الإدارة والاقتصاد في العراق خلال العهد العثماني الثاني

يتناول الكتاب تاريخ العراق الإداري والاقتصادي في العهد العثماني الثاني 1638 – 1750م أي منذ استرداد السلطان مراد الرابع بغداد في سنة 1638 م وحتى قيام ما يعرف بحكم المماليك في العراق 1750 – 1831م.

كتاب "العراق في العهد العثماني الثاني: دراسة في الإدارة العثمانية والحياة الاقتصادية 1638-1750م" للباحث خليل علي مراد
كتاب "العراق في العهد العثماني الثاني: دراسة في الإدارة العثمانية والحياة الاقتصادية 1638-1750م" للباحث خليل علي مراد

رزح العراق كما هو معروف تاريخيًا تحت نير الاستعمار العثماني، زهاء الاربعة قرون. وكانت الحقبة التي حكم فيها العثمانيون العراق، الاسوأ في تاريخه، عصر من التخلف قاتم الظلمة، عانى خلاله الشعب العراقي صنوفًا من الاضطهاد البشع، تجلى في سياسة التتريك، ومحاولة طمس اللغة العربية، وتجنيد شبابه في حروب استعمارية لا مصلحة للشعب العراقي فيها واستغلال خيرات البلاد وثرواتها.

وقد خصّص الكاتب الفصل الأول، "التنظيمات الإدارية"، لدراسة التقسيم الإداري العثماني للعراق والمناطق الكردية وإدارة العشائر العربية، وفصّل الجهاز الاداري في الولايات العراقية ابتداءً من الوالي حتى الدفتردارية والكتبة، ودرس علاقة الولاة بالباب العالي من جهة وبالسكان من جهة أخرى، ودور الأعيان في إدارة الولاية إضافة إلى منصب نقيب الأشراف.

بعد سقوط الدولة الإلخانية في العراق سنة 736ه/1336م، زالت التقسيمات الإدراية التي وضعها الإيلخانيون للعراق، وتحولت تلك التقسيمات إلى مجرد تسميات لمناطق، في ظل الأسر المختلفة التي حكمت العراق (الجلائريين، القرة قوينلو، ألاق قوينلو، وأخيراً الصفويون الذين استولوا على مناطق واسعة في العراق بين سنة 1508 و1534م).

قُسّم العراق إلى وحدات إدارية كبيرة، يُطلق على اسم كل منها "أيالة" وتقسّم كل منها بدورها، إلى وحدات إدارية أصغر تسمّى "سنجق". أهم أربع أيالات وأكثرها أهمية كانت: أيالة بغداد، أيالة الموصل، أيالة البصرة، أيالة شهرزور.

أما في ما يخص إدارة المناطق الكردية، أعطى الكاتب بداية، لمحة صورية عن الأكراد خلال الحكم الصفوي، استطاع منها أن يستخلص العوامل التي اعتمدها العثمانيون في تنظيم مناطقهم، ألا وهي: العامل السياسي المتمثل في كره الأكراد للصفويين من منطلق مذهبي، العامل الطبيعي المتمثل في المنطقة الجبلية الوعرة التي يسكنها الأكراد، والعامل الاجتماعي المتمثل في كون الأغلبية منهم يعيشون عيشة بدوية. وبناء على ذلك أصبحت إدارة المناطق الكردية تتم بواسطة البكوات الأكراد، يترأسون إمارات كردية تسمى "حكومات كردية".

بالنسبة لإدارة العشائر العربية، واجه العثمانيون هذه المجموعات الكبيرة التي كانت تشكل أغلبية سكان العراق، ووُضع تنظيم خاص لها، مع مراعاة بعض التقاليد الاجتماعية السائدة لديها، وتركت الدولة إدارة شؤونها الداخلية لهذه العشائر بيد شيوخها وفقاً للتقاليد المتعارفة بينهم، معترفة بسلطة هؤلاء بشكل رسمي.

درس الكاتب في الفصل الثاني "الجيش والقوات المسلحة"، أي حال القوات المسلحة العثمانية في هذه الفترة حيث تعددت القوات العسكرية وصنوفها وعناصرها، تكوّنت قوات الأيالات العراقية في هذه الفترة، من ثلاث أصناف رئيسية: هي القوات النظامية للدولة "القبو قولي" التي تأتي للخدمة الدورية في هذه الأيالات، إرتبطت مباشرة بمركز الدولة، رغم كونها تحت القيادة العامة للوالي أثناء الحرب والحملات العسكرية. بعد قوات الدولة تأتي القوات المحلية المتكوّنة من قوات الحدود والقلاع من المتطوعين، ويدخل ضمن هؤلاء الفرسان الإقطاعيون "السباهيه".

