"ظلال أطلانتس": عمار المصري يخوض غمار الخيال العلمي

تتحدث الرواية عن غزو فضائي لكوكب الأرض، صاغها الكاتب المصري الشاب عمار محمود المصري، والمدينة الوحيدة التي تمكنت من الصمود أمام الغزو هي مدينة اطلانتس وهي مدينة مصرية بنيت في الصحراء الغربية، وأصبحت ملاذاً لما تبقى من البشرية.

رواية "ظلال أطلانطس" للكاتب المصري عمار محمود المصري
رواية "ظلال أطلانطس" للكاتب المصري عمار محمود المصري

مدينة أطلانطس تخفي سراً يبحث عنه الغزاة، وقد بٌنيت المدينة على أنقاض مدينة أطلانتس الأسطورية. تبدأ القصة سنة 2150، عشية الغزو، عندما تسقط نيازك من السماء وترسل إشارات إلكترونية تحول عبيد البشرية، الروبوتات، وتقلبهم على البشرية ليصبحوا عدوها اللدود. ولكن القصة تركز على الأبطال الذين يتم اختيارهم، وتدريبهم، من قبل قوة غامضة للقتال ضد الغزاة:

نور المصري، بطل الرواية، لديه القدرة على خلق الأجسام الجامدة من خياله.

جين بإمكانها الرجوع بالزمن خمس ثوان أو أن توقف الزمن لمدة خمس ثوانٍ.

آريس يستطيع تغيير هيأته ليشبه أي أحد يريد ويستطيع تغيير لونه أيضًا ليناسب البيئة المحيطة به.

سايري لديه قوة تحريك الأشياء عن بُعد.

إيفانوف يستطيع أن يغطي جسده بالمعدن ليصبح صلبًا كالفلاذ.

كينو هو سايبورغ، نصف إنسان نصف روبوت، مدجج بأسلحة متفجرة والعديد من التقنيات الأخرى.

يوسف يمكنه استعارة قدرات الآخرين لفترة محدودة. كما أنه يستطيع أن يعالج الإصابات الخطيرة لأي شخص.

وياسين يسيطر على بعض عناصر الطبيعة مثل الماء والنار والهواء.

يتم اختيار هؤلاء من قبل مجموعة سرية خلال مسابقات تشبه مسابقات المصارعين الرومانية (gladiator). مسابقات أبشع من ألعاب الجوع (The Hunger Games) وعداء المتاهة (The scorch trials)، بل تفوقها ضراوة. يبدون مملين بالمقارنة بالمنتج المصري. وقد تم محو ذاكرتهم، فلا يتذكرون شيئاً عن الغزو.

تتركز معظم القصة على هذه المسابقات العنيفة التي تجعلهم يستخدمون قدراتهم الغريبة بذكاء للفوز بهذه المسابقة (يجب أن ينجح ثمانية فقط في هذه المسابقات التي تتكون من قائمة كبيرة من الأشخاص ذوي القدرات الخارقة). وتنتهي القصة، فجأة، عندما يتسلل ثلاثة من الأبطال إلى المقر السري للروبوتات، ويجدون أمامهم المخلوق الغريب القادم من الفضاء (Gaia) الذي يتحكم في الروبوتات. (يحتوي المقر الرئيسي على مصدر طاقة عملاق يسمح للروبوتات بأن تعمل من دون توقف، وتدمير هذا المصدر سيضع حدًا للحرب مرة واحدة وإلى الأبد).

هذه النهاية المفاجئة ليست نتيجة أي نقص في الأفكار من جانب المؤلف، فالرواية تُحكى في 245 صفحة، وكل صفحة مليئة بالحيوية والطاقة. في الواقع المؤلف اضطر لتقسيم الرواية الأصلية إلى نصفين نظرًا لضخامتها.


قدرات خارقة... للكاتب

يراهن الخيال العلمي على دور للروباتات في المستقبل وتطورها إلى كائنات ذكية
يراهن الخيال العلمي على دور للروباتات في المستقبل وتطورها إلى كائنات ذكية

 

المؤلف، الذي يبلغ من العمر 21 عامًا فقط يتمتع بمهارة عالية في مهنته، وهذه هي روايته الأولى، فالفصول بعضها طويل وبعضها قصير، والتركيز فيها على شخص واحد أو مجموعة من الأشخاص يسمح لك بأن ترى نفس تسلسل الأحداث من وجهة نظر شخصية أخرى، كما أنه يساعدك على فهم ما يجري بشكل أكمل، ويخلق جوًا من الغموض ستستمتع به.

