثار القديمة. هذا التهديم لمعالم مكة والمدينة والقبور في البقيع أثار استياءه كثيراً واعتبر أن المهندس القائم على التوسيع والذي يستخدم الإسمنت في البناء وشعاب مكة مليئة بحجر الغرانيت الجميل الذي بنيت منه الكعبة، لا يعرف شيئاً عن العمارة ولا يقدر أهمية الآثار والتاريخ. وليست المشكلة فقط في توسعة الحرم من أجل الطواف أو الصلاة، ولكن المأساة الكبرى هي في التمديدات الصحية والرائحة التي تملأ المكان والقاذورات وأكثر من ذلك انقطاع الماء والكهرباء ليلاً، والتقنين الشديد فيهما.

أطلق الكاتب على الأضاحي، الذبائح التي نحرت اسم "الجثث المنحورة". تسمية تشعرك بالقرف من الأضحيات التي عاد وأكل منها الكباب المشوي بعد أن بات الجميع يتوقون إلى طعم الشواء. وكان منظر رؤوس الحيوانات المقطوعة منظراً فظيعاً حتى أنه أسمى النحر والتضحية بـ"المذبحة"، والتي كانت من أجل الحيلولة دون ذبح الآدميين. وراقب فلاحظ أن الدولة لا تسمح للمضحين بأخذ الجلد والأمعاء، ويعلق بأنها تجارة رابحة جداً. كان هناك بعض الأطفال الذين يعبثون بجثث الحيوانات بعد الذبح وقد تعلموا كيف يجعلونها تبدي ردود أفعال وكأنها تتألم، وكان الكاتب يظن أنها فعلاً تتألم. الأوساخ على الأرض، الدم، الروائح، كلها من الأمور التي يذكرها آل أحمد بكثير من التفاصيل.

هناك أشياء أخرى تلفت نظر الكاتب ويخرج في كل يوم من أجلها. فهو يخرج ليشرب الشاي، ويتناول فطوره. وكان لسماور الشاي الحيز الهام في كتابته، وكذلك للماء والمشروبات المثلجة. ولكن بعد مدة زمنية قدر له أن يشرب القهوة ويلتقي بأناس من تركيا. لقد التقى بأناس من جميع الجنسيات والأجناس والأعراق وتعرف عليهم وتحدث معهم في أمور العامة والتعليم والسياسة. لم يكن الحج بالنسبة إليه، على الأقل كما اتضح لي، من أجل إقامة الشعائر فقط، أو حتى من أجل إقامة أحد شعائر الإسلام لمن استطاع اليه سبيلاً. بل كان الحج بالنسبة إليه، هو الناس وشرب الشاي معهم وفهم طبائعهم ومن أين أتوا ولماذا أتوا. لقد كانت رحلة في السياسة والإجتماع والإقتصاد. حتى أكثر من ذلك كانت رحلة نقد لنظام عربي، ولكن ليس بالمقارنة مع أنظمة أخرى بل هي نقد لمجرد النقد، وقد ساقه كثيراً في رحلة الحج ويومياتها. وأحياناً كانت نقداً للمصلين إذا تحركوا أو تحدثوا. كان يراقب الجميع ويراقب كل شي. بصراحة هي تلك رحلة الحج التي أحلم بها أنا شخصياً.

 

عبير بسام كاتبة لبنانية.