أما القوات الخاصة فقد ارتبطت بالولاة مباشرة، ونالت اهتمامًا خاصًا لتعزيز مراكزهم في الأيالة وتمكينهم من الوقوف في وجه بوجه القوات الأخرى في بعض الحالات والاستعانة بهم في ضرب الحركات العشائرية. كذلك قوات العشائر المتمثلة بالأكراد وبعض العشائر العربية، والقوة البحرية في البصرة.

أخطر شيء في هذا التعدد، كان الولاء المختلف لهذه القوات، فقد ارتبطت قوات الدولة النظامية "القبو قولي" بالسلطان، وارتبطت القوات الخاصة "القبو خلقي" بالوالي، وأدى ذلك في الواقع إلى ضعف الضبط والنظام بين عناصر القوات المسلحة نفسها.

عدا عن ذلك، فإن عدم انتظام بعض الوحدات العسكرية المهمة، مثل القوات الإقطاعية في وحدات عسكرية نظامية، وعدم وجود إشراف دقيق عليها، أدى إلى انحلال هذه القوات وفقدان أهميتها.

تألفت قوات الدولة النظامية من مجموعات عدة:

"الانكشارية"، مثلت العنصر الرئيسي من قوات الدولة النظامية، العاملة في أيالاتها المختلفة وكانوا يسمون بـ"ينيجريان دركاه عالي"، أي انكشارية الباب العالي، تمييزاً لهم عن القوات المحلية. احتفظوا بتنظيمهم الأصلي، حيث كانوا مقسمين إلى مجموعات تسمى كل واحدة منها بالأورطة. وعُرفوا منذ بداية تشكيلهم بالانضباط والنظام والولاء لشخص السلطان، واستمر ضبطهم العسكري هذا حتى منتصف القرن السادس عشر، قبل انحلالهم بعد الأزمة الإقتصادية، التي تعرضت لها الدولة العثمانية، وتفاقمت بسبب تدفّق الفضة الأميركية بكثرة على أوروبا وعلى الدولة العثمانية.

تناول الباحث في الفصل الثالث، النظام القضائي في العراق في هذه الفترة، وشمل القسم الأول دراسة القضاة من حيث تعيينهم وتصنيفهم إلى درجات، ومكانة قضاة العراق من النظام القضائي العثماني ككل من حيث المرتبة. كما شمل دراسة درجة القضاة العلمية وشخصيتهم وإنتاجهم الثقافي ومواردهم المالية ونواب القضاة. أما القسم الثاني فقد خصّص لدراسة المحاكم والقوانين التي حكم بموجبها القضاة والأحكام والعقوبات من قتل وتأديب أو غرامة، والسلطة التي تقوم بتنفيذ أحكام القاضي.

لقد احتلّ الجهاز القضائي مكانة مهمة في جميع المجتمعات الإسلامية، لما له من دور مهم في النظر في الخلافات التي تظهر بين أفراد المجتمع وإصدار الفتاوى في القضايا الشرعية. وشهد العهد العثماني، تغييرًا في هذا الجهاز، ألا وهو فصل الإفتاء عن القاضي، وأسندت مهمة إصدار الفتوى الى المفتي.

من جهة أخرى عمل العثمانيون على وضع تنظيم خاص لسلك القضاة "العلماء"، فيما يخص درجاتهم وتعيينهم ومخصصاتهم وصلاحياتهم، ووضع على رأس التنظيم المفتي الأكبر، "شيخ الإسلام" ذو المكانة المهمة في الدولة العثمانية، وتعددت مذاهبهم، الحنفي، والشافعي، والمالكي والحنبلي.

كانت هناك درجات ومراتب خاصة بقضاة العراق، ضمن المراتب القضائية العامة للدولة العثمانية. وفيما ما يخص القوانين التي عمل بموجبها القضاة، تضمنت الشريعة الإسلامية  أحكام القرآن والحديث إضافة إلى اجتهاد الفقهاء، "القانوننامة" و"العرف"، وكان لكل لواء وقضاء محكمته الشرعية التي يمارس فيها عمله اليومي مع بقية أعضاء المحكمة.

تأتي "القانوننامة" بعد الشريعة الإسلامية، من حيث كونها مصدراً قانونياً يعمل بموجبه القضاة. إذ من المعروف أن الشريعة الإسلامية برغم تغطيتها لجوانب مهمة من الحياة واستدلال القضاة بها في هذه الجوانب كانت صامتة بشأن التطورات المستجدة باستمرار. وعلى هذا فإن ما يصدره السلطان بهذا الشأن كان مجرد إضافات للشريعة، حينما تسكت الشريعة، وليست أحكاما بديلة عنها في حين أن محاكم الأقضية لم تكن تحتاج إلى أكثر من قاضي وكاتب بسيط يساعده في تصريف شؤون أحكام المحكمة.