وعلاوة على ذلك، هذا يسمح للقارئ بمعرفة المزيد عن خلفية الشخصيات، فأنت والأبطال في طور الاستكشاف والبحث عن الذات؛ فهم يتذكرون ماضيهم بينما يكتشفون ما حدث لكوكبهم الحبيب. الرواية مشبعه بالأحداث وسريعة جدًا، وفي نفس الوقت، تتيح لك أن تأخذ وقتك وتتأمل، وتتيح لك فرصة للاسترخاء، كما تفعل الشخصيات نفسها في بعض الأوقات.

والميزة الأخرى للرواية، وهي استثنائية تماماً بالمعايير العربية، هي روح الفكاهة، فالمصريون ليسوا غرباء عن السخرية في الكتابة، ولكن للأسف الشديد فالخيال العلمي المصري جاف وصارم للغاية، في معظم الوقت.

الأحداث هنا كثيرًا ما تكون فكاهية، فلدينا مثلاً عندما يركب إريس على متن سفينة الروبوتات التي تأخذه إلى مقر الروبوتات السري، ولأنه يستطيع تغيير هيأته فهذا يجعله يتنكر كروبوت، ويُجبر على الجلوس مباشرة أمام جندي من الروبوتات، بينما يحدق الروبوت الآخر في وجهه مع نظرته الفتاكة الباردة، في حين يصيب إريس الذعر الشديد لأنه يمكنه أن يغيّر شكله لمدة خمس دقائق فقط، فكم من الوقت سوف تستمر الرحلة حتى يعود إلى هيأته؟!

لفهم "ظلال أطلانتيس" عليك أن تكون مصريًا. الأبطال قادمون من شتى بقاع الأرض، وقصة الرواية تخص العالم كله؛ ولكن اللغة والهموم واللفتات مصرية. فعلى سبيل المثال، المشهد الأول يكشف كل شيء. البطل نور"صبي"، اضطر للاستيقاظ بسبب صوتٍ مزعج من رنين منبهه، وتم وصفه بأنه له ملامح تميل إلى العروبة وبشرة تميل إلى السمرة، وشعر بني ناعم (ليس شعر أكرد مجعد أسود) وعينين كاللؤلؤ الأسود.

البطل عالمي وبعبارة أخرى، بروح عربية وإسلامية؛ تجهيزًا لصراع الحضارات. كما أن عمر نور هو 22 سنة، وهو ملتحق بالجامعة، وطموحه أن يكون رائد فضاء، لكنه وصف بأنه صبي في مصر؛ وفي مصر أنت شاب فقط عندما تبلغ سن الـ30 وتبقى على هذا النحو حتى تصل الـ50، على وشك التقاعد. قبل هذا أنت مجرد "طفل"، حتى لو كانت لديك درجة الماجستير.

حتى كينو يوصف بأنه "شاب"، على الرغم من انه أستاذ جامعي في الثلاثينيات من عمره. ومن الواضح أن الكاتب الشاب يتمرد ضد الأبوية العربية.  

لاحظ أيضاً أن نور يعيش في منزل جميل (في ضواحي القاهرة الجديدة) مع حديقة جميلة، بعيداً عن ضجيج واكتظاظ المدينة، وفي منزل ورثه من والده. هذه إشارة إلى الفردية (individualism) والاستقلال الشبابي، المصريون يحبون أن يكونوا مكتظين معًا، (اللمة، الونس)، حتى في المدن الجديدة في الصحراء، فهم لا يشعرون بالأمان خلاف ذلك.

لاحظ أيضاً أن صديق نور وزميله في الجامعة، يوسف، يدخل في منزل نور من دون أن يطرق الباب الأمامي أولاً، مما يسبب الفزع لنور. (المصريون دائماً يغلقون الباب بالمفتاح). وملخص هذا بأن الشباب هو المستقبل، مستقبل منفتحًا على العالم.