"العرف" في الأصل مصدر من مصادر التشريع الإسلامي، حصر مدلول "العرف" في هذه الفترة بمعنيين: الأول مقارب لمعناه الأصلي عاكسًا حقيقة كون القوانين العثمانية قد ثبتت في كثير من الأحيان بعض المراسيم أو الأعراف المحلية. والثاني بمعنى أن القوانين أو بعض الأوامر الصادرة، خارج نطاق الشريعة بإرادة السلطان والتي أجيزت من قبل رجال الدين، والأشخاص المنفذين لأوامر السلطان كانوا يسمّون أهل العرف.

كذلك ألحق الكاتب بهذا الفصل دراسة تنظيمات الشرطة والاحتساب لارتباطهما بالقضاء.

"الحسبة"، هي إحدى المؤسسات القديمة التي اشتهرت بها الدول الإسلامية، والتي نشأت في الأساس لغرض النظر في الآداب العامة، ومن ضمنها أيضا الإشراف على الأسواق وما يرتبط بها من مراقبة للأوزان والأسعار والمواد المعروضة ومدى جودتها، طبقاً لقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقد خصص الكاتب الفصل الرابع،  لدراسة نظام الأراضي في العراق، تناول فيه نظام الأراضي قبل الاحتلال العثماني وخلاله. وتطرق إلى نظام ملكية الأراضي الزراعية، والإقطاع العسكري العثماني، وأهدافه والعلاقة بين أصحاب الإقطاعات وبين الفلاحين، وحقوق تصرّف الفلاحين في أراضي الدولة الـ"ميري" وأوضاعهم في تلك الأراضي. وشمل الفصل أيضاً، دراسة التوزيع الجغرافي للإنتاج الزراعي وبدائية وسائل الإنتاج، والضرائب الزراعية وطرق جبايتها سواء تلك الضرائب المفروضة على الفلاح أو على إنتاج الأرض أو الحيوانات التي يستخدمها الفلاح أو المنشآت المقامة على الأرض الزراعية.


نظام الأراضي خلال الاحتلال العثماني

 

قسمت أراضي العراق خلال العصر العباسي، إلى أراضي الخليفة وأراضي الديوان (أي ملك الدولة)، أراضي الوقف والملكيات الفردية.

لم يحدث تغيير أساسي في هذا التنظيم بعد احتلال المغول للعراق، إثر سقوط بغداد على يد هولاكو سنة 656 ه/1258 م. واستمرت نفس أصناف الأراضي تقريباً في العهد الإيلخاني مع تغيير تسمية أراضي الديوان التي للدولة إلى اسم "إينجو". بعد انهيار الدولة الإيلخانية استمرت وريثتها الدولة الجلائرية في العراق وإيران على نفس الأسس السابقة في إدارة الأراضي.

 

قام العثمانيون بعد احتلالهم العراق، بعملية مسح شامل للأراضي الزراعية، ثبّتوا فيه كل ما يخصّ هذه الناحية من إحصاءات للمزارعين وقراهم، ومزارعهم وإنتاجهم الزراعي والضرائب المفروضة عليهم في سجلات خاصة. في حين أن محاكم الأقضية لم تكن تحتاج إلى أكثر من قاضٍ وكاتب بسيط يساعده في تصريف شؤون أحكام المحكمة.

قسم العثمانيون الأراضي إلى أراضي ملك، وأراضي "ميري" أي ملك الدولة، واتضح من خلال هذه الدراسة مدى تأثر العثمانيين بأحكام الشريعة الإسلامية، بخصوص الأراضي وعلى الأخص في أيالة البصرة، وبتنظيمات دولة الأق قوينلو.

في مجال الضرائب الزراعية شجّع العثمانيون المزارعين على إحياء الأراضي المهملة،  لمدة سنة كاملة وفرضوا ضريبة تقدر بخمس الحاصل الزراعي عليه، بعد السنة الأولى على أن لا يدفع هذا المزارع أية ضريبة أخرى.

لكن في المقابل، كثرة الضرائب، والكوارث الطبيعية والاضطرابات السياسية، كلها عومل أدت إلى قلّة الإنتاج وهجرة الكثير من الفلاحين إلى المدن.

الفصل الخامس والأخير، شمل موضوعي الصناعة والتجارة. في الصناعة درس الكاتب تركيب المدينة العراقية في القرنين السابع والثامن عشر، لما لذلك علاقة بدراسة الإنتاج الصناعي وتوزيع الصناعات وأدوات الإنتاج المستخدمة في الصناعة، وظروف العمل فضلاً عن نظام الأصناف الحرفية والعوامل المؤثّرة على الصناعة.

اقتصرت الصناعة، على الإنتاج الحرفي البسيط، من أجل الاستهلاك المحلي، وكان لبدائية وسائل الإنتاج، وتدفّق السّلع من الخارج أثر كبير في الحدّ من تطور الصناعات المحلية.

صناعة النسيج بأنواعها المختلفة، مثّلت أهم الصناعات القائمة، وقد اشتهرت مدينة الموصل بالدرجة الأولى، حيث كانت تجارة الأقمشة القطنية، تحتلّ مكانًا مهمًا من تجارتها مع مختلف الجهات، وكان القطن اللازم لهذه الصناعة يزرع في المناطق المحيطة بالموصل مثل سنجار وغيرها من القرى.

أما أوضاع الحرفيين العاملين في الصناعة فلم تكن جيدة، بل كانوا خاضعين لضرائب عديدة وباهظة وظروف عمل سيئة جداً.

عمل أغلبهم في دكاكين صغيرة، مملوكة من قبل أصحاب المحلات الكبيرة مثل العاملين في المعاصر ومعامل البارود.

كان العاملون في مختلف الصناعات خليطاً من سكان البلاد على اختلاف مذاهبهم وقومياتهم.

شرح الكاتب في القسم الثاني من هذا الفصل، التجارة الداخلية والخارجية في العراق. وميّز أنماط التجارة الداخلية بين الريف والمدينة، التي اقتصرت على القرى والأرياف القريبة من المدينة أو ما يعرف بإقليم المدينة. في حين أن التجارة بين المدن المختلفة، شكلت ضرورة فرضتها الدولة وفق اختلافات الإنتاج بين مدينة وأخرى سواء من حيث المحاصيل الزراعية والانتاجات الصناعية.

شكّلت مدينة الموصل المركز التجاري الرئيسي للمنطقة الشمالية، كانت تصدر منتجات المناطق الشمالية من حبوب وفواكه وجلود إضافة إلى ما تنتجه المدينة، من أقمشة ومصنوعات حديدية ونحاسية إلى المناطق الجنوبية مثل بغداد والبصرة عن طريق دجلة، في حين أن البصرة التي كانت مركزاً تجارياً رئيسياً، لما يجلب إلى العراق من منتجات وسلع مختلفة، عن طريق الخليج العربي، بواسطة سفن. مختلف الدول صدرت المنتجات التي ترد إليها إلى بغداد عن طريق دجلة، أو بواسطة القوافل، وتوزع هذه السلع إلى المناطق المختلفة مثل الموصل والمدن المجاورة لها في الشمال والمدن التابعة إلى بغداد وعلى الحدود الشرقية مثل بعقوبة وخانقين ودرتنك وغيرها.. كما تقوم بتصدير قسم منها إلى الخارج مثل إيران أو سوريا أو آسيا الصغرى.

كانت التجارة بين المدن والولايات تتم عبر طرق مائية نهرية وطرق برية عدة، منها طريق بغداد – الموصل شرقي دجلة، طريق بغداد – الموصل غربي دجلة، طريق الموصل – بغداد، طريق بغداد – البصرة، طريق البصرة – الحلة النهري.

التجارة الخارجية منحت العراق ميزة خاصة، وكان ملفتًا اهتمام الدول الأوروبية بمنطقة الخليج وموانئه المختلفة، ومن ضمنها ميناء البصرة والمنافسة التجارية التي قامت بين هذه الدول، أي بين البرتغال وهولندا وإنكلترا بالدرجة الأولى، من أجل احتكار تجارة المنطقة. وقد أوضح الكاتب بعض ما يتعلق بنظم هذه التجارة مثل وسائل المواصلات والخانات والضرائب التجارية، إضافة إلى النقود المستعملة قيد التناول في هذه الفترة.

وقد حققت التجارة الخارجية انتعاشاً للعراق خلال هذه الفترة، بعد أن عانت من التدهور طيلة الجزء الأعظم من القرن السادس عشر بسبب الهيمنة البرتغالية على مياه المحيط الهندي والخليج إلى العراق ومن ثم الى سوريا وموانئ البحر الأبيض المتوسط إلى طريق رأس الرجاء الصالح.

كما درس الباحث علاقة العراق التجارية مع كل من البرتغال، هولندا، الإنكليز، فرنسا، سوريا، آسيا الصغرى، وإيران ونظم التجارة مثل الخانات التجارية والأسواق والقوافل وألحق الفصل بدراسة للضرائب التجارية والعوامل المؤثرة على التجارة.