وأستاذ نور الجامعي، كينو، ياباني. (وهذا هو نفسه كينو الذي يحصل على القوى الخارقة ليصبح سايبورغ). لذلك هذه التلميحات الأدبية هي حول النزعة الدولية، لأن الأبطال يأتون من أجزاء مختلفة من العالم، ولهذا فعليهم أن يتعلموا أن يتحدوا كي يقفوا في مواجهة عدو مشترك يهدد بالقضاء على البشرية جمعاء. والروبوتات لا تميّز البشر على أساس الجنسية والدين والعرق. (خلال الدورات التدريبية، يتم تشجيع الأبطال على خيانة بعضهم البعض، ولكنهم يرفضون بثبات). ومع شجاعة الأبطال الثمانية، فلا تزال لديهم عيوب شخصية.

إيفانوف، عندما يتحول تمامًا، يفقد السيطرة على نفسه ويدمر أي شيء في طريقه -حتى حلفاءه. كان في الأصل جنديًا روسيًا، مع شعر أشقر ملحوظ جدًا، الجزء الوحيد منه الذي لا يتحول إلى المعدن، في الواقع. لذلك، برغم التقدم التكنولوجي وراحة الحياة في عام 2150 -لا يزال نور يريد بأن يغرق في النوم - فلا تزال هناك حروب وصراعات عالمية، فالعالم الإسلامي فى هذه القصة في مواجهة مع الاتحاد الأوروبي.

لا عجب أن طموح نور هو الابتعاد عن كل شيء عن طريق الخروج إلى الكون!


عوالم مصغره متجانسة

الرواية تحاكي الأساطير عن مدينة أطلانطس المفقودة
الرواية تحاكي الأساطير عن مدينة أطلانطس المفقودة

 

يمكننا أن نضيف مجموعة ثالثة من القضايا التي أثيرت هنا – اليوتوبيا أو المدينة الفاضلة. القصة عن أطلانتيس، قبل كل شيء. أين توجد اليوتوبيا؟ في عالم التكنولوجيا، أم في قلوب الرجال؟

سايري كان راهباً بوذياً يابانياً في حياته قبل الغزو، يفضل الطبيعة حيث يقع معبده، ويكره الحداثة والتكنولوجيا. يرى سايري نفسه على أنه ساموراي، بل أنه لديه سيف كاتانا، ورثه من والده، ولكنه يحصل على سيف ضوئي حديث من خلال مبارزة مع عدو، مما اضطره إلى الاعتماد على التقنية الحديثة. اجتماع التكنولوجيا مع الروحانية.

 تذكر أن الحياة الناعمة والاعتماد التكنولوجي على الروبوتات قد أديا إلى سقوط البشرية.

وضع شقيق كينو قوانين البرمجة التي تجعل الروبوتات مطيعة تمامًا -قوانين أسيموف (Asimov) الثلاثة- ولكنه نفسه وقع فريسة للكون خلال رحلة فضائية سابقة لاستكشاف مجرة جديدة والبحث عن أي حياة خارج كوكب الأرض.

إن المواجهة بين المسلمين والأوروبيين في الرواية هي إشارة إلى صراع الحضارات. هناك الكثير من الأسلحة التي تركت في هذا العالم ما بعد الكارثة، والتي يتلقفها كلٍ من ايفانوف، إريس وسايري خلال رحلتهم بفارغ الصبر. وعلى قدر ازدهار العالم الجديد، فإنه لا يزال ينفق الكثير من الأموال على التسلح، أسلحة لم يستفد منها في النهاية، لأن الروبوتات أصبحت هي الأفضل في اختراع وسائل التدمير. والمثير للدهشة، أن الروبوتات أصبحت إنسانية جدًا خلال هذه الحرب الكبيرة بينهم وبين البشر، فترى أسر للروبوت، رجال ونساء وأطفال يتفاعلون ويتحركون كالبشر تمامًا. هل من قبيل المصادفة أن قائدهم يدعى "غايا"، كلمة أخرى لكوكب الأرض؟ كلمة مرتبطة بمحبي الطبيعة، فقد أصبح على البشر التعلم من الروبوتات "المتحضرة" الآن.

 كانت الرواية مبهجة للقراءة، فقد استغرق الأمر مني نحو 4 أيام، وأنا قارئ بطيء جداً، وخاصة باللغة العربية. فلهذا السبب وحده يجب عليك قراءتها. شخصيًا، لا أستطيع الانتظار للرواية المقبلة، فذهني على وشك أن ينفجر من الاحتمالات!!